کیف تجاهلوا سنه الرسول ونقضوا نظام الحکم ؟
الخطوه الأولى هی الحیلوله بین جیش أسامه وبین الخروج لقد نجح ذلک النفر بتثبیط المسلمین عن الخروج فی جیش أسامه ، مع أن الرسول الأعظم قد عبأ هذا الجیش بنفسه، وعبأ ذلک النفر فیه ، وأعطى الرسول الرایه لأسامه بنفسه ، وحث الرسول هذا الجیش على الخروج سریعا ( ۱ ) ، وقال الرسول جهزوا جیش أسامه لعن الله من تخلف عنه ( ۲ ) لکن ذلک النفر وأولیاءهم کانوا یرون أن تأمیر الرسول لأسامه على الجیش وهو فتى غیر مناسب ! ! !
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) المغازی للواقدی ج ۳ ص ۱۱۷ والسیره الحلبیه ج ۳ ص ۲۰۷ ، والطبقات الکبرى ج ۲ ص ۱۹۰
( ۲ ) الملل والنحل للشهرستانی ج ۱ ص ۲۳ وج ۱ ص ۲۰ بهامش الفصل لابن حزم ج ۱ ص ۲۴ . ( * )
والأفضل أن یعین الرسول بدلا منه ! ! هذه هی الحجه التی احتجوا بها حتى لا یخرجوا مع الجیش ، فاضطر الرسول أن ینهض من فراش الموت وهو معصوب ومحموم ، وأن یصعد المنبر ، وأن یدافع عن قراره بتأمیر أسامه وأن یؤکد ذلک بقوله : ( . . . وأیم الله إنه لخلیق بالإماره ( ۱ ) ومع هذا فقد أصروا على موقفهم بأن تأمیر الرسول لأسامه غیر مناسب ویتوجب على الرسول أن یستبدله ! ! !
ومن الطبیعی أن یصر الرسول على قراره فکان یقول : ( جهزوا جیش أسامه ، أرسلوا بعث أسامه ) وکرر ذلک مرات متعدده وهم متثاقلون ( ۲ ) ویبدو أن ذلک النفر قد ضغط على أسامه ضغطا شدیدا ، فدخل على رسول الله فأمره رسول الله بالسیر وقال له : ( أغدو على برکه الله ( ۳ ) فقال أسامه للرسول : دعنی أمکث حتى تشفى ، فقال الرسول أخرج وسر على برکه الله ، فقال أسامه : إن خرجت وأنت على هذه الحاله خرجت وفی قلبی قرحه ، فقال الرسول : سر على النصر والعافیه فقال أسامه : یا رسول الله إنی أکره أن أسائل عنک الرکبان فقال الرسول : أنفذ لما أمرتک به ) ( ۴ )
فقام أسامه ، ثم أغمی على الرسول ، واستفاق وأخذ بقول : أنفذوا بعث أسامه ، لعن الله من تخلف عن بعث أسامه ! ! ومع هذا لم یخرجوا ولم یستجیبوا لرسول الله ، وأصروا على رأیهم بأن تأمیر الرسول لأسامه عمل غیر صائب فلا ینبغی لأسامه وهو فتى أن یتأمر على شیوخ المهاجرین والأنصار ! ! وحتى بعد أن توفی الرسول أصروا على رأیهم وضغطوا على الخلیفه الأول کی ینزع أسامه ! !
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(۱) المغازی للواقدی ج۳ ص ۱ ، والطبقات الکبرى ج ۲ ص ۱۹۰ ، وشرح النهج ج ۱ ص ۵۷ ، والسیره الحلبیه ج ۳ ص ۲۰۷ و ۲۴۳ .
( ۲ ) کنز العمال ج ۱۰ ص ۵۷۳ ، ومنتخب الکنز بهامش مسند الإمام أحمد ج ۴ ص ۱۸۲ .
( ۳ ) المغازی للواقدی ج ۳ ص ۱۱۲ ، والطبقات الکبرى لابن سعد ج ۳ ص ۱۹۱ ، والسیره الحلبیه ج ۳ ص ۲۰۸ وص ۲۳۵ ، والسیره الدحلانیه ج ۲ ص ۳۴۰ ، وشرح النهج ج ۱ ص ۱۶۰ ، وکنز العمال ج ۱۰ ص ۵۷۱ .
( ۴ ) السقیفه للجوهری راجع شرح النهج ج ۶ ص ۵۲ . ( * )
لأن تأمیر الرسول لأسامه لیس مناسبا ولا صحیحا ! ! فأخذ الخلیفه الأول بلحیه عمر بن الخطاب وقال له : ( ثکلتک أمک وعدمتک یا بن الخطاب استعمله رسول الله وتأمرنی أن أنزعه ) ( ۱ ) .
لقد استمات ذلک النفر للحیلوله بین جیش أسامه وبین الخروج لأن الرسول قد عبأهم بهذا الجیش بنفسه ، فإن تخلفوا عنه سینکشفون ثم إن خروجهم بهذا الجیش سیقوض کل خططهم الرامیه إلى زحزحه الخلافه عن صاحبها الشرعی والاستیلاء علیها بالقوه والتغلب بعد تجاهل سنه الرسول التی رتبت نظام الحکم بعد موت النبی ! !
فلو خرجوا مع الجیش لانتقلت الخلافه فی غیابهم إلى صاحبها الشرعی انتقالا سلمیا ولما اختلف اثنان لقد فطن ذلک النفر إلى تدبیر النبی ، لذلک استماتوا للحیلوله بین جیش أسامه وبین الخروج ، وکانت هذه هی الخطوه الرئیسیه الأولى لتجاهل سنه الرسول تجاهلا تاما ونقض أول عروه من عرى الإسلام وهی نظام الحکم ! !
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) تاریخ الطبری ج ۳ ص ۲۲۶ ، والکامل لابن الأثیر ج ۲ ص ۳۳۵ ، والسیره الحلبیه ج ۳ ص ۲۰۹ و ۲۳۶ ، والسیره الدحلانیه ج ۲ ص ۳۴۰ . ( * )
الخطوه الثانیه الحیلوله بین الرسول وبین کتابه وصیته وتوجیهاته النهائیه للأمه
لما علم النبی أن ذلک النفر قد نجح بالحیلوله بین جیش أسامه وبین الخروج صمم على کتابه وصیته وتوجیهاته النهائیه للأمه لیسهل عملیه الانتقال السلمی إلى خلیفته الشرعی الذی اختاره الله وأعلنه رسوله ، وقبله الجمیع وبایعه الجمیع فی غدیر خم بما فیه أفراد ذلک النفر .
ومن المؤکد أن الرسول الأعظم قد ضرب موعدا لذلک ، ودعا إلیه بعض الخلص من أصحابه لیشهدوا کتابه الوصیه والتوجیهات النهائیه ، ومن المؤکد أن شخصا ممن کان یسکن مع النبی قد سمع بذلک ، ومن المؤکد أن ذلک الذی سمع کان متعاطفا مع ذلک النفر وضالعا معهم فی المؤامره ، فنقل الخبر إلى عمر بن الخطاب ( ۱ ) ولأن عمر بن الخطاب رجل حازم فقد أطلع أرکان حزبه على ما سمع واتفقوا على أن یجمعوا وبصمت أکبر عدد ممکن من أعوانهم ، وأن یدخلوا حجره الرسول فی الوقت الذی حدده لکتابه وصیته وتوجیهاته النهائیه ! ! حضر الذین اصطفاهم الرسول لیکتب أمامهم وصیته وتوجیهاته النهائیه ولیلخص أمامهم الموقف للأمه ، جلست هذه الصفوه بین یدی رسول الله ! ! فجأه وبدون استئذان دخل عمر بن الخطاب ومعه أرکان حزبه وعدد کبیر من أعوانه الذین اتفق معهم على خطه تحول بین الرسول وبین کتابه ما أراد کتابته ! ! ماذا یفعل النبی أمام هذه المفاجأه ! ! لم یلغ الموعد ، ویضرب موعدا جدیدا لأن الموت یدرکه ، بل مضى إلى حیث أمره الله متجاهلا وجود المتآمرین ونوایاهم ! ! فقال للذین دعاهم ( إئتونی بالکتف والدواه أو اللوح والدواه أکتب لکم کتابا لن تضلوا بعده أبدا ) ( ۲ ) .
ما إن أتم الرسول جملته حتى تصدى له عمر بن الخطاب ، وقال متجاهلا طلبه ، ومتجاهلا وجود الرسول ، وموجها کلامه للصفوه التی اختارها الرسول : ( لا حاجه لنا بکتابه ، إن المرض قد اشتد به ، إن النبی یهجر ، وعندکم القرآن حسبنا کتاب الله ) ( ۳ ) وما إن أتم عمر جملته حتى قال أعوانه بصوت واحد متجاهلین وجود الرسول وموجهین کلامهم للحضور :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) فی کتابنا المواجهه ص ۵۰۳ – ۵۰۶ کشفنا الذی سرب هذا الخبر وأثبتنا بأنه کان أحد المتآمرین .
