عقیدتنا فی زیاره القبور

0

ومرد کل ذلک إلى وصایا الأئمه ، وحثهم شیعتهم على الزیاره ، وترغیبهم فیما لها من الثواب الجزیل عند الله تعالى ، باعتبار أنها من أفضل الطاعات والقربات بعد العبادات الواجبه ، وباعتبار أن هاتیک القبور من خیر المواقع لاستجابه الدعاء الانقطاع إلى الله تعالى .
وجعلوها أیضا من تمام الوفاء بعهود الأئمه ، ( إذ أن لکل إمام عهدا فی عنق أولیائه وشیعته ، وأن من تمام الوفاء بالعهد وحسن الأداء زیاره قبورهم ، فمن زارهم رغبه فی زیارتهم وتصدیقا بما رغبوا فیه کان أئمتهم شفعاؤهم یوم القیامه ) ( ۱ ) .
ـــــــــــــــــــــ
 (1) من قول الإمام الرضا علیه السلام . راجع کامل الزیارات لابن قولویه ص ۱۲۲ . ( * )
وفی زیاره القبور من الفوائد الدینیه والاجتماعیه ما تستحق العنایه من أئمتنا ، فإنها فی الوقت الذی تزید من رابطه الولاء والمحبه بین الأئمه وأولیائهم ، وتجدد فی النفوس ذکر مآثرهم وأخلاقهم وجهادهم فی سبیل الحق – تجمع فی مواسمها أشتات المسلمین المتفرقین على صعید واحد ، لیتعارفوا ویتآلفوا ، ثم تطبع فی قلوبهم روح الانقیاد إلى الله تعالى والانقطاع إلیه وطاعه أوامره ، وتلقنهم فی مضامین عبارات الزیارات البلیغه الوارده عن آل البیت حقیقه التوحید والاعتراف بقدسیه الإسلام والرساله المحمدیه ، وما یجب على المسلم من الخلق العالی الرصین والخضوع إلى مدبر الکائنات وشکر آلائه ونعمه ، فهی من هذه الجهه تقوم بنفس وظیفه الأدعیه لمأثوره التی تقدم الکلام علیها ، بل بعضها یشتمل على أبلغ الأدعیه وأسماها کزیاره ( أمین الله ) وهی الزیاره المرویه عن الإمام " زین العابدین " علیه السلام حینما زار قبر جده " أمیر المؤمنین " علیه السلام کما تفهم هذه الزیارات المأثوره مواقف الأئمه علیهم السلام وتضحیاتهم فی سبیل نصره الحق وإعلاء کلمه الدین وتجردهم لطاعه الله تعالى ، وقد وردت بأسلوب عربی جزل ، وفصاحه عالیه ، وعبارات سهله یفهمها الخاصه والعامه ، وهی محتویه على أسمى معانی التوحید ودقائقه والدعاء والابتهال إلیه تعالى . فهی بحق من أرقى الأدب الدینی
بعد القرآن الکریم ونهج البلاغه والأدعیه المأثوره عنهم ، إذ أودعت فیها خلاصه معارف الأئمه علیهم السلام فیما یتعلق بهذه الشئون الدینیه والتهذیبیه .
ثم إن فی آداب أداء الزیاره أیضا من التعلیم والارشاد ما یؤکد من تحقیق تلک المعانی الدینیه السامیه ، من نحو رفع معنویه المسلم وتنمیه روح العطف على الفقیر ، وحمله على حسن العشره والسلوک والتحبب إلى مخالطه الناس .
فإن من آدابها ما ینبغی أن یصنع قبل البدء بالدخول فی ( المرقد المطهر ) وزیارته . ومنها ما ینبغی أن یصنع فی أثناء الزیاره وفیما بعد الزیاره . ونحن هنا نعرض بعض هذه الآداب للتنبیه على مقاصدها التی قلناها :
 1 – من آدابها أن یغتسل الزائر قبل الشروع بالزیاره ویتطهر ، وفائده ذلک فیما نفهمه واضحه ، وهی أن ینظف الانسان بدنه من الأوساخ لیقیه من کثیر من الأمراض والأدواء ، ولئلا یتأفف من روائحه الناس ( ۱ ) وأن یطهر نفسه من الرذائل .
وقد ورد فی المأثور أن یدعو الزائر بعد الانتهاء من الغسل لغرض تنبیهه على تلکم الأهداف العالیه فیقول : ( اللهم اجعل لی نورا وطهورا وحرزا کافیا من کل داء وسقم ومن کل آفه وعاهه ، وطهر به قلبی وجوارحی وعظامی ولحمی ودمی وشعری وبشری ومخی وعظمی وما أقلت الأرض منی ، واجعل لی شاهدا یوم حاجتی وفقری وفاقتی ) .
ـــــــــــــــــــــ
 (1) قال أمیر المؤمنین علیه السلام : " تنظفوا بالماء من الریح المنتنه وتعهدوا أنفسکم ، فإن الله یبغض من عباده القاذوره الذی یتأفف من جلس إلیه " تحف العقول ص ۲۴ . ( * )
 2 – أن یلبس أحسن وأنظف ما عنده من الثیاب ، فإن فی الأناقه فی الملبس فی المواسم العامه ما یحبب الناس بعضهم إلى بعض ویقرب بینهم ویزید فی عزه النفوس والشعور بأهمیه الموسم الذی یشترک فیه .
ومما ینبغی أن نلفت النظر إلیه فی هذا التعلیم أنه لم یفرض فیه أن یلبس الزائر أحسن الثیاب على العموم ، بل یلبس أحسن ما یتمکن علیه . إذ لیس کل أحد یستطیع ذلک وفیه تضییق على الضعفاء لا تستدعیه الشفقه فقد جمع هذا الأدب بین ما ینبغی من الأناقه وبین رعایه الفقیر وضعیف الحال .
 3 – أن یتطیب ما وسعه الطیب . وفائدته کفائده أدب لبس أحسن الثیاب .
 4 – أن یتصدق على الفقراء بما یعن له أن یتصدق به . ومن المعلوم فائده التصدیق فی مثل هذه المواسم ، فإن فی معاونه المعوزین وتنمیه روح العطف علیهم .
 5 – أن یمشی على سکینه ووقار غاضا من بصره . وواضح ما فی هذا من توقیر للحرم والزیاره وتعظیم للمزور وتوجه إلى الله تعالى وانقطاع إلیه ، مع ما فی ذلک من اجتناب مزاحمه الناس ومضایقتهم فی المرور وعدم إساءه بعضهم إلى بعض .
 6 – أن یکبر بقول : " الله أکبر " ویکرر ذلک ما شاء . وقد تحدد فی بعض الزیارات إلى أن تبلغ المائه . وفی ذلک فائده إشعار النفس بعظمه الله وأنه لا شئ أکبر منه . وأن الزیاره لیست إلا لعباده الله وتعظیمه وتقدیسه فی إحیاء شعائر الله وتأیید دینه .
 7 – وبعد الفراغ من الزیاره للنبی أو الإمام یصلی رکعتین على الأقل ، تطوعا وعباده لله تعالى لیشکره على توفیقه إیاه ، ویهدی ثواب الصلاه إلى المزور .
وفی الدعاء المأثور الذی یدعو به الزائر بعد هذه الصلاه ما یفهم الزائر ، إن صلاته وعمله إنما هو لله وحده وإنه لا یعبد سواه ، ولیست الزیاره إلا نوع التقرب إلیه تعالى زلفى ، إذ یقول : " اللهم لک صلیت ولک رکعت ولک سجدت وحدک لا شریک لک ، لأنه لا تکون الصلاه والرکوع والسجود إلا لک ، لأنک أنت الله لا إله إلا أنت . اللهم صل على محمد وآل محمد ، وتقبل منی زیارتی وأعطنی سؤلی بمحمد وآله الطاهرین " .
وفی هذا النوع من الأدب ما یوضح لمن یرید أن یفهم الحقیقه عن مقاصد الأئمه وشیعتهم تبعا لهم فی زیاره القبور ، وما یلقم المتجاهلین حجرا حینما یزعمون أنها عندهم من نوع عباده القبور والتقرب إلیها والشرک بالله .
وأغلب الظن إن غرض أمثال هؤلاء هو التزهید فیما یجلب لجماعه الإمامیه من الفوائد الاجتماعیه الدینیه فی مواسم الزیارات ، إذ أصبحت شوکه فی أعین أعداء آل بیت محمد ، وإلا فما نظنهم یجهلون حقیقه مقاصد آل البیت فیها . حاشا أولئک الذین أخلصوا لله نیاتهم وتجردوا له فی عباداتهم ، وبذلوا مهجهم فی نصره دینه أن یدعو الناس إلى الشرک فی عباده الله .
 8 – ومن آداب الزیاره ( أن یلزم للزائر حسن الصحبه لمن یصحبه وقله الکلام إلا بخیر ، وکثره ذکر الله ( ۱ ) ، والخشوع وکثره الصلاه والصلاه على محمد وآل محمد ، وأن یغض من بصره ، وأن یعدو إلى أهل الحاجه من إخوانه إذا رأى منقطعا ، والمواساه لهم ، والورع عما نهى عنه وعن الخصومه وکثره الإیمان والجدال الذی فیه الإیمان ) ( ۲ ) .
ثم أنه لیست حقیقه الزیاره إلا السلام على النبی أو الإمام باعتبار أنهم " أحیاء عند ربهم یرزقون " ، فهم یسمعون الکلام ویردون الجواب : ویکفی أن یقول فیها مثلا : ( السلام علیک یا رسول الله ) غیر أن الأولى أن یقرأ فیها المأثور الوارد من الزیارات عن آل البیت ، لما فیها – کما ذکرنا – من المقاصد العالیه والفوائد الدینیه ، مع بلاغتها وفصاحتها ، ومع ما فیها من الأدعیه العالیه التی یتجه بها الانسان إلى الله تعالى وحده .
ـــــــــــــــــــــ
(۱) لیس المراد من کثره ذکر الله تکرار التسبیح والتکبیر ونحوهما فقط . بل المراد ما ذکره الصادق علیه السلام فی بعض الحدیث فی تفسیر
     ذکر الله کثیرا أنه قال : " أما إنی لا أقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أکبر ، وإن کان هذا من ذاک ولکن ذکر الله فی کل
     موطن إذا هجمت على طاعه أو معصیه " .
(۲) راجع کامل الزیارات ص ۱۳۱ . ( * ) 

Leave A Reply

Your email address will not be published.