موقفهم من سنه الرسول(ص) وهو على فراش مرض الموت ! !
وأعطى رسول الله الرایه لأسامه وقال له : ( سر إلى موضع قتل أبیک ، فأوطئهم الخیل فقد ولیتک هذا الجیش . . ) کان ذلک فی الیوم الرابع والعشرین من صفر سنه ۱۱ ه وحث الرسول هذا الجیش على الخروج سریعا ( ۱ ) وفی الیوم الثامن والعشرین من الشهر نفسه قعد الرسول على فراش المرض .
ـــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) المغازی للواقدی ج ۳ ص ۱۱۷ ، والسیره الحلبیه ج ۳ ص ۲۰۷ ، وسیره ابن دحلان بهامش السیره الحلبیه ج ۲ ص ۳۲۹ ، والطبقات الکبرى لابن سعد ج ۲ ص ۱۹۰ . ( * )
فأخذ أصحاب الخطر کعمر وأبی عبیده وعثمان وغیرهم یثبطون الناس عن الخروج ویطعنون فی تأمیر رسول الله لأسامه ، لأنهم کما یبدو قد فهموا مقاصد الرسول التی تحول بینهم وبین ما یبیتون ، فبلغ الرسول ذلک ، ومع أنه على فراش الموت إلا أنه قد نهض معصب الرأس ، ملفوفا بقطیفه محموما فصعد المنبر وحمد الله وأثنى علیه ثم قال : ( أیها الناس ما مقاله بلغتنی فی تأمیری أسامه ، ولئن طعنتم فی تأمیری أسامه فقد طعنتم فی تأمیری أباه من قبل ، وأیم الله إنه کان لخلیق بالإماره ) ( ۱ ) .
وحثهم على المبادره بالسیر ، کان ذلک یوم السبت فی العاشر من ربیع الأول سنه ۱۱ ه ، أی قبل وفاه النبی بیومین فقط ، وعاد النبی وقعد على فراش الموت ثانیه ، فلما ثقل جعل یقول : ( جهزوا جیش أسامه ، أنفذوا جیش أسامه ، أرسلوا بعث أسامه وکرر ذلک مرات متعدده وهم متثاقلون ) ( ۲ ) .
ویوم الاثنین الثانی عشر من ربیع الأول دخل أسامه من معسکره على النبی فأمره الرسول بالسیر وقال له : ( اغدو على برکه الله ) ( ۳ ) .
وقال الرسول مره أخرى : ( جهزوا جیش أسامه لعن الله من تخلف منه ) ( ۴ )
ـــــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) المغازی للواقدی ج ۳ ص ۱۱۹ ، وشرح النهج لابن أبی الحدید ج ۱ ص ۵۷ ، والسیره الحلبیه ج ۳ ص ۲۰۷ وج ۳ ص ۲۳۴ ، والسیره الدحلانیه ج ۳ ص ۳۳۹ ، وعبد الله بن سبأ ج ۱ ص ۷۰ ، وکنز العمال ج ۱۰ ص ۵۷۲ – ۵۷۳ ، ومنتخب الکنز بهامش مسند الإمام أحمد ج ۴ ص ۱۸۲ .
( ۲ ) کنز العمال ج ۱۰ ص ۵۷۳ ، ومنتخب الکنز بهامش مسند الإمام أحمد ج ۴ ص ۱۸۲ .
( ۳ ) المغازی للواقدی ج ۳ ص ۱۱۲ ، والطبقات لابن سعد ج ۳ ص ۱۹۱ ، والسیره الحلبیه ج ۳ ص ۲۰۸ و ۲۳۵ ، والسیره الدحلانیه ج ۲ ص ۳۴۰ ، وشرح النهج ج ۱ ص ۱۶۰ ، وکنز العمال ج ۱۰ ص ۵۷۴ .
( ۴ ) الملل والنحل للشهرستانی ج ۱ ص ۲۳ وج ۱ ص ۲۰ بهامش الفصل لابن حزم ج ۱ ص ۲۴ . ( * )
وأخرج الجوهری فی کتاب السقیفه : ( أن أسامه قد جاء رسول الله وقد ثقل علیه المرض فاستأذنه أسامه لیمکث حتى یشفى رسول الله ، فقال الرسول : ( أخرج وسر على برکه الله ) فقال أسامه : ( إن خرجت وأنت على هذه الحاله خرجت وفی قلبی قرحه ) وقال الرسول : ( سر على النصر والعافیه ) فقال أسامه : یا رسول الله إنی أکره أن أسائل عنک الرکبان فقال النبی : ( أنفذ لما أمرتک به ) ( یبدو واضحا بأن أسامه قد تعرض لضغوط هائله من قاده التحالف کی لا یخرج ) ( ۱ ) .
ثم أغمی على الرسول ، وقام أسامه فتجهز للخروج ، فلما أفاق الرسول سأل عن بعث أسامه وجعل یقول : ( انفذوا بعث أسامه ، لعن الله من تخلف عن بعث أسامه ، وکرر الرسول ذلک ، فخرج أسامه واللواء على رأسه والصحابه بین یدیه ) ( ۲ ) .
وبالرغم من إصرار الرسول على تأمیر أسامه ، ومن غضبه الشدید على الذین طعنوا بهذا التأمیر ، ومن خروج الرسول وهو على فراش الموت ودفاعه عن قراره بتأمیر أسامه ، وعلى الرغم من رغبه الرسول العظیمه وإصراره على إنفاذ بعث أسامه ، إلا أن عمر بن الخطاب وحزبه قد نجحوا بتثبیط الناس عن الخروج ونجحوا بتشکیک الناس بشرعیه تأمیر الرسول لأسامه ! !
وتجاهل عمر بن الخطاب وحزبه کل ما صدر عن الرسول فی هذا المجال من تأکیدات ، وطلبوا من الخلیفه الأول أبا بکر أن یعزل أسامه بعد موت الرسول ! ! لأن تأمیر الرسول لأسامه لیس مناسبا ولا صحیحا حسب رأی عمر وآراء قاده حزبه ! ! إلا أن الخلیفه الأول رفض هذا المطلب وأخذ بلحیه عمر بن الخطاب وقال له : ( ثکلتک أمک وعدمتک یا بن الخطاب استعمله رسول الله وتأمرنی أن أنزعه ؟ ) ( ۳ )
ــــــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) راجع کتابنا الاجتهاد بین الحقائق الشرعیه والمهازل التاریخیه ص ۱۷۶ .
( ۲ ) شرح النهج لابن أبی الحدید ج ۶ ص ۵۲ .
( ۳ ) تاریخ الطبری ج ۳ ص ۲۲۶ ، والکامل لابن الأثیر ج ۲ ص ۳۳۵ ، والسیره الحلبیه ج ۳ ص ۲۰۹ و ۲۳۶ ، والسیره الدحلانیه ج ۲ ص ۳۴۰ . ( * )
کان الخلیفه الأول یرى أنه لا فائده ترتجى من عزل أسامه عن قیاده تلک السریه التی ولاه رسول الله قیادتها ، ولا ضرر من بقائه قائدا لها ، بعد أن استقامت لهم الأمور واستولوا على ملک النبوه ، بل إن عزله سیثیر غضب أفراد الفئه المؤمنه ، وسیکشف بصوره فاضحه بشاعه نظره قاده التحالف إلى رسول الله واستهتارهم بأبسط مظاهر الشرعیه الإلهیه .
أما عمر فقد تجاهل خروج الرسول وهو مشرف على الموت ، ودفاعه عن تأمیره لأسامه ، لأنه کان یعتقد أن تأمیر الرسول لأسامه أمر غیر صائب وغیر صحیح وأن الرسول کان ینبغی أن یعزله وأن یسند إماره تلک السریه لغیره ! ! ثم إن عمر لا یقبل بأنصاف الحلول فأراد أن یکون انتصاره على الرسول انتصارا حاسما وأن یثبت بأنه وأعوانه هم المالکون لمقالید الأمور ولیس الرسول ، وأنهم هم الذین یعرفون الصواب ولیس الرسول ، فأراد أن یرغم أنف الرسول وکل أولیاء الرسول ! !
وعمر على فراش الموت کان یردد : ( لو أدرکت خالد ابن الولید أو معاذ بن جبل أو سالم مولى أبی حذیفه لولیته الخلافه من بعدی ) ( ۱ ) کان یتصرف بمنصب الخلافه تصرف المالک بملکه ، وکان یرى أن ذلک التصرف من صمیم حقوقه واختصاصاته ، لکنه وحزبه کانوا یعتقدون أنه لا حق للرسول بأن یؤمر أسامه أو غیر أسامه على سریه فهل رأیتم بربکم ظلما کهذا الظلم ، أو استبدادا کهذا الاستبداد ، أو استهتارا بمقام النبوه کهذا الاستهتار ! ! !
ــــــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) أنساب الأشراف ج ۵ للبلاذری . ( * )