( ۲ ) حسب الروایات التی نقلها رواه القوم وثقاتهم ، فإن الرسول الأعظم لم یتلفظ سوى بجمله واحده تحمل هذا المعنى ، وفی الفصول السابقه سقنا کافه هذه الروایات .
( ۳ ) راجع صحیح البخاری کتاب المرض باب قول المریض قوموا عنی ج ۷ ص ۹ ، وصحیح مسلم آخر کتاب الوصیه ج ۵ ص ۷۵ وج ۲ ص ۱۶ ، وصحیح مسلم بشرح النووی ج ۱۱ ص ۹۴ – ۹۵ ومسند أحمد ج ۱ ص ۳۵۵ ، وصحیح البخاری ج ۴ ص ۳۱ ، وتاریخ الطبری ج ۲ ص ۱۹۴ ، والکامل لابن الأثیر ج ۲ ص ۳۲۰ ، وتذکره الخواص للسبط ابن الجوزی ص ۶۲ ، وسر العالمین ، وکشف ما فی الدارین لأبی حامد الغزالی.
( القول ما قال عمر، إن رسول الله یهجر ، ما له أهجر ! ! ما شأنه أهجر ! ! استفهموه إنه یهجر ) ( ۱ ) .
صعقت الصفوه التی اختارها النبی من هول ما سمعت ، فقالت : إلا تسمعون رسول الله یقول : قربوا یکتب لکم کتابا لن تضلوا بعده ! ! وکرر عمر أقواله السابقه وعلى الفور ضج أتباع عمر فرددوا اللازمه التی اتفقوا علیها قبل دخولهم إلى منزل النبی ( القول ما قال عمر إن الرسول یهجر . . . ) کان واضحا أن عمر وحزبه على استعداد لفعل أی شئ یحول بین الرسول وبین کتابه ما أراد ، سمعت النسوه ، فقالت النسوه لعمر وحزبه : ( ألا تسمعوا رسول الله یقول قربوا یکتب لکم . . . ) فصاح بهن عمر : ( إنکن صویحبات یوسف . . . ) . هنا تدخل الرسول فقال : ( دعوهن فإنهن خیر منکم ) ( ۲ ) دعونی فالذی أنا فیه خیر مما تدعونی إلیه قوموا عنی لا ینبغی عندی تنازع ( ۳ )
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) المصدر السابق .
( ۲ ) شرح النهج لابن أبی الحدید ج ۷ ص ۱۱۴ الطبعه الأولى بیروت وج ۲ ص ۷۹ سطر ۳ تحقیق محمد أبو الفضل مکتبه الحیاه وج ۳ ص ۱۶۷ طبعه دار الفکر ، وکتابنا المواجهه ص ۵۰۳ وما فوق .
( ۳ ) المصدر السابق . ( * )
لقد اکتفى الرسول بتأکیداته السابقه ، ورد على عمر وحزبه ردا یلیق بجلال النبوه وطبیعه الظروف وهذا ما تمناه عمر وحزبه ، لقد تحققت غایتهم من اقتحامهم لمنزل الرسول ولم یعد هنالک ما یوجب بقاءهم ، وهکذا کسروا خاطر النبی الشریف ، وقصموا ظهر الدین والأمه معا ، وترکوا النبی یصارع الموت تحف بجنابه الأقدس ملائکه الرحمن . وقد فعل عمر وحزبه ذلک ( حتى لا یجعل الأمر خطیا لعلی بن أبی طالب ) فیؤکد تأکیداته اللفظیه بتأکید خطی ، وقد اعترف عمر بذلک ، لأنه کان یعتقد أن مصلحه الإسلام والمسلمین تقتضی أن لا یتولى الخلافه علی وأن اختیار الرسول للإمام علی کاختیاره لأسامه عمل غیر صحیح وغیر مناسب ! ! فإنا لله وإنا إلیه راجعون
الخطوه الثالثه توزیع الأدوار
من اللحظه التی قعد فیها رسول الله على فراش الموت ، استنفر ذلک النفر قاعدتهم الشعبیه ، وقامت قیادتهم بتحدید الخطوات اللازمه للاستیلاء على منصب الخلافه بالقوه .
