أهل بیت النبوه وأصحاب المذاهب الأربعه

0

ثم إنهم لیسوا ورثه العلم والبیان النبوی، ولم ینتقل هذان إلیهم بالطرق الیقینیه الموثوقه التی انتقلا فیها إلى أهل بیت النبوه. إضافه إلى ذلک، فإن أهل بیت النبوه أساتذه أصحاب المذاهب الأربعه، فقد انقطع أبو حنیفه إلى مجلس الإمام جعفر الصادق طوال عامین، وطالما ردد جملته المشهوره: (لو لا السنتان لهلک النعمان). یقول ابن طلحه الشافعی:
(واستفاد من الإمام جعفر الصادق جماعه من أعیان الأمه وأعلامها مثل مالک بن أنس وأبو حنیفه). وقال ابن حجر (۱): وروى عن الإمام جعفر الصادق جماعه من الأئمه الکبار (کیحیى بن سعید، وابن جریج ومالک، والسفیانی وأبی حنیفه).
____________
 (1) فی الصواعق المحرقه ص ۳۰٫
وإذا أخذنا بعین الاعتبار أن الشافعی من تلامیذ مالک بن أنس، وأحمد بن حنبل من تلامیذ الشافعی فمعنى ذلک أن الإمام جعفر الصادق هو أستاذ أصحاب المذاهب الأربعه الذین اقتدى بهم أهل السنه أو شیعه الخلفاء.
وإذا جاز لنا أن نسأل دوله البطون: بأی مسوغ تقدمون التلامیذ على الأستاذ، وتقدمون العلماء العادیین على أئمه أهل بیت النبوه؟ لکان جوابهم جاهزاً:
تلک سنه سنها الخلفاء، فی الأمور السیاسیه والفقهیه، فلقد قدموا على أهل بیت النبوه من هم دونهم مرتبه وعلماً وشرفاً ونسباً، لمصلحه رأوها فی هذا التقدیم.
فإذا سألتهم: ما هی هذه المصلحه رعاکم الله؟ أغلقوا باب الحوار وظنوا بک الظنون!
مذهب أهل بیت النبوه
مذهب أهل بیت النبوه هو الإسلام الیقینی کما تلقوه عن جدهم رسول الله الذی عاشوا وإیاه طوال حیاته المبارکه فی بیت واحد وتحت سقف واحد. وقد سمی بالمذهب الجعفری نسبه إلى جعفر الصادق، الإمام الذی آل إلیه علم أهل بیت النبوه، وتمشیاً مع العرف الذی ساد آنذاک بنسبه المذهب إلى أستاذه ومرجعه المعاصر. ولم یتوقف الإمام جعفر الصادق یوماً عن القول: (حدیثی حدیث أبی، وحدیث أبی حدیث جدی وحدیث جدی حدیث رسول الله، وحدیث رسول الله قول الله). کان یقول ذلک علناً على رؤوس الأشهاد! ومع هذا فإن دوله الخلافه حظرت هذا المذهب رسمیاً مع علمها بأنه مذهب أهل بیت النبوه ومذهب النبی یقیناً، ومع علمها بأن جعفر الصادق هو أستاذ أصحاب المذاهب الأربعه التی اختارتها مذهباً رسمیاً للدوله! وذلک تنفیذاً لسنه الخلفاء بتقدیم المفضول على الأفضل ومراعاه لمصلحه المسلمین! وهکذا صار مذهب أهل بیت النبوه ممنوعاً، وصارت مرجعیتهم غیر معتبره، وصار الذین یتمذهبون بمذهبهم شذاذاً ومبتدعه على حد تعبیر ابن خلدون!
علم النبوه والبیان النبوی الأمثل
لم تکتف دوله البطون بحصر المراجع بأربعه ولا بحصر المذاهب الفقهیه بالمذاهب الأربعه، وحظر ما سواها وعدم اعتباره، بل زکت الأحادیث النبویه التی رواها سته من العلماء وبارکتها، وشهدت بأن الأحادیث الوارده فی مؤلفات أولئک العلماء السته هی الأحادیث الصحیحه والموثوقه، وهی قمه ما وصل إلینا من علم النبوه ومن البیان النبوی. ولا تخفى أهمیه شهاده دوله الخلافه وعلمائها، فی ثبیت کتب السنه السته التی عرفت فیما بعد بالصحاح واعتبارها، وهی:
۱ – صحیح البخاری لمؤلفه محمد بن إسماعیل، المتوفى سنه ۲۵۶ ه‍ / 869 م.
