تقدیر قرار عمر بن عبد العزیز بإباحه کتابه وروایه سنه الرسول

0

والامتناع عن روایه أی شئ عن رسول الله والنفور من الکتب والتألیف اقتداء بسنه أبی بکر وعمر . صحیح أن الإمام علیا والقله المؤمنه قد قاوموا ذلک ، وحکموا بعدم شرعیته ، وقاموا بجهد معاکس لسنه الخلیفتین ، فحثوا المسلمین على کتابه وروایه سنه الرسول ، وعلى تدوین کل أقسام العلوم ، وأنهم قد احتفظوا بکتبهم ، ولم یسلموا الخلفاء سنه الرسول المکتوبه عندهم ، لکنها کانت مجهودات محدوده الأثر أمام طاقات دوله الخلافه وإمکانیاتها ، ونفوذها ، لقد طغى جهد الدوله على جهد الإمام علی والفئه القلیله المزمنه ، لأن الناس مع من غلب حسب سنه الخلفاء ، وعندما آلت الخلافه إلى الإمام علی ، وجه جهده وعنایته نحو نشر سنه رسول الله ، لکن من الناحیه الواقعیه لم یکن مع الإمام علی إلا القله المؤمنه ، أما الأکثریه الساحقه فقد کانت تتدین لسنه الخلفاء ، وبالتالی لم تصغ للإمام علی ، لأن الإمام علیا کان منذ الیوم الذی توفی فیه رسول الله وحتى الیوم الذی تولى فیه الخلافه کان من الناحیه العملیه قید الإقامه الجبریه ، ومعزولا عن المسلمین هو وأهل بیته ، وکذلک القله المؤمنه ، فضلا عن ذلک فإن کل الولاه والعمال والأمراء وموظفی دوله الخلافه کانوا من الکارهین للإمام علی بن أبی طالب ولأهل بیت النبوه ومن والاهم ، کان الإمام مدرکا عندما تولى الخلافه أن الأغلبیه الساحقه من الأمه معبأه من قدیم ضده ، وأن کلمته غیر مسموعه عندهم ، ولو کانت هذه المعوقات قد اعترضت غیر الإمام علی لما استطاع أن یصمد فی منصب الخلافه لأکثر من ساعه واحده ، لکن الإمام علیا طراز خاص من البشر ، والقله المؤمنه التی التفت حوله ، وصدقته الولاء کانت من أنبل بنی البشر ! !
کان الإمام علیا یعلم بأن صوته فی هذه الظروف غیر مسموع عند الأغلبیه الساحقه من الأمه التی کانت تتعبد بسنه الخلفاء ، فضلا عن تلک الحرب القذره التی شنها على الإمام علی أعداء الله السابقون بقیاده معاویه ، لقد استهلکت هذه الحرب الجزء الأعظم من اهتمام الإمام ولأن الإمام علیا کان یعلم طبیعه دین الأکثریه فقد لجأ لأسلوب المناشده کما فعلنا سابقا حیث یسأل المتواجدین معه بالله أن من سمع رسول الله یقول کذا ، أو کذا فلیقف کانت أخبار هذه المناشدات . تنتشر لدى الأکثریه لکن أسماعها وقلوبها کانت مغلقه دون الإمام ، وبعد عشرات السنین صار الناس یتذاکرون بمثل هذه المناشدات صحیح أن فتره حکم الإمام کانت مشعلا مضیئا وسط لیل بهیم فی هذه الناحیه ، وصحیح أیضا أن الإمام الحسن ، والإمام الحسین ، والإمام علی بن الحسین ، والإمام محمد بن علی ، ومن وإلى أهل بیت النبوه قد ساروا على نهج الإمام علی الهادف لتدوین سنه الرسول ونشرها ، وتدوین العلوم قاطبه ، وصحیح أیضا أنه کان هذا الجهد الدؤوب المتواصل آثاره ، ولکن هذه الآثار کانت مقتصره على الخواص أما العوام وهم الأکثریه الساحقه من الأمه ، فلم یکن لهذا الجهد الدؤوب المخلص أثر یذکر علیهم ! ! !
لقد وضع عمر بن عبد العزیز حجر أساس التأثیر على الأکثریه الساحقه من الأمه ، واجتاز حاجز الخوف ، وتبنی وبکل رجوله قرارا حکومیا مخالفا بالکامل ومناقضا لسنه الخلفاء الراشدین ! ! ولم یتکتم على هذا القرار بل أعلنه ، ودافع عنه ، فظهر بصوره القرار المنطقی الصادر عن الدوله لغایات التنفیذ فاختلط الدفاع عن القرار بالدفاع عن هیبه الدوله ، وهذا ما سهل على الخلفاء اللاحقین مهمه إکراه الأغلبیه على قبوله بسطوه الدوله وقوتها ونفوذها لأن الأغلبیه لا تفهم غیر لغه الإکراه والتغلب ، صحیح أن الأکثریه قد احتاجت لمده ثلاثین سنه حتى تستوعب القرار ، لکن آلیه الدوله أکرهتها على الدخول من هذا الباب الذی فتحه عمر بن عبد العزیز رحمه الله ، فلولاه لبقی هذا الباب مغلقا مئات السنین ، وربما إلى یومنا هذا ، لأن سنه الخلفاء المتعلقه بهذا الأمر قد اختلطت بالدین والتاریخ والممارسه العملیه ، وتحولت إلى عاده استقرت فی النفوس ولکنها لیست کأیه عاده ! ! لقد صارت عباده بالفعل .
صحیح أن قرار منع کتابه وروایه سنه الرسول ، ومنع کتابه العلوم وتدوینها وکراهیه الکتب ، قرار لیس له سند حقیقی من العقل أو الشرع أو تاریخ بنی البشر ومن المفترض أن یحمل هذا القرار بذور زواله السریع ، ولکن کم من قرارات خاطئه شذت عن هذه القاعده ، وحکمت المجتمعات البشریه مئات بل آلاف السنین فظلت أعناقهم خاضعه لمثل هذه القرارات الخاطئه فی ظلال تبریرات مختلفه ، وقد عبر القرآن الکریم عن مثل هذه العقلیه ، بقوله ( إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّهٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ ) .
لقد کان قرار عمر بن عبد العزیز بالسماح بتدوین وکتابه سنه الرسول ، وکتابه العلم قرارا تاریخیا من کل الوجوه ، وقد سمح له وضعه وظروفه وسلطان سنه الخلفاء المستحکم فی النفوس من تحقیق ذلک الأمر ، وبالتالی کان من المستحیل على غیره أن هکذا قرار ! .

Leave A Reply

Your email address will not be published.