القيادة والتنظيم الشيعي في عصر الغيبة الصغرى
# ترجمه عربی متن «دوران غیبت صغری»
إلیک ترجمة النصّ بالعربیة الفصحی:
—
**دور الغیبة الصغری یُعرَف بخصائص تمیّزه عن الأدوار السابقة واللاحقة له. ومن أهمّ وجوه تمایزه عن الفترات السابقة – أی عصر حضور الأئمّة علیهم السلام فی رأس المجتمعة الشیعیّة – حرمان الشیعة من فیض الحضور الظاهر للإمام علیه السلام فی متن المجتمعة.**
حتّی سنة 260 هـ.ق، کان الشیعة – باستثناء الأوقات التی کان فیها أئمّة الشیعة علیهم السلام فی السجن أو تحت المراقبة فی بیوتهم – یتواصلون معهم بحرّیة، وکانوا یستفیدون مباشرةً من هدایتهم و فیضهم المعنوی. وفی هذه السنة، مع شهادة الإمام الحسن العسکری علیه السلام، واجه الشیعة فجأةً وضعاً غیر متوقّع. فقد وجدوا إمامهم بغتةً وراء حجاب الغیبة. ومن الطبیعیّ أنّ أوّل سؤال و تطلّع للشیعة فی الظروف الجدیدة کان: کیف یمکنهم التواصل مع إمامهم وطلب حلّ مشکلاتهم منه؟
لم یبقَ هذا السؤال بلا جواب، وفی أوّل فرصة بعد بدء الغیبة الصغری، وصل إلی علم جماعة من الشیعة طریق الوصول إلی الإمام علیه السلام وکیفیّة التواصل معه فی الظروف المستجدّة. ومن الروایات التاریخیّة الباقیة من تلک الفترة الدالّة علی المدّعی المذکور، قول الشیخ الصدوق عن جماعة من شیعة قم. فقد کانوا کما فی کلّ مرّة یذهبون إلی سامرّاء لزیارة الإمام العسکری علیه السلام وتقدیم الهدایا المالیّة والوجوه الشرعیّة والرسائل الحاویة لأسئلة شیعة قم. وواجهت هذه الجماعة فی سامرّاء شهادة الإمام الحادی عشر علیه السلام وادّعاء جعفر بن علی الهادی – أخو الإمام العسکری علیه السلام – الإمامة کذباً. ولمّا لم یتمکّن جعفر – الکذّاب – من إقامة الأدلّة اللازمة لإثبات إمامته لهم، فبعد الحیرة وتجاوز المشقّات، ساروا فی طریق العودة. وما إن وصلوا إلی خارج مدینة سامرّاء حتّی لقیتهم رسالة الإمام الثانی عشر (عج). وهکذا تمکّنوا من إدراک فیض اللقاء بذلک الإمام العظیم. وقال لهم فی هذا اللقاء إنّهم من بعد ذلک لا یذهبون إلی سامرّاء للزیارة أو إنجاز الأمور المتعلّقة بالإمام علیه السلام؛ لأنّه سیُعیّن نمایباً فی بغداد لإنجاز الأمور المذکورة. (1)
وأظهر مرور الزمن أنّ النائب المعیّن فی بغداد هو «عثمان بن سعید العمری»؛ أوّل سفیر ونائب للناحیة المقدّسة فی دور الغیبة الصغری، الذی کان یقود المجتمعة الشیعیّة حتّی فی أقصی البلاد الشیعیّة فی العالم الإسلامی. (2)
کان «عثمان بن سعید العمری» متابعاً للطریق الذی بدأ قبل سنوات من دور الغیبة الصغری من قبل الإمام الصادق علیه السلام. (3) وکان «عثمان بن سعید العمری» علی رأسها؛ منظّمة سرّیة ذات أهداف محدّدة یُعبّر عنها بـ«منظّمة الوکالة» أو «نظام الأموال والوکلاء». (4)
**الهدف الرئیس و خلفیّات نشوء منظّمة الوکالة**
ممّا لا شکّ فیه أنّ من أهداف هذه المنظّمة إیجاد مجموعة من الوکلاء ببرنامج محسوب لینشطوا تحت إشراف وکلاء أرفع (الوکیل الأقدم أو رئیس الوکلاء) (5) فی أرجاء العالم الإسلامی، ولا سیّما فی البلاد التی کان فیها عدد الشیعة أکبر. وقد أدّت هذه المنظّمة دور الشبکة الارتباطیّة بین الشیعة ومرکز استقرار القیادة الشیعیّة.