۲ – صحیح مسلم، لمؤلفه مسلم بن الحجاج النیسابوری، المتوفى سنه ۲۶۱ ه‍ / 874 م.
۳ – سنن ابن ماجه، لمؤلفه محمد بن یزید القزوینی، المتوفى سنه ۲۷۳ ه‍ / 886 م.
۴ – سنن أبی داود، لمؤلفه سلیمان بن الأشعث السجستانی، المتوفى سنه ۲۷۵ ه‍ / 888 م.
۵ – سنن الترمذی، لمؤلفه محمد بن عیسى الترمذی، المتوفى سنه ۲۷۹ ه‍ / 892 م.
۶ – سنن النسائی، لمؤلفه أحمد بن شعیب النسائی، المتوفى سنه ۲۰۳ ه‍ / 818 م. وبعضهم یقدم سنن الدارمی لمؤلفه عبد الله بن عبد الرحمن، المتوفى سنه ۲۵۵ ه‍ / 868 م على سنن النسائی. وقام علماء شیعه الدوله بتقلید هؤلاء السته فی تقویم أحادیث الرسول، وأوصدوا باب البحث وإعمال العقل فیها.
وقد أثبتنا، فی کتابنا: (الخطط السیاسیه)، أن دوله الخلافه، بعد وفاه النبی، وحتى من عمر بن عبد العزیز، قررت محاصره أحادیث الرسول ومنع کتابتها وروایتها. وعملیاً، وبعد ۹۵ عاماً، من الشد والإرخاء، ومن الحصار، رفعت الحظر عن أحادیث الرسول بعد أن ثبتت منهاجها التربوی والتعلیمی.
عندئذ، بدأ علماء الدوله یتسابقون على روایه ما کان متداولاً من أحادیث الرسول وکتابته. وقد جمعوها بطرقهم الخاصه، واعتبروا المؤلفات السته السابقه بمثابه عنوان الکمال فی علم النبوه وبیان النبی!
أما علم النبوه وبیان النبی المروی عن طریق أهل بیت النبوه وشیعتهم فلم یکن له اعتبار، وعتم علیه وأهمل إلا تندراً أو لغایات الاحتجاج به لإثبات شرعیه الخلفاء وعلمهم وعملهم وسننهم أو سعه صدورهم. وبلغ حذر شیعه الخلفاء حداً أنهم کانوا یرفضون أی روایه إذا کان أحد رواتها من شیعه أهل بیت النبوه أو محبیهم على اعتبار أنه غیر ثقه لأن التشیع لأهل بیت النبوه ومحبتهم ینفیان ثقه الروای!
شرعیه التحزب والتشیع
لیس على المسلم من حرج لو تشیع لأبی بکر أو لعمر أو لعثمان أو لمعاویه أو لمروان بن الحکم، أو حتى لیزید بن معاویه، أو لسالم مولى أبی حذیفه، أو لأبی حنیفه أو الشافعی أو مالک أو ابن حنبل أو لأیه شخصیه بارزه، أو شخص عادی، فلا یلام المسلم على هذا التشیع أو التحزب. وقد أثبتنا فی الفصول السابقه أنه کان لکل واحد ممن ذکرنا شیعه خاصه به، ترى فضله وتفوقه، وتعمل على دعمه لکن لیس مباحاً ولا مشروعاً لأی واحد من المسلمین أن یتشیع لعلی بن أبی طالب، أو ابنه الإمام الحسین أو ابنه الإمام علی، أو ابنه محمد الباقر، أو ابنه جعفر الصادق أو أیه شخصیه من شخصیات أهل بیت النبوه، لأن التشیع لأی إمام من أئمه أهل بیت النبوه یؤدی إلى تفریق المسلمین، وتشتیت جماعتهم! ویقع المحظور نفسه فی حاله التشیع لأی عالم أو فقیه من شیعتهم.
