منع الخلفاء لکتابه وروایه سنه الرسول!!
وصحیح أیضا بأنه قد ناشد الناس بأن یأتوه بالکتب الموجوده لدیهم ، فلما تجمعت بین یدیه أمر بحرقها وحرقت فعلا، وصحیح أنه قد عمم على کافه الأقالیم الخاضعه لحکمه أن من کان عنده شئ من سنه الرسول فلیمحه ، وصحیح أیضا أنه قد نهى عن کتابه سنه الرسول ، ونهى عن روایتها وحبس بعض الرواه ، وضرب بعضهم ، وتوعد بعضهم کما فصلنا ذلک فی الفصل السابق .
ولکن المؤکد أن الخلیفتین لم یقصدا المنع الشامل لکتابه وروایه سنه الرسول ، إنما قصدا منع کتابه وروایه سنه الرسول المتعلقه بالرئاسه العامه من بعده ، والمتعلقه بمکانه أهل بیت النبوه ، والمتعلقه بالمنافقین وبأعداء الله ورسوله السابقین ، والمتعلقه بتحذیراته من مکر الذین سیر تدون على أعقابهم ، . . . الخ فلو فتحوا باب الروایه لاکتشف المسلمون سریعا بأن کل شئ لیس فی محله الشرعی ، ولوقع الخلاف وانهارت دولتهم ، ولتهدم کل ما بنوه ولخسروا الدنیا والآخره ، لذلک أرعبتهم سنه الرسول ، وخافوا منها ، لذلک صمموا أن یحرقوا المکتوب منها ، وأن یمنعوا المسلمین من أن یحدثوا شیئا عن رسول الهل ، حتى لا یحدثوا فی الأمور التی یخشاها الخلفاء وأعوانهم .
کان صعبا على الخلیفتین أن یقولا : لا تحدثوا عن سنه الرسول المتعلقه بالرئاسه وبأهل البیت وبالمنافقین ، أو التی تحذر من أعداء الله السابقین أو من أولئک الذین سیرتدون على أعقابهم أو . . . الخ لأن ذلک سیزید طینتهم بله وسیعمق جراحاتهم ، ویعرض أمنهم للخاطر ، لذلک عمدوا للتعمیم والغموض ولکنهم وأولیاؤهم یعرفون ما هو الخطر من سنه رسول الله المکتوبه وغیر المکتوبه . وبالرغم من أن عمر بن الخطاب ، قد شن حمله ضاربه على سنه رسول الله المکتوبه ، وغیر المکتوبه إلا أنه قد أباح للمسلمین بأن یرووا عن رسول الله ما یعمل به ( ۱ ) فلیس لدى الخلیفه عمر أو غیره ما یمنع من روایه سنه الرسول المتعلقه بالصلاه والصوم والحج وغیرها من العبادات ، لأن روایه سنه الرسول المتعلقه بمثل هذه الأمور لا تؤثر على حکمه ولا على نظامه ، ولا على المنافقین وأعداء الله السابقین الذی استعان بهم ! !
قال الدارمی فی شرح لنهی عمر للوفد الذی أرسله للکوفه بأن لا یحدثوا عن رسول الله حتى لا یصدوا الناس عن القرآن : " معناه عندی الحدیث عن أیام الرسول ولیس السنن والفرائض " ( 2 ) .
ـــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) البدایه والنهایه لابن کثیر ج ۸ ص ۱۰۷ .
( ۲ ) سنن الدارمی ج ۱ ص ۷۳ ح ۲۸۶ . ( * )
وقال ابن عبد البر : " إن عمر إنما نهى عن الحدیث عما لا یفید حکما ولا یکون سنه " ( 1 ) جاء علقمه بکتاب من مکه أو الیمن " صحیفه فیها أحادیث فی أهل البیت " قال فاستأذنا على عبد الله فدخلنا علیه قال فدفعنا إلیه الصحیه ، قال فدعا الجاریه ثم دعا بطست فیها ماء ، فقلنا یا أبا عبد الرحمن أنظر فیها ، فإن فیها أحادیثا حسانا فجعل یمیثها فیها ویقول : ( نحن نقص علیک أحسن القصص بما أوحینا إلیک هذا القران ) " القلوب أوعیه ، فاشغلوها بالقرآن ولا تشغلوها ما سواه " ( 2 ) .