ویمکن عدّ الخلفیّات السابقة لنشوء وانتشار تیّار الوکالة بعد الإمام الصادق علیه السلام کما یلی: بُعد المناطق الشیعیّة عن مرکز استقرار الأئمّة علیهم السلام، وجود جوّ الخفقان، صعوبة التواصل المباشر بین الأئمّة علیهم السلام والشیعة، عدم تمکّن الشیعة من الوصول إلی الأئمّة بسبب الحبس أو الشهادة أو الغیبة، وأخیراً تهیئة الشیعة لقبول الظروف الخاصّة لدور الغیبة.
وقد سعی أئمّة الشیعة علیهم السلام کثیراً إلی تهیئة أذهان الشیعة لقبول أصل الغیبة من خلال تبیین الجریان الصحیح للمهدویّة. ومع ذلک، بعد شهادة الإمام الحادی عشر علیه السلام، حار الشیعة بسبب غیبة ابنه وحرمانهم من إدراک الحضور المباشر والظاهر للإمام؛ لأنّهم کانوا قد استفادوا من نعمة الإمام الحاضر قرابة قرنین ونصف، ومن الطبیعیّ أنّه عندما لا یکون الإمام المعصوم حاضراً حضوراً ظاهراً بین الشیعة، ینبغی أن یختار خلیفةً ویدلّ الشیعة إلیه.
وکان هذا الخلیفة هو السفیر أو النائب أو باب الحجّة (عج) فی دور الغیبة. وتوجد شواهد علی أنّ الشیعة عند مواجهة الظروف الجدیدة وبعد الیأس من إدراک حضور الإمام علیه السلام، کانوا یبحثون عن باب أو سفیر له، وأحیاناً کانوا یُرسلون نمایباً إلی بغداد أو سامرّاء للتعرّف علی السفیر الصادق والحقیقی للإمام العصر علیه السلام. وبالطبع فی جمیع هذه الموارد، کان إمداد الناحیة المقدّسة یأتی لمساعدة هؤلاء النمایب ویدلّهم إلی مطلوبهم. ومن الأمثلة – بالإضافة إلی الجریان المذکور عن جماعة القمّیین – جریانات «حسن بن نضر القمّی» (6)، «محمد بن إبراهیم بن مهزیار الأهوازی» (7)، و«أبو العبّاس أحمد الدینوری» (8).
**الادّعاءات الکاذبة للنایبیّة**
مع بدء دور الغیبة الصغری، ادّعی بعضهم کذباً وبدوافع خائنة النایبیّة والبابیّة للحجّة (عج). ومن ثمّ، کان الشیعة المقیمون فی البلاد البعیدة عن بغداد (مرکز استقرار سفیر الناحیة المقدّسة) بحاجة إلی إمداد الناحیة المقدّسة للتعرّف علی السفیر الصادق من السفیر الکاذب.
ومن جملة من أطلقوا دعوی السفارة والبابیّة الکاذبة فی دور الغیبة الصغری: إسحاق الأحمر (9)، الباقطانی (10)، أبو محمد الشریعی (11)، محمد بن نصیر النمیری (12)، أحمد بن هلال الکرخی العبرتائی (13)، محمد بن علی بن بلال (14)، أبو بکر البغدادی (15)، أبو دلف المجنون (16)، حسین بن منصور الحلّاج (17)، وأبو جعفر الشلمغانی (18).