وعلى مستوى الفئات والجماعات، یمکن للمسلم، وبکل احترام، أن یتشیع لبنی تیم، أو لبنی عدی، أو لبنی أمیه، أو لبنی مخزوم أو لأی بطن من بطون قریش، أو لأیه قبیله من قبائل العرب أو العجم ولکن من غیر الجائز، حسب شریعه دوله الخلافه، أن یتحزب المسلم أو یتشیع لأهل بیت النبوه، أو لبنی هاشم، لأن هذا التحزب أو التشیع لهؤلاء، شق لعصا الطاعه، وتفریق للجمعه والجماعه! ولقد تکرست هذه المفاهیم فی أذهان العامه والخاصه، وتوارثوها کما یتوارثون المتاع، ولعمری إن هذا الدلیل قاطع على عبقریه کید خلفاء البطون وعظمته، فهم الذین أسسوا قواعد منهاجهم التربوی والتعلیمی!
ولم یختلف الأمر فی العصر الحدیث، فمن حق أی مسلم – أی مواطن – أن یتشیع لهذا الحاکم أو ذاک، لهذا العالم أو ذاک، لهذا المفکر أو ذاک. یمکن للمواطن أن یتشیع، أو یتحزب، لکارل مارکس، أو لمیشیل عفلق، أو لأنطوان سعاده، أو لحسن البنا، أو لتقی الدین النبهانی، أو لابن تیمیه، أو لمحمد عبد الوهاب، وأن ینشر أفکاره، فلا تثریب علیه، لأنه مواطن حر فی بلد حر، ولأن الناس یعیشون حیاه دیمقراطیه، وینصحون بالحریه، ولکن محظور على أی مسلم أو مواطن أن یتشیع لأهل بیت النبوه، أو لبنی هاشم، ومحظور علیه أن ینشر فکرهم وآراءهم، کما تنشر أفکار الفئات والجماعات الأخرى وآراؤها! لماذا؟ لأن هذا النشر یعد إثاره للنعرات الطائفیه، ما یعرض الوحده الوطنیه الداخلیه للخطر!
وأتباع جمیع المذاهب، والمتشیعون والمتحزبون لکل الرجالات والفئات، وأتباع کل الدیانات، یمارسون جمیع نشاطاتهم وشعائرهم، ویجهرون بمعتقداتهم بکل حریه من دون مضایقه من أحد، ومن دون استغراب أحد! الحزبی القومی، الحزبی الدینی، المسیحی، الیهودی، البوذی جمیعهم أحرار فی ممارسه معتقداتهم والجهر بها، ولا تشکل ممارساتهم أو جهرهم أی خطر على الأمن الداخلی أو الخارجی للمجتمع، والمکبوت الوحید والمضطهد الوحید هو الذی یتشیع لأهل بیت النبوه، أو یسیر على مذهبهم، أو یحاول أن یهجر بفکرهم! لأن هذا یثیر الاستغراب، ویولد الحساسیه والنفور!
والملفت للانتباه أن هذا الکبت والاضطهاد والحجر على حریات أتباع مذهب أهل بیت النبوه لم یکن نتیجه لعمل السلطه الحاکمه فی أی بلد إسلامی، وإنما هو نتیجه تعصب وحساسیه المتدینین من شیعه الخلفاء أو أهل السنه، فما زالت نفوسهم مسکونه بالمنهاج التربوی والتعلیمی الذی أشربهم إیاه الخلفاء، وهم یعتقدون حتى الآن فی (عالم لا وعیهم) أن أهل بیت النبوه وشیعتهم یشکلون خطراً على خلفاء البطون! وهم فی عالم (اللاوعی) ما زالوا یعتقدون أن نظام الخلافه ما زال قائماً! وهذا برهان قاطع على عمق استیعابهم للمنهاج التربوی والتعلیمی الذی أو دعته دوله البطون کل عبقریتها وکیدها، وکل قدرتها على التخطیط، فأظهرت أصحاب الحق الشرعی (أهل بیت النبوه) بمظهر من ینازع الأمر أهله! وبمظهر الجائعین للسلطه والجاه! والساعین لشق عصا الله، وتفریق الجماعه، وخراب الدین! وأظهرت شیعه أهل بیت النبوه والمتعاطفین مع قضیتهم العادله بمظهر أعداء الإسلام الذین لا هم لهم إلا هدمه متسترین بالتشیع والتحزب والتعاطف مع أهل بیت النبوه!
النجاح المنقطع النظیر
نجحت دوله البطون نجاحاً منقطع النظیر فی جعل المنهاج التربوی والتعلیمی الذی اخترعه خلفاؤها عقیده خاصه للأکثریه الساحقه من أفراد الرعیه الإسلامیه، مثلما نجحت فی إظهار أهل بیت النبوه وشیعتهم القله بمظهر الشواذ المبتدعه، على حد تعبیر ابن خلدون!
وصار هذا المنهاج مفتاح الدنیا والآخره، فإذا أردت الدارین فعلیک بمنهاج دوله البطون! ونجحت دوله البطون فی مزج منهاجها التربوی والتعلیمی بالدین الإسلامی، وألقت فی روع المسلمین أنه المنهاج الدینی الإسلامی، وأنه لا یوجد للإسلام سواه. ونجحت فی إقناع الرعیه والعالم بأنه دین الإسلام الذی جاء به محمد رسول الله وجهان لعمله واحده! ونجحت فی تسویق الاثنین معاً ; فإما أن تأخذ دین الإسلام ومنهاج دوله البطون معاً فتکون مسلماً ومن أهل الجنه، أو تترک الاثنین معاً فتکون مجرماً أو من أهل النار!
ونجحت دوله البطون فی إقناع الأکثریه الساحقه من المسلمین بأن خلفاءها هم خلفاء رسول رب العالمین طاعتهم کطاعه الرسول، ومعصیتهم کمعصیه الرسول! وأن الله قد اختارهم لقیاده الأمه وخلافه الرسول، فهم ثمره الإراده الإلهیه والقضاء الإلهی، ولا راد لقضائه على حد تعبیر معاویه! فما کان للخلفاء أن یخلفوا الرسول لولا إراده الله وقضاؤه! ونجحت دوله البطون فی إقناع الأکثریه الساحقه من الأمه بأن خلفاءها هم أقرباء النبی وأبناء عشیرته قریش، وأن الهاشمیین لیسوا سوى بطن من بطون قریش ال‍ 25، ونصیبهم بمحمد لیس أکثر من نصیب أی بطن من بطون قریش وأن الخلاف مع الهاشمیین قد حسمه الله تعالى لصالح البطون فأعطى البطون الملک وحرم الهاشمیین!
ثم إنه تعالى قد خص الهاشمیین بالنبوه، والنبوه شرف عظیم، وحرم بقیه البطون من هذا الشرف، فهل من العدل أن یأخذ الهاشمیون النبوه والخلافه معاً وأن یحرموا البطون من هذین الشرفین معاً، وهم أبناء عمومه؟
ونجحت دوله البطون فی إقناع الأکثریه الساحقه من الأمه بأن أهل بیت النبوه خطر مشترک على الجمیع لأن همهم منصب على استرجاع منصب الخلافه من المسلمین، والاستحواذ علیه والتفرد به من دون الناس! لذلک یتوجب على الأمه الحذر الشدید من مطامعهم، والحذر کل الحذر من شیعتهم ; لأن أهل البیت من دون شیعه تلتف حولهم لن یشکلوا خطراً على الأمه الإسلامیه، فمصدر الحظر هو الشیعه، لإن الأمر مستقر، والفتنه نائمه والشیعه یریدون أن یوقظوها من نومها العمیق! وقد لعن رسول الله من أیقظ الفتنه وهی نائمه. إذاً فشیعه أهل البیت ملعونه! ومن واجب الرعیه أن تقاومها وتلعنها حتى یرضى الله ورسوله عنها.
واستجابت الأکثریه الساحقه من الأمه فلعنت الشیعه وعدتها العدو اللدود للأمه بجرم التعاطف مع أهل بیت النبوه! وقد تسامح خلفاء البطون وأولیاؤهم مع الیهود والنصارى وعاملوهم برفق ورحمه بدعوى أنهم أهل الکتاب، وعاملوا إخوانهم من المسلمین الذین تعاطفوا مع أهل بیت النبوه بمنتهى القسوه والفظاظه، فصار النصرانی، أو الیهودی، أحب إلى قلوب العامه من رجل یتشیع لأهل بیت محمد!
أسباب هذا النجاح المنقطع النظیر
دوله البطون، کأی دوله أخرى، لها رئیسها ووزراؤها، ولها حکام أقالیمها، بیدها المالیه ومواردها ومختلف الإمکانیات، ولها جیشها الکبیر الذی یتقاضى رواتبه من خزانتها، ویخضع تماماً لأوامر قیادتها فینفذها من دون إبطاء، ولها أیضاً مدارسها وجامعاتها ومعاهدها التی تتولى الإشراف الکامل علیها، ولها جهازها الإعلامی الخاص بها الذی یعمل تماماً وفق توجیهاتها.
وتتمیز دوله البطون من رأی دوله أخرى بأنها کانت دوله عائلیه أو قبلیه من جمیع الوجوه، فقائدها وکبار رجالاتها وولاتها من قریش، أو من أبناء قبائل أخرى أثبتوا ولاءهم لدوله البطون واقتناعهم بعقیدتها السیاسیه. فکانت دوله البطون منسجمه باللحمه القبلیه ومسلحه بالدین، ما یجعل من طاعتها واجباً دینیاً! ثم إنها کانت دوله فتیه ومنظمه، فطرق جبایه المال معروفه وطرق إنفاقه معروفه. وکان المال عصب الحیاه عملیاً، وکانت الأکثریه الساحقه من الرعیه تأخذ أرزاقاً أو عطاء من الدوله، وکان هذا الرزق أو العطاء حقاً خالصاً للمسلم یأخذه من رسول الله من دون أن یفتش الرسول عما فی قلبه. ولما استولت البطون على منصب الخلافه تحول هذا المال إلى سلاح جبار بیدها فتوغلت إلى ضمائر الأفراد ونفوسهم فصار من واجب المسلم أن یثبت ولاءه لها وأن یثبت نفوره من أعدائها، وعلى رأسهم أهل بیت النبوه ومن یتشیع لهم أو یتعاطف مع قضیتهم، وأن یلتزم ببرنامجهما ومنها جهما التربوی والتعلیمی، فإن فعل ذلک یأخذ رزقه وعطاءه ویأخذ نصیبه من المغانم والمکاسب. وإن لم یفعل ذلک فلا رزق له ولا عطاء ولا نصیب، ویوضع فی قائمه المشبوهین الذین یریدون تفریق الجماعه وشق عصا الطاعه، ومن الطامعین بغصب الأمر من الأمه وإیقاظ الفتنه من نومتها، وجزاؤهم على المستوى الاقتصادی أن یموتوا جوعاً وحرماناً، وعلى المستوى الدینی أن یموتوا میته جاهلیه. وقد تعجل دوله البطون بمنیه بعضهم فتقتله إذا أو جست منه خطراً کما قتلت سعد بن عباده، والحسن بن علی وحجر بن عدی، وعمرو بن الحمق وهم من أجلاء الصحابه وغیرهم!
فی هذا المناخ، وبهذه الطرق، رعت دوله البطون منهاجها التربوی والتعلیمی وغرسته فی النفوس خلال مده تزید على مئه عام! وماتت الأجیال التی عرفت الحقیقه وشهدت عصر التحول الأعظم، وجاءت أجیال جدیده، فوجدت کل شئ جاهزاً ومکتوباً، ووجدت کامل المنهاج فتقبلتها بقبول حسن، واعتبرتها ثمره إجماع الأکثریه الساحقه من الأمه، واعتبرتها عین الدین الذی جاء به محمد رسول الله! فصار تمسکها بالمنهاج التربوی والتعلیمی لدوله البطون رمزاً لتمسکها بالدین! ولو عرفت بطلان هذا المنهاج، وظروف فرضه وأیلولته إلیهم لما تمسکت به، ولکنها تجهل کل ذلک. ومن هنا تعاملت مع هذا المنهاج وثمراته تعاملها مع حقائق دینیه لا تقبل التبدیل أو التغییر أو المناقشه! أو على أنها عبادات لا تعلل!
وبمعنى آخر، إن دوله البطون فرضت منهاجها التربوی والتعلیمی بقوه الدوله وإمکانیاتها الهائله، ووثقت هذا المنهاج بالأسلوب نفسه. وبعد موت الذین شهدوا حاله التحول الکبرى جاءت الأجیال اللاحقه واعتبرت هذا المنهاج ثمره رضى الأغلبیه الساحقه من الأمه وإجماعها فتمسکت بوصفه الحق المبین والدین الذی جاء به سید المرسلین (صلى الله علیه وآله). واقتصر دور أهل القرون اللاحقه على تمجید سنن القرن الأول وأعرافه وسوابقه وعلى إثبات شرعیه تلک السنن والأعراف والسوابق، واختراع المسوغات لما اعتبره بعض معارضیهم أخطاء وهنات.

Leave A Reply

Your email address will not be published.