لقد کان معاویه واضحا فی هذه الناحیه کل الوضوح فقد حدد الغایه من منع کتابه وروایه الرسول وهی صد الناس عن الإمام علی وأهل بیت النبوه حتى لا یکتشف الناس بأن معاویه وطواقمه غاصبون ما لیس لهم ، وقد عالجنا هذا الموضوع فی الفصول السابقه . أحیانا تتفق بعض نصوص سنه الرسول مع ما تهوى أنفس الخلفاء ، أو مع توجهاتهم فیمسکون بسنه الرسول ، ویعضوا علیها بالنواجذ ویعتبرون الرسول معصوما ، ولا ینطق عن الهوى ! ! ! فحتى لو کان النص غیر صحیح ، أو غیر ثابت ، فإنهم یترکون القرآن ویتبعون سنه الرسول ، عندما أرادوا أن یحرموا أهل بیت النبوه من ترکه الرسول ، روى راو واحد بأن رسول الله قد قال : " إن الأنبیاء لا یورثون " ( 3 )
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) جامع بیان العلم ج ۲ ص ۱۲۱ .
( ۲ ) تقیید العلم ص ۵۴ ، وتدوین السنه ص ۴۱۳ ، وعبد الله هو عبد الله بن مسعود
( ۳ ) صحیح الترمذی ج ۷ ص ۱۱۱ ، ومسند أحمد ج ۱ ص ۱۴ ح ۶۰ ( * ) .
عندئذ تمسک الخلیفه الأول بسنه الرسول ، ومع أنه هو الذی أمر الناس بأن لا یحدثوا عن رسول الله شیئا وأن یقول لمن یسأل عن شئ بیننا وبینکم کتاب الله ، إلا أن الخلیفه قد استمات بالدفاع عن سنه الرسول فقالت له الزهراء : ( وَوَرِثَ سُلَیْمَانُ دَاوُودَ ) ، وکلاهما نبی ( یَرِثُنِی وَیَرِثُ مِنْ آلِ یَعْقُوبَ ) وهو نبی ، وقالت : ( وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ ) ومع هذا فقد أبى الخلیفه أن یتزحزح عما توهم بأنه سنه الرسول ! ! لأن هذه السنه المزعومه تتفق مع توجهات الخلیفه کذلک وعندما أراد الخلیفه أن یحرم أهل بیت النبوه من حقهم فی الخمس احتج بأنه قد سمع الرسول یقول : " سهم ذوی القربى للقربى حال حیاتی ولیس لهم بعد مماتی " ( 1 )
ومع أن هذا الحدیث غیر صحیح ، وأصحاب الحقوق لا یعرفونه إلا أن الخلیفه قد تمسک به وأصر علیه ، وبموجبه حرم أهل بیت النبوه من حقهم الثابت فی الخمس فالخلیفه بهذین المثالین یترک القرآن نفسه ویتمسک بسنه الرسول لأنها تتفق مع ما یرید ، ومع توجهاته ! !
قال عمر الذی أحرق سنه الرسول المکتوبه ، ومنع الروایه عن رسول الله وحبس الروایه وتوعدهم وضربهم : " لو أدرکت أبا عبیده بن الجراح بانیا استخلفته وولیته ، فإذا قدمت على ربی وسألنی . . . قلت أی ربی سمعت عبدک ونبیک یقول لکل أمه أمین وأمین هذه الأمه أبو عبیده ، ولو أدرکت معاذ بن جبل استخلفته ، فإذا سألنی ربی . . . قلت سمعت عبدک ونبیک یقول : إن معاذ بن جبل یأتی بین یدی العلماء یوم القیامه ! ! ولو أدرکت خالد بن الولید لولیته فإذا قدمت على ربی . . . قلت سمعت عبدک ونبیک یقول : خالد بن الولید سیف من سیوف الله سله على المشرکین " ( 2 ) .
أنت ترى أن الخلیفه عمر یلتزم بالسنه بها ، فخالد بن الولید توجهه ، ومع أن هذه السنه غیر صحیحه لکنه یلتزم بها ، فخالد بن الولید أسلم بعد صلح الحدیبیه ، وکان أحد أبرز قاده جبهه الشرک ولکن کان دوره بارزا فی تثبیت الخلافه ، وله میزه أخرى أنه کان من الحاقدین على علی بن أبی طالب ، وأهل بیت النبوه .
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) شرح النهج ج ۴ ص ۸۲ ، وتاریخ الإسلام ج ۱ ص ۳۴۷ ، وکنز العمال ج ۵ ص ۳۶۷ .
( ۲ ) الإمامه والسیاسه لابن قتیبه ج ۱ ص ۲۳ – ۲۴ . ( * )
ویجدر بالذکر أن خالدا قد قتل عامل رسول الله وصاحبه مالک بن
نویره وتزویج امرأته یوم قتل زوجها دون عده ، ویجدر بالذکر أیضا أن عمر بن الخطاب کان قد اقترح على أبی بکر أن یقیم الحد على خالد بن الولید بقوله : " إن خالد زنى فارجمه " ( 1 )
إذا کانت سنه الرسول المزعومه تتفق مع توجهات الخلفاء وما تهوى أنفسهم ، فهی وجبه التطبیق حتى ولو تعارضت مع القرآن الکریم أما إذا کانت سنه الرسول تتعارض مع توجهات الخلفاء وما تهوى أنفسهم ، فسنه الرسول ممنوعه والقرآن وحده یکفی ! ! ! والرسول هنا بشر یتکلم فی الغضب والرضا ، ولا ینبغی أن یحمل کلامه على محمل الجد ! ! فعندما أمر رسول الله أسامه طعن عمر بهذا التأمیر ، ورأى أن تأمیر الرسول لأسامه غیر صحیح وغیر مناسب ، وأخذ یحرض الناس على عدم الخروج ، وحتى بعد موت الرسول طلب عمر من أبی بکر أن یعزل أسامه ( ۲ ) وعندما أراد الرسول أن یکتب وصیته وتوجیهاته النهائیه ، حال عمر وحزبه بین الرسول وبین کتابه ما أراد وقال أمامه وهو مریض : إن الرسول یهجر وعندکم القرآن حسبنا کتاب الله ، کما وثقنا ، وکم بین الرسول أمام عمر من أحکام بالإمام علی ، لقد شهد عمر نفسه تنصیب الرسول للإمام علی خلیفه من بعده ، وبایعه عمر وهنأه بالخلافه ، وبعد موت الرسول انقلب علیه ، وتنکر لکل ما قاله الرسول فی الإمام علی وفاطمه والحسن والحسین وأهل بیت النبوه ! ! ! لقد هم عمر بحرقهم وهم أحیاء فی الیوم الثانی لوفاه الرسول .
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) کنز العمال ج ۳ ص ۱۳۲ .
( ۲ ) تاریخ الطبری ج ۳ ص ۲۲۶ ، والکامل لابن الأثیر ج ۲ ص ۳۳۵ ، والسیره الحلبیه ج ۳ ص ۲۰۹ و ۲۳۶ ، وراجع ما کتبناه تحت عنوان " الصد العلنی عن سنه الرسول وتحریض المسلمین على عدم اتباعها " ( * ) .
وأهلیه أبی عبیده وخالد للخلافه لا تکمن فی ما قاله الرسول عنهما بل تکمن بمشارکتهما لعمر بالشروع بحرق بیت فاطمه بنت الرسول فی الیوم الثانی لوفاه أبیها رسول الله ! ! !
کما وثقنا أکثر من مره بالفصول السابقه ، وبعدائهما التام لأهل بیت النبوه ، وکراهیتهم بأن تؤول الرئاسه لأهل بیت النبوه ! ! کان هدفهم ینصب على طمس معالم السنه ، التی تکشف الحقائق الشرعیه کشفا موضوعیا ، ونسوق مثالا آخر على موقفهم من سیره الرسول ، فلو أباحوا للمسلمین کتابه سیره الرسول بموضوعیه وصدق وحیاد لاکتشف المسلمون أن الإمام علیا کان هو فارس الإسلام فی کل المواقع ، وحامل رایه النبی ، وأنه هو الذی فتک بأعداء الله ، وأن آل محمد هو أول من قاتل ، وهم الذین حملوا الرسول قبل الهجره ، فلولاهم لقتلت زعامه بطون قریش رسول الله ، ولما قامت للإسلام قائمه ، وسیکتشف المسلمون بأن الخلفاء لم یکن لهم أی دور ممیز فی أیه معرکه من المعارک التی جرت بین الکفر والإیمان ، ومع أن التاریخ قد کتب تحت إشرافهم إلا أنه لم یرو راو قط أن أحدا من الخلفاء قد قتل أو جرح أو أسر مشرکا ! ! ! ولم یرو راو قط أن بنی تیم أو بنی عدی أو بنی أمیه هم الذین حموا رسول الله قبل الهجره ، أو هم الذین حاربوا معه بعد الهجره ، بل کل الرواه متفقون بإن هذه البطون وبقیه قریش ال ۲۳ هم الذین اتحدوا على مقاومه النبی وهم الذین اشترکوا بمحاصره ومقاطعه الهاشمیین فی شعب أبی طالب ، وهم الذین تآمروا على قتل النبی بل وشرعوا بقتله لیله الهجره ، وهم الذین جیشوا الجیوش وحاربوا النبی بعد الهجره ، ولم یتوقفوا عن حربه إلا بعد أن هزمهم الرسول .
لو عرف المسلمون ذلک ، لما وجدوا مبررا واحدا لتقدم الخلفاء وتأخر أهل بیت النبوه ، أو لإذلال الهاشمیین ، وخلع أثواب العز على بقیه بطون قریش ولما وجدوا مبررا لتقدیم أبی بکر وعمر وعثمان وغیرهم على الإمام علی ! !
إن سنه الرسول هی التی تکشف الأصیل من الزائف والحق من الباطل ، وتحدد المواقع الشرعیه للناس ، هذا هو سر عدائهم لسنه الرسول ، وخوفهم منها ، وهذا هو الهدف من محاولتهم المستمیته لطمسها .
کان سلیمان بن عبد الملک ولیا للعهد الأموی ، حج ذات سنه ومر بالمدینه ، ورکب إلى مشاهد رسول الله ، فأمر إبان بن عثمان أن یکتب له سیره الرسول ، فقال إبان : هی عندی قد أخذتها مصححه ، فأمر بنسخها ، ولما اطلع سلیمان علیها ، ورأى ما فیها ، أمر بذلک الکتاب فحرق ، وعندما رجع إلى عاصمه ملکه ذکر ذلک لأبیه فقال عبد الملک : " وما حاجتک أن تقدم بکتاب لیس لنا فضل فیه ، تعرف أهل الشام أمورا لا نرید أن یعرفوها فقال سلیمان : لقد أمرت بتحریق الکتاب فصوبه عبد الملک " ( 1 ) .
سلیمان لا یدری أن رسول الله قد لعن جده مروان بن الحکم ، ولعن أباه الحکم بن العاص ووسمهم بأنهم أعداء الله ، وحذر منهم ، ولا یدری بأن أجداده وأقاربه هم الذین قادوا جبهه الشرک ، ولا أهل الشام ، ولا حدیثو العهد بالإسلام یدرون بذلک ! ! فما هی مصلحتهم وما هی مصلحه الخلفاء بإباحه سنه الرسول التی تکشف ذلک ! ! إن مصلحتهم ومصلحه ملکهم تقضی بطمس سنه الرسول ، واعتبارها هی الخطر الداهم الذی یهدد ملکهم ومصالحهم ! ! !
طلب خالد القسری أحد ولاه بنی أمیه من أحد العلماء أن یکتب له سیره الرسول ، فقال ذلک العالم : " فإنه یمر بی الشئ من سیره علی بن أبی طالب أفأذکره ؟ فقال خالد : لا ، إلا أن تراه فی قعر جهنم " (2)
إذا تحدثوا عن سیره الرسول أو سنه الرسول ، فإنهم یریدونها سیره مزوره تخدم ملکهم ومصالحهم ، وتشهد لصالحهم زورا ، فإذا لم یتمکنوا من إیجاد مثل هذه السیره أو السنه ، فلا داعی لسیره ولا لسنه تشکل خطرا على دولتهم ووجودهم ، وتخدم أعداءهم الألداء آل محمد ومن والاهم ! ! !
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) الموفقیات للزبیر بن البکار ص ۲۲ – ۲۲۳ .
( ۲ ) الأغانی ج ۲۲ ص ۲۵ ، وتدوین السنه الشریفه ص ۴۲۱ . ( * )