تزییف التاریخ وسرقه نتائجه
تم الاستیلاء على منصب الخلافه بالقوه والتغلب کما أشرنا فی البحوث السابقه ، وبعد یوم واحد من وفاه النبی شرعت السلطه الجدیده بحرق آل محمد وهم أحیاء کما وثقنا ، وجردتهم من ممتلکاتهم وکافه حقوقهم الاقتصادیه ، وجردتهم من کافه حقوقهم السیاسیه حیث حرمت علیهم تولی الوظائف العامه ، وفرضت علیهم الإقامه الجبریه ، وعزلتهم عن المجتمع ومراکز التأثیر عزلا تاما ، وحالت بینهم وبین الناس فصاروا أذله بعد عز ، أما الفئه المؤمنه ، فقد جردت من حقوقها السیاسیه وحرم على أفرادها تولی الوظائف العامه لأن السلطه الجدیده قد خشیت بأن یعود آل محمد إلى مرکز الصداره عن طریق الفئه المؤمنه التی توالیهم ، وفرضت السلطه الجدیده تعتیما کاملا على تاریخ الإسلام المجید ، وعلى سجلات رجاله الحافله بالأمجاد .
ولم تکتف السلطه الجدیده بذلک ، إنما استعانت بأعداء الله ورسوله السابقین الذین حذر منهم الرسول فولتهم المناصب الحساسه فی الدوله ، فکانوا هم الأمراء والولاه وقاده الجند والعمال ، وأطلقت السلطه الجدیده یدهم فی الأقالیم لینشروا ثقافه الانحراف ، ولیقدموا الإسلام الذی یجهلون أحکامه وتاریخه ، ولیسردوا على الشعوب تاریخ صراع الإسلام مع الشرک ، مع أن أولئک الولاه کانوا هم قاده جبهه الشرک ! ! والأعداء الألداء لله ولرسوله وللفئه المؤمنه ! ! وخلال فتره عمل أولئک الولاه تحدثوا بأحادیث باطله ، مناقضه لکتاب الله وسنه رسوله ، ولتاریخ الإسلام ، وشاعت أحادیثهم ، وکونت الرأی العام ، وتحول الرأی العام الذی أو جدوه إلى قناعات لدى العامه .
وفی ما بعد تسربت بعض حقائق التاریخ الإسلامی ، ولکنها لم تعد کونها سطورا أو صفحات من مجلدات التاریخ الواهم الذی صنعه الولاه ووضعوه تحت إشرافهم ، وسوقت السلطه الحقائق القلیله والأباطیل الکثیره معا ! ! ولنعرف حجم بشاعه هذا التزییف ، فإن أولیاء الله وأعداءه على السواء یعرفون بأن علی بن أبی طالب هو أقرب الناس للنبی ، فهو ابن عمه الشقیق وزوج ابنته البتول ، ووالد سبطیه ، ویعرف الجمیع سجله الحافل بالأمجاد فهو فارس الإسلام الأوحد الذی لم یقهر فی حرب قط ، وحامل رایه الرسول فی کل المواقع ، وهو الولی والخلیفه والوصی بالنص الشرعی ، وهو مولى کل مؤمن ومؤمنه . . . الخ من المراتب السنیه التی خلعها الله ورسوله على الإمام ، ومع هذا فقد مر حین من الدهر کان فیه الإمام علی یشتم ویلعن على المنابر ، وشتم الإمام ولعنه جزء لا یتجزأ من خطبه الجمعه وخطبه العیدین ! ! وتشترک بلعن الإمام وشتمه الأمه الإسلامیه کلها رغبه أو رهبه ! ! وکانت محبه الإمام أو موالاته من جرائم الخیانه العظمى التی یعاقب مرتکبها بالموت ! ! وکانت الأمه الإسلامیه تعتقد أو تتظاهر بالاعتقاد بأن الإمام علی بن أبی طالب هو العدو الألد لله ولرسوله وللمؤمنین ! ! ! کل ذلک تنفیذا لأوامر معاویه بن أبی سفیان ، وابتغاء لمرضاته ، وطمعا بما فی یدیه من أموال المسلمین التی استولى علیها بعد أن أخرجها عن مصارفها الشرعیه وخصصها لتدعیم ملکه وترسیخه وتوسیعه .
مع أنه لا خلاف بین اثنین من المسلمین على تاریخ معاویه فی الدین والتاریخ ، فهو ابن آکله الأکباد بلا خلاف ، وأبوه رأس الأحزاب ، ومعاویه وأبوه وإخوته وبنو عمومته هم الذین وحدوا بطون قریش لمقاومه النبی ودعوته قبل الهجره ، وهم الذین عبأوا هذه البطون ، وألبوا العرب على رسول الله وعلى الإسلام ، وهم الذین جیشوا الجیوش وحاربوا رسول الله بکل وسائل الحرب بعد الهجره ، ولم یتوقفوا عن حرب الرسول إلا بعد أن أحاط بهم ، وأتاهم بما لا قبل لهم به ، هنالک فقط استسلموا ، واضطروا مکرهین أن یتلفظوا بالشهادتین ، فسماهم الرسول بالطلقاء ، واعتبرهم من المؤلفه قلوبهم ، وحذر الرسول من شرورهم قبل موته کما وثقنا ، وتلک حقائق لا یماری بها إلا الجاهلون ! !
وبالرغم من هذا التاریخ الحافل بالعداء لله ولرسوله وللمؤمنین فقد ولى الخلفاء الأول معاویه على بلاد الشام وهی تاج ولایات الدوله الإسلامیه ، وأطلقوا یده فیها طوال عشرین عاما لیتصرف کملک حقیقی بلا رقیب ولا حسیب ، فی الوقت الذی جردوا فیه الإمام وأولیاءه خلال تلک السنین من کافه حقوقهم السیاسیه والاقتصادیه .
ولما آلت الخلافه إلى الإمام علی بالطریق التی آلت فیها إلى الخلفاء الثلاثه الأول ، کانت ولایات الدوله کلها تحت أمره الطلقاء والمؤلفه قلوبهم وأصحاب السجلات الحافله بمعاداه الله ورسوله عندئذ انبرى له معاویه الذی أکمل استعداداته وادعى بأنه أولى منه بالخلافه ! ! !
وتمکن معاویه بالتقتیل والتطرید والتشرید والتنکیل وتبذیر أموال المسلمین من الاستیلاء على منصب الخلافه بالقوه والقهر والتغلب ، وتحویل الخلافه إلى ملک أموی خالص یتوارثه أبناؤه وأقرباؤه من بعده ! ! وبعد أن غلب الأمه ، وسلب منها أمرها دون مشوره أصدر مراسیمه الجائره ومنها مرسوم شتم الإمام ولعنه ومطارده أولیاء أهل بیت النبوه ، واستمر العمل بتلک المراسیم البربریه حتى عهد عمر بن عبد العزیز رحمه الله ، فألغى کافه هذه المراسیم ! ! وبعد أن ألغى عمر بن عبد العزیز تلک المراسیم رغما عن إراده النواصب اعتبر فقهاء الدوله ، أن مراسیم اللعن ومطارده أهل بیت النبوه کانت من قبیل " الاجتهاد " لیس إلا ! ! !
وأن الحروب الطاحنه التی شنها معاویه على الإمام الشرعی ما هی أیضا إلا اجتهاد ! ! ! وصراع بین " صحابیین " هما " علی بن أبی طالب ومعاویه بن أبی سفیان " " رضی الله عنهما " وهکذا ترضى الفقهاء عن علی تبعا لترضی الدوله علیه ، وکانوا بالأمس قد لعنوه وأفتوا بلعنه والبراءه منه عملا بأمر الدوله ! ! لأنهم لیسوا أکثر من دمى أو حجاره شطرنج تلعب بهم الدوله المتغلبه کما تشاء ، فلو أن الدوله قد أمرتهم بلعن رسول الله نفسه لنفذوا أمرها ، ولأوجدوا لهذا الأمر عذرا ! ! لقد سبوا رسول الله فعلا کما قالت أم المؤمنین أم سلمه ، فهم یعرفون قولا مستفیضا عن رسول الله " من سب علیا فقد سبنی ، ومن سبنی فقد سب الله " .
وبالرغم من أن تلک الأفعال لا یمکن الاعتذار عنها إلا أنهم قد ادعوا بأنها من أفعال البر والخیر ! ! التی تستوجب رضا الله وأجره ، وأن معاویه ومن معه کانوا مجتهدین والمجتهد مأجور سواء أخطأ أم أصاب ! !
واختلقوا حدیثا على رسول الله مفاده " أن أصحابی کالنجوم بأیهم اهتدیتم اقتدیتم " وبما أن معاویه من الصحابه فإن کافه أفاعیله هی من قبیل الاجتهاد ، وأن الذین أطاعوه وانتهکوا کل محرم فی سبیل طاعته وتنفیذ أوامره کانوا من المهتدین ! ! !
والخلاصه حسب رأیهم فإنه لا فرق إطلاقا بین علی ومعاویه على حد تعبیر وفتوى ابن تیمیه ! ! ! ولا فرق بین من یتبع إمام الهدى أو من یتبع إمام الضلاله ! ! وهکذا جعل الآخر کالأول ، وولی الله کعدوه ! ! ومن نصر الله ورسوله فی کل المواقع تماما کمن حارب الله ورسوله فی کل المواقع ! ! وساروا بین من یقترف المحرمات وبین من یعمل الصالحات ! ! وعمموا هذه الأفکار المنحرفه حتى صارت قناعات مطلقه لدى العامه ! ! !
وهکذا خلطوا الحق بالباطل ، والحابل بالنابل ، والدین بالتاریخ وسوقوا الجمیع معا ، فإما أن تقبل هذه الصفقه فتکون مسلما ، أو تترک الباطل وتأخذ الحق وحده فتکون کافرا ! ! لأنهم أعطوا أنفسهم صلاحیه إصدار صکوک الأجر والغفران ! !