1 – تحدید ساعه الصفر أو الاعلان عن وجود انقلاب على الشرعیه الإلهیه : قدر ذلک النفر أن أفضل وقت لتنفیذ الانقلاب هو الفتره الواقعه ما بین وفاه النبی وبین دفنه ، حیث یکون الإمام الشرعی وأهل بیت النبوه والفئه القلیله المؤمنه مشغولین بتجهیز الرسول لمواراته فی ضریحه المقدس فإذا نجح الانقلابیون بتنصیب خلیفه خلال هذه الفتره فسیواجهون الإمام الشرعی وآل محمد والفئه القلیله المؤمنه بأمر واقع لا طاقه لهم على دفعه ، وهذا ما حدث بالفعل ، فلم یشارک ذلک النفر بتجهیز الرسول ولا شارکوا بدفنه مع أن أبسط حقوق الرسول على ذلک النفر هو المشارکه بالتجهیز والدفن خاصه وأن أبا بکر وعمر قد نالا شرف مصاهره الرسول .
قال ابن سعد : ( ولی وضع الرسول فی قبره هؤلاء الرهط الذین غسلوه العباس وعلی ، والفضل وصالح مولاه ( وخلى أصحاب رسول الله بین رسول الله وأهله فولوا أجنانه ) ( ۱ ) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) الطبقات الکبرى لابن سعد ج ۲ ص ۷۰ ، وکنز العمال ج ۴ ص ۵۴ و ۶۰ ، ومعالم المدرستین ج ۱ ص ۱۲۱ . ( * )
وقال ابن عبد ربه : ( دخل القبر علی والفضل وقثم أبناء العباس وشقران مولاه ویقال أسامه بن زید وهم تولوا غسله وتکفینه وأمره کله ) ( ۱ ) . وأن أبا بکر وعمر لم یشهدا دفن الرسول ( ۲ ) .
قالت عائشه : ما علمنا بدفن الرسول حتى سمعنا صوت المساحی من جوف اللیل لیله الأربعاء ( ۳ ) والقوم مجمعون على أن رسول الله قد مرض فی حجره عائشه وتوفی فیها ، ومع هذا فإن عائشه لم تعلم بدفن الرسول لأنها کانت مشغوله کأبیها وکعمر بمصلحه المسلمین وتنصیب خلیفه مناسب غیر الخلیفه الذی اختاره الله ورسوله ! !
قال ابن سعد : ( ولم یله إلا أقاربه ، ولقد سمعت بنو غنم صریف المساحی حین حضر ، وأنهم لفی بیوتهم ) ( ۴ ) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) العقد الفرید ج ۳ ص ۶۳ ، وقریب منه تاریخ الذهبی ج ۱ ص ۳۲۱ و ۳۲۴ و ۳۲۶ .
( ۲ ) کنز العمال ج ۳ ص ۱۴۰ .
( ۳ ) سیره ابن هشام ج ۴ ص ۳۴۴ ، وتاریخ الطبری ج ۲ ص ۴۵۲ و ۴۵۵ وط أوروبا ج ۱ ص ۱۸۳۳ و ۱۸۳۷ ، وابن کثیر ج ۵ ص ۲۷۰ ، وابن الأثیر فی أسد الغابه ج ۱ ص ۳۴ ترجمه الرسول ، ومعالم المدرستین ج ۱ ص ۱۲۱ .
( ۴ ) الطبقات الکبرى لابن سعد ج ۱ ص ۱۲۱ . ( * )
هذه الروایات رواها أولیاء الخلفاء وهی تدل ضمنا وصراحه على أنهم قد ترکوا رسول الله جنازه فی أیدی أهله وأقاربه ، وذهبوا لیستولوا على ملک النبوه ، ویتقاسموه فی غیاب أهله الشرعیین ویضعوا المسلمین أمام أمر واقع ، فإذا کان هذا تعاملهم مع الرسول شخصیا فکیف یتعاملون مع سنته ! !
2 – تقسیم أنصار ذلک النفر على شکل سرایا کل سریه لها مهمه محدده ! !
أ – قسم یبقى فی المسجد وحوله ، لیکون قرب آل محمد ، یراقب تحرکاتهم وینتظر اللحظه التی یأتی بها الخلیفه الجدید ، فیستقبلونه مجرد
وصوله ، ویبایعونه أمام آل محمد ، بعفویه وبدون اعتراض ، وکأن هذه البیعه طبیعیه ، وکأن هذا القسم لا یعرف شیئا عن المؤامره والانقلاب ! ! وبالفعل عندما جاء الخلیفه الجدید نهضت هذه المجموعه لاستقباله فقال عمر بن الخطاب : ( ما لی أراکم حلقا شتى ، قوموا فبایعوا أبا بکر فقد بایعته وبایعه الأنصار ) ( ۱ ) .
ـــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) الإمامه والسیاسه لابن قتیبه ج ۱ ص ۱۱ ، وکتابنا المواجهه ص ۵۱۷ .
( ۲ ) الإمامه والسیاسه ج ۱ ص ۱۱ . ( * ) .
وکأن کلام عمر ( مسحه رسول ) فقام عثمان بن عفان والأمویون فبایعوا الخلیفه الجدید ، وقام سعد بن أبی وقاص وعبد الرحمن بن عوف ومن معهما من بنی زهره فبایعوا الخلیفه الجدید ، ولم یبق من ذلک الجمع لم یبایع إلا علی بن أبی طالب والعباس ومن معهما والزبیر بن العوام الذی انضم لهما ( ۲ ) وهکذا عزل الهاشمیون وآل محمد کما خطط الانقلابیون ونجح القسم الذی وضع فی المسجد وحوله بأداء دوره على أکمل وجه ! ! !
ب – قسم آخر یتحرک إلى منطقه الأنصار ، ویتجمعون فی سقیفه بنی ساعده کأنهم زوار لسعد بن عباده الذی کان مریضا وطریح الفراش بإجماع کل المؤرخین ، ومهمه هذا القسم أن ینتظر قدوم قاده الانقلاب ، وأن یشترک بالحوار وکأنه لا علم له بما دبروا ، حتى إذا ما نجح قاده الانقلاب بجر الحاضرین إلى الخوض فی حدیث من یخلف النبی ، أمسکوا بالحدیث فتابعوه حتى یتم تنصیب الخلیفه المتفق علیه وهو أبو بکر ، عندئذ ینهض أفراد هذا القسم ویبایعوا أبا بکر کأول خلیفه للنبی ، فیذهل الحاضرون من غیر الانقلابیین ، ویجدون أن من الحکمه مبایعه الخلیفه الجدید باعتباره واقعا ، وحتى یشرکهم فی ما بعد بالمنافع والأدوار ، ویحافظوا على مصالحهم باعتبار أن هذه الخلیفه هو رأس الحکومه الواقعیه ! !
۳ – افتعال اجتماع سقیفه بنی ساعده : فی وقت یطول أو یقصر سیکتشف المسلمون بإن اجتماع سقیفه بنی ساعده کان مفتعلا وقد حوله الانقلابیون من مجرد اجتماع لزوار عند مریض إلى اجتماع سیاسی وقد أثبتنا ذلک ( ۱ )
فسعد بن عباده کان مریضا بالإجماع ، وقاعد على فراش المرض فی منزله المجاور لسقیفه بنی ساعده ، ولأن سعد سید الخزرج بلا کلام فمن الطبیعی أن تأتی وجوه الخزرج لعیادته والاطمئنان على صحته ، ومن الطبیعی أن یتعرض الزوار فی حدیثهم العادی لوفاه الرسول ، والفراغ الذی سیترکه ، وفجأه حضرت الأوس المتفقه مع قاده الانقلاب ، والمحصوره مهمتها بمبایعه الخلیفه فی اللحظه المناسبه عند ترشیحه من قبل قاده الانقلاب ، ولیس فی حضور الأوس أو جزء کبیر منهم أو حتى مجموعه من الأوس لزیاره سعد بن عباده ما یثیر الریبه ، فسعد مریض وعیاده المریض وزیارته مرغوبه فی الجاهلیه والإسلام ، وهذه الزیاره من حیث الظاهر مبادره نبیله من الأوس .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) راجع کتابنا نظریه عداله الصحابه والمرجعیه السیاسیه فی الإسلام ص ۳۱۱ وما فوق . ( * )
لقد جلس الجمیع واطمأنوا على صحه المریض سعد بن عباده ومن غیر المستبعد أن الجمیع قد تطرقوا إلى عصر ما بعد النبوه ، ویجمع المؤرخون أن الحضور قد قالوا لسعد بن عباده أن الأمر لک ، فما کنت فاعلا فلن نعصی لک أمرا ، بمعنى أن سعد بن عباده یتولى توجیه الأنصار إلى ما یمکن عمله وکیف یتم ذلک ، ولیس المقصود تولیه سعد خلیفه على المسلمین ، فلو أن المقصود تولیه الخلافه لسعد لبایعه الحاضرون خلیفه ، ولوضعوا المسلمین تحت أمر واقع کما فعل الانقلابیون ! ! لکن سعد لا یقبل ذلک ، ولا یقبل الخزرج ذلک ولا تقبل الأوس ذلک أیضا ، لأن الأنصار کانت تعرف أن الرسول قد استخلف الإمام علی بن أبی طالب ، وطوال عهد الرسول المبارک وهو یؤکد هذه الحقیقه وقبل شهرین من وفاته نصبه الرسول وتوجه إماما للمسلمین فی غدیر خم وبایعه المسلمون وقدموا له التهانی بحضور الرسول ، کأن مسأله خلافه النبی محسومه ومعروفه عند الجمیع خاصه الأنصار ، وحتى بعد أن نجح الانقلابیون بتنصیب خلیفه فی سقیفه بنی ساعده قالت الأنصار " لا نبایع إلا علیا أو قال بعض الأنصار : " لا نبایع إلا علیا " ( 1 ) وعلى غائب ، لأن عامه المهاجرین والأنصار کانوا لا یشکون بأن علیا هو صاحب الأمر بعد رسول الله ( ۲ ) ولکن کان من الطبیعی أن ینشرح خاطر سعد مما عرضته الأوس حول تنسیق المواقف إن العرض غریب ومدهش ، لکن تقبله سعد ، وتقبلته الخزرج بحسن نیه وبارتیاح ، لأن الخزرج کانت خالیه الذهن تماما من موضوع الانقلاب ، ومن تواطؤ أعداد کبیره من الأوس فیه ! ! .
4 – حضور أبی بکر وعمر وأبی عبیده : بینما کان الزوار مجتمعین فی منزل سعد بن عباده حضر أبو بکر وعمر وأبو عبیده ، کان حضورهم مستهجنا من جمیع الوجوه فهم أصهار الرسول ، وقد جرت العاده أن یساعد الأصهار أهل المیت بتجهیزه ودفنه ، إن ترک الثلاثه لرسول الله یثیر الدهشه والاستغراب لکن سعد والخزرج تصوروا لأول وهله أن زیاره الثلاثه تعبیر عن المحبه والتقدیر لسعد ، ولفته نبیله تجاه الخزرج ، وأن الزیاره لوجه الله تعالى ! ولم یعلم سعد ، ولا علمت الخزرج ساعتها أن الثلاثه اختاروا هذا المکان وهذا التجمع بالذات لینصبوا خلیفه بدیلا للخلیفه الذی اختاره الله ورسوله ! ! .
من الطبیعی أن ینهض الجمیع أو یفسحوا المجال على الأقل للزوار الثلاثه ثم یجلس الجمیع ، من الذی وصل الحدیث ! ! من الذی بدأ الحدیث ! ! کیف تطور الحدیث عن خلافه النبی المحسومه ! لا أحد یعلم ذلک على وجه الیقین ، لم تعد الروایات التاریخیه التی " هندستها " وسائل إعلام دوله الخلافه التاریخیه مقبوله عقلیا ولا قادره على الوقوف أمام أی تحلیل منطقی ! ! .
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) تاریخ الطبری ج ۳ ص ۱۲۰ وط أوروبا ج ۱ ص ۱۸۱۸ ، وابن الأثیر ج ۲ ص ۲۳ .
( ۲ ) تاریخ الیعقوبی ج ۲ ص ۱۰۳ ، والموفقیات للزبیر بن البکار ص ۵۷۹ و ۵۸۰ . ( * )
لکن المؤکد أن اجتماع السقیفه بالمعنى الذی تقدمه وسائل إعلام الخلافه التاریخیه کان مفتعلا ، وأنه لم یکن بالأصل اجتماعا سیاسیا لغایه انتخاب خلیفه من الأنصار کما یزعمون ! ! وأن الثلاثه وأعوانهم هم الذین استغلوا وجود بعض الناس عند سعد بن عباده ، وحولوا ذلک الاجتماع إلى اجتماع سیاسی لغایه تنصیب الخلیفه بدیل للخلیفه الذی نصبه الله ورسوله ، ومواجهه آل محمد وصاحب الحق الشرعی وکافه المسلمین بأمر واقع لا طاقه لهم على دفعه إلا بالقتال وتفریق وحده المسلمین ! ! .
5 – الثلاثه وأعوانهم یتجاهلون بالکامل الإمام الذی اختاره الله ورسوله لیخلف الرسول : بعد أن نجح الثلاثه وأعوانهم بتحویل الاجتماع عند مریض إلى اجتماع سیاسی ، تجاهلوا بأن الرسول قد عین خلیفه ، وتجاهلوا سنه الرسول التی نظمت عصر ما بعد النبوه ، وتجاهلوا نظام الحکم فی الإسلام وانطلقوا من نقطه الصفر قافزین عن کل الأحکام الشرعیه التی أعلنها النبی ، فقال أبو بکر للحاضرین ، نحن عشیره الرسول . . . وقال عمر : " إن العرب لا ینبغی أن تولی هذ الأمر إلا من کانت النبوه فیهم من ینازعنا سلطان محمد ومیراثه ونحن أولیاؤه وعشیرته " ( 1 ) وقال أبو عبیده : " یا أیها الأنصار کنتم أول من نصر وآزر فلا تکونوا أول من بدل وخالف " ( 2 ) .
أنت تلاحظ أن الثلاثه کانوا یحتجون بحجه أهل بیت النبوه ، ویتصرفون کأن الرسول لم یعالج هذا الموضوع ، لقد فهم الأنصار أن الثلاثه یریدون أن ینصبوا خلیفه ، ویضعوا الناس أمام أمر واقع ، فقالت الأنصار أو قال بعض الأنصار : " لا نبایع إلا علیا " ( 3 ) وکان علی غائب ، وقال المنذر بن الأرقم : " إن فیکم لرجلا لو طلب هذا الأمر لم ینازله أحد " یعنی علی بن أبی طالب ( ۴ ) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) راجع الإمامه والسیاسه ص ۶ ، وتاریخ الطبری حوادث سنه ۱۱ .
( ۲ ) المصدر السابق .
( ۳ ) تاریخ الطبری ج ۳ ص ۲۰۸ وط أوربا ج ۱ ص ۱۸۱۸ ، وابن الأثیر ج ۲ ص ۱۲۳ وشرح النهج ج ۲ ص ۲۶۵ . ( * )
( ۴ ) تاریخ الیعقوبی ج ۲ ص ۱۰۳ ، والموفقیات للزبیر بن البکار ص ۵۷۹٫
تجاهل أبو بکر ما قالته الأنصار فقال : " هذا عمر وهذا أبو عبیده بایعوا أیهما شئتم ، فقال عمر ما لأبی بکر أبسط یدک أبایعک ، وکثر اللغط وکثر الاختلاف ، أهل الشرعیه من الأنصار یقولون لا نبایع إلا علیا والثلاثه یریدون أبا بکر والمندسون یترقبون الفرصه .
لما رأى بشیر بن سعد أن الثلاثه لم یقبلوا بولایه علی أدرک أن البیعه لأحدهم واقعه لا محاله ، فأراد أن یکون له السبق فقال إن محمدا من قریش وأهله أحق بمیراثه وتولی سلطانه . . . ثم قفز وبایع أسید بن حضیر ومن حضر من الأوس ، وحتى ینال الخزرج جزاءا من هذا الشرف ولا یأخذه الأوس وحدهم بایع أکثریه من حضر . . . " ( 1 ) .
6 – استقدام المرتزقه من الأعراب : استقدم الانقلابیون أعدادا کبیره من الأعراب ، وطلبوا منهم أن یتواجدوا فی الوقت الذی حدوده قرب بیت سعد بن عباده ، فجاءت قبیله أسلم قال الطبری : " إن أسلم أقبلت بجماعه حتى تضایق بهم السکک فبایعوا أبا بکر " ( 2 )
قال عمر بن الخطاب فی ما بعد : " ما هو إلا أن رأیت أسلم فأیقنت بالنصر " ( 3 )
قال عمر هذا الکلام وهو فی سقیفه بنی ساعده ، وهو بحاجته ماسه إلى مؤیدین ینتصر بهم على سنه الرسول وعلى صاحب الحق الشرعی ! ! .
ـــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) راجع التفصیلات فی الإمامه والسیاسه لابن قتیبه ج ۱ ص ۵ وما فوق .
( ۲ ) تاریخ الطبری ج ۲ ص ۴۵۸ وطبعه أوروبا ج ۱ ص ۱۸۳۳ ، وابن الأثیر ج ۲ ص ۲۲۴ ، والزبیر بن بکار بروایه ابن أبی الحدید ج ۶ ص ۲۸۷ .
( ۳ ) تاریخ الطبری ج ۳ ص ۴۵۸ وط أوروبا ج ۱ ص ۱۸۴۳ . ( * )
فکیف عرف أن هذه القبیله التی لا تسکن المدینه ستکون من المؤیدین له ! إن لم تکن هنالک علاقه أو اتفاق مسبق معها ، ثم ما هی مصلحه هذه القبیله باندفاعها الذی وصل إلى درجه التهور فی تأییدها لذلک النفر ! !
قال ابن الأثیر فجاءت أسلم فبایعت ( ۱ )
وقال الزبیر بن البکار : " فقوی بهم أبو بکر " ( 2 )
وقال المفید : " إن القبیله کانت قد جاءت لتمتار من المدینه " ( 3 )
لقد حسمت الأعراب الموقف وأجبرت المترددین على الاعتراف بالأمر الواقع ، وهذا لیس ولید صدفه ، إنما کان ثمره تخطیط اتفاق مسبق ! ! .
7 – زفه الخلیفه الجدید : بایع أبا بکر الانقلابیون من المهاجرین والطلقاء والأنصار والمنافقین والمرتزقه من الأعراب فی سقیفه بنی ساعده ، وبعد أن تمت بیعتهم له أحاطوا به وزفوه زفا إلى المسجد ( ۴ ) ولما وصل موکب الخلیفه الجدید المسجد استقبله الأمویون برئاسه عثمان بن عفان فبایعوا ، وبنو زهره برئاسه سعد بن أبی وقاص وعبد الرحمن بن عوف فبایعوا ، وتبعا لهم بایعت بطون قریش باستثناء بنی هاشم والزبیر وخالد بن سعید الأموی ، وهکذا واجه الانقلابیون الأمه بأمر واقع لا سبیل إلى دفعه ، إلا برجوعهم إلى الحق وهذا غیر وارد فلو أرادوا الحق لما خرجوا منه ، أو بحرب غیر متکافئه تفرق وحده المسلمین .
ــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) ابن الأثیر ج ۲ ص ۲۲۴ .
( ۲ ) شرح النهج ج ۶ ص ۲۸۷ .
( ۳ ) الجمل للمفید ص ۴۳ .
( ۴ ) الموفقیات ص ۵۷۸ ، والریاض النضره للطبری ج ۱ ص ۱۶۴ ، وتاریخ الخمیس ج ۱ ص ۱۸۸ . ( * )
8 – توقع الخلیفه الجدید وأعوانه المبارکه الفوریه من آل محمد عامه ومن صاحب الحق الشرعی خاصه : بعد ما نصب الانقلابیون الخلیفه الجدید وحشدوا ذلک الحشد الهائل من الأتباع والأعوان ومن أعداء الله ورسوله وواجهوا صاحب الحق الشرعی وآل محمد بهذا الواقع المر ، توقع الخلیفه الجدید وأعوانه بأن یسکت صاحب الحق الشرعی ، وأن یسکت أهل بیت النبوه وأن یبادروا على الفور للاعتراف بهذه الأمر الواقع وإن یبادروا إلى مبایعه الخلیفه الجدید خاصه وأنه قد استعرض قواته أمام بیت العزاء ! !
لکن ما توقعه الانقلابیون لم یحدث ولم یتقدم الإمام علی بن أبی طالب ولا أحد من بنی هاشم إلى مبایعه الخلیفه الجدید أو إظهار الاعتراف بالأمر الواقع بل اعتبروه عملا غیر شرعی بل ومعدم شرعا ! ! کذلک فقد توقع الخلیفه وأعوانه أن تتقدم الفئه القلیله المؤمنه فتبایعه ، وتبارک له وتعترف بالأمر الواقع ، وتتناسى کل ما قاله رسول الله ! ! ولکن ذلک لم یحدث ، فقد رفضت القله المؤمنه الاعتراف بالأمر الواقع ، وبالوضع الجدید ! !
قال عمر بن الخطاب فی ما بعد : " وإنه کان من خبرنا حین توفی نبینا أن علیا والزبیر ومن معهما – سلمان الفارسی ، وعمار بن یاسر والبراء بن عازب وأبو ذر الغفاری والمقداد بن الأسود وأبی بن کعب – تخلفوا عنا فی بیت فاطمه ( ۱ ) .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) مسند أحمد ج ۱ ص ۵۵ وتاریخ الطبری ج ۲ ص ۴۶۶ وط أوروبا ج ۱ ص ۱۸۲۲ ، وابن الأثیر ج ۲ ص ۱۲۴ ، وابن کثیر ج ۵ ص ۲۴۶ ، وابن أبی الحدید ج ۱ ص ۱۲۳ ، وتاریخ السیوطی ص ۱۴۵ ، وسیره ابن هشام ج ۴ ص ۳۲۸ ، وتیسیر الوصول ج ۲ ص ۴۱ ، وتاریخ الخمیس ج ۱ ص ۱۸۸ ، وتاریخ أبی الفداء ج ۱ ص ۱۵۶ ، وابن شحنه بهامش الکامل ص ۱۱۲ . ( * )