وبالطبع، کان الإمام وسفراؤه الصادقون یتّخذون أسالیب مناسبة لمواجهة هؤلاء المدّعین الکاذبین. فأحیاناً کان مقارنة الوضع الظاهری للمدّعین الکاذبین بالسفیر الصادق للإمام تؤدّی إلی أن یُدرک الناس کذب ادّعائهم. ومن الأمثلة أنّ أحمد الدینوری عندما دخل بغداد، واجه ادّعاء النایبیّة من ثلاثة أشخاص. أحدهم «أبو جعفر محمد بن عثمان بن سعید العمری» والاثنان الآخران «إسحاق الأحمر» و«الباقطانی». فذهب إلی منزل الثلاثة. کان أبو جعفر العمری رجلاً متواضعاً له منزل صغیر وسلوک کسلوک الأئمّة علیهم السلام؛ أمّا الآخران فکان لهما خدم کثیرون ومنازل غالیة الثمن. ولمّا رأی الدینوری وقارن وضع هذین بوضع سفیر الإمام، شکّ فی صدق ادّعائهما، وفی النهایة بإرشادات الناحیة المقدّسة تیقّن من صدق کلام أبی جعفر العمری. (19)
وفی موارد أیضاً، کان سفیر الناحیة المقدّسة یحضر مجلس مدّعی السفارة ویحمله بأسلوب ما علی الإقرار بکذب ادّعائه. ومن الأمثلة أنّ «أبا طاهر محمد بن علی بن بلال» کان أحد من ادّعی البابیّة کذباً. وذات یوم ذهب أبو جعفر العمری إلی مجلس کان هو وجماعة من أتباعه حاضرین فیه، وقال له: «ألم یأمرک صاحب الزمان بتسلیم الأموال إلیّ؟» فلم یرَ – وقد شحب لونه – بدّاً من الإقرار! وقد أدّی هذا الأمر إلی رجوع بعض أتباعه عن اتّباعه. (20)
ومن الأسالیب الأخری لمواجهة الناحیة المقدّسة للادّعاءات الکاذبة للنایبیّة والبابیّة فی دور الغیبة الصغری، إعلان لعن المدّعی الکاذب بواسطة توقیعات کانت تصل إلی الشیعة عن طریق سفراء الإمام ونوّابه الصادقین. وأحیاناً کان الإمام – بسبب المکانة الخاصّة للمدّعی – یُضطرّ إلی تکرار إعلان اللعن وکشف ماهیّة المدّعی الکاذب مرّتین أو ثلاثاً؛ وفی هذا الشأن یمکن الإشارة إلی «أحمد بن هلال الکرخی العبرتائی»؛ لأنّه کان له سابقة الوکالة عن الإمام الهادی علیه السلام والإمام العسکری علیه السلام، وکان رجلاً صوفیّ المسلک وذا مظهر متدیّن، وقد أدّی أربعاً وخمسین حجّة کان عشرون منها ماشیاً علی قدمیه! (21)
**الدور الارتباطی لمحاور نشاط النوّاب الأربعة ووکلائهم**
کان الشیعة فی دور الغیبة الصغری یرجعون لأسباب مختلفة إلی نوّاب أو وکلاء الناحیة المقدّسة. وکان أکثر الأسباب شیوعاً للمراجعة إلی الوکیل فی طول فترة نشاط منظّمة الوکالة من زمن الإمام الصادق علیه السلام إلی نهایة دور الغیبة الصغری، دفع الوجوه الشرعیّة والهدایا والنذور الشعبیّة. وبالطبع لم یقتصر عمل الوکلاء علی هذا. وتُظهر الشواهد أنّ لهم «دوراً ارتباطیاً» بین الناس والإمام. فقد کانوا یوصلون الرسائل والپیامات والأسئلة والمشکلات الفردیّة أو العامّة للشیعة إلی محضر الأئمّة علیهم السلام، وبعد تلقّی الجواب کانوا یبلّغونه إلی الأفراد. وقد اتّخذ هذا الدور الارتباطی فی دور الغیبة الصغری – بسبب غیبة الإمام علیه السلام – مکانة أهمّ؛ لأنّ سفیر الناحیة المقدّسة فی هذا الدور کان السبیل الوحید لتواصل الشیعة مع وجود الإمام المهدی (عج) الشریف. وبالطبع فی موارد نادرة، تمّت الاتّصالات بواسطة رسل خاصّین للإمام، وقد أشرنا إلی نموذج منها فی قصّة «وفد القمّیین».
**التوقیع کتابةً؛ أکثر أسالیب التواصل شیوعاً للقیادة الشیعیّة فی دور الغیبة**
من أکثر طرق التواصل مع الناحیة المقدّسة شیوعاً فی دور الغیبة الصغری، «التوقیعات» الصادرة من الناحیة المقدّسة للشیعة. و«التوقیع» کتابة کانت تأتی فی تضاعیف السطور أو فی ذیلها ردّاً علی الأسئلة. وأحیاناً کان التوقیع یصدر من الناحیة المقدّسة دون أن یکون ردّاً علی سؤال سابق. وبالطبع کان إصدار هذه التوقیعات أیضاً فی سیاق إزالة مشكلة فی المجتمعة الشیعیّة آنذاک. وکانت توقیعات الناحیة المقدّسة فی أکثر الأحیان تصل إلی الشیعة عن طریق النوّاب الأربعة. لکن فی بعض الموارد، حصل بعض الوکلاء البارزین أیضاً علی هذه الصلاحیّة لیکونوا واسطةً فی إصدار التوقیع. ومن هؤلاء یمکن الإشارة إلی «محمد بن جعفر الأسدی الرازی»؛ الوکیل البارز للناحیة المقدّسة فی منطقة الری (22) و«القاسم بن علاء الآذربیجانی»؛ وکیل ناحیة آذربیجان (23).
وکان مضمون التوقیع أحد الأمور التالیة: رفع الاختلافات والشکوک والشبهات الموجودة فی المجتمعة الشیعیّة (24)، إعلان تنصیب الوکلاء للوکالة (25)، إعلان عزل الوکلاء الخائنین (26)، إعلان لعن مدّعی النایبیّة والبابیّة الکاذبین (27)، الجواب علی الأسئلة الشرعیّة (28)، حلّ المشکلات الخاصّة للشیعة کالمشکلات العائلیّة (29)، إصدار تعلیمات إلی الوکلاء (30).
وممّا لا شکّ فیه أنّ بنیة الوکالة والنایبیّة – إلی جانب الدورین المذکورین – کانت تتحمّل أیضاً دور الإرشاد والهدایة والدلالة للشیعة. وبعبارة أخری، کانت المهمّة الرئیسیّة لسفراء ووکلاء الناحیة المقدّسة إرشاد الشیعة إلی مسیر الإمامة الأصیل وتخلیصهم من الحیرة فی ضجّة شیطنات الحکّام العباسیّین، وادّعاءات مدّعی النایبیّة الکاذبین، وخیانة بعض الرفاق السابقین لبنیة النایبیّة.
**خرق العادة فی جریان الهدایة**
لم تکن هدایة الناس وإرشادهم دائماً بالصورة العادیّة، بل عند الحاجة – بأمر وعنایة الناحیة المقدّسة – تحقّقت بعض خرق العادات أیضاً بواسطة سفراء ونوّاب الناحیة المقدّسة. فأبو جعفر العمری فی إحدی القصص، بخرق العادة، أخبر أحد الشیعة بمکان قطعة قماش مفقودة! (31) وکذلک حسین بن روح النوبختی أجاب علی رسالة غیر مکتوبة، لم تکن إلّا صفحة بیضاء، وکان السؤال فی ذهن صاحب الرسالة فقط! (32) وعلی بن محمد السمری أیضاً فی بغداد أخبر بوفاة علی بن بابویه القمّی فی قم، ثمّ اتّضح أنّ ابن بابویه قد توفّی فی التاریخ نفسه الذی أخبر به السفیر الرابع! (33) ویمکن البحث عن عشرات النماذج من هذه الخرق للعادة فی ثنایا النصوص التاریخیّة.
**الکتمان؛ المبدأ الحاکم علی بنیة القیادة الشیعیّة فی دور الغیبة الصغری**
کما فی الأدوار السابقة، کان «مبدأ التقیّة والکتمان» حاکماً علی بنیة القیادة الشیعیّة فی دور الغیبة الصغری. ولذلک اختار بعض الباحثین اسم «المنظّمة السریّة» أو «التنظیم السرّی» لهذه المؤسّسة. (34) وقد کان هذا المبدأ فی دور الغیبة الصغری یُراعی بأشدّ ما یکون. وبشکل عامّ، کان أحد شروط اختیار السفیر والباب من قبل الناحیة المقدّسة هو امتلاکه قدرة کبیرة علی الکتمان والسریّة. وقد کان هذا الکتمان یزداد فی بعض الفترات الزمنیّة التی کان فیها الخفقان أشدّ والخطر أکثر وضوحاً. ومن الأمثلة أنّ کتمان السفیر الثانی کان علی نحو أنّه لإیصال مضمون التوقیع المبارک للناحیة المقدّسة المتضمّن تعلیمات لأحد مساعدی السفیر المشهورین، أی «جعفر بن محمد بن متیل القمّی»، أخذه إلی خرابة العبّاسیّة فی بغداد، ثمّ بإظهار التوقیع المبارک أطلعه علی التعلیمات الموجودة فیه، ثمّ مزّق التوقیع إرباً إرباً حتّی لا یبقی منه أثر! (35)
وفی هذا السیاق، کان شدّة کتمان السفیر الثالث وتقیّته مضرب المثل فی المجتمعة الشیعیّة. (36) وذات یوم سأل أحد الشیعة أبا سهل النوبختی: لماذا اختارت الناحیة المقدّسة ابن روح للنایبیّة رغم مکانتک العلمیّة والاجتماعیّة الرفیعة؟ فأجاب: درجة کتمان ابن روح عالیة لدرجة أنّه لو کان قد أخفی الحجّة (عج)، لما تکلّم حتّی لو قُطّع جسمه بالمقصّ! (37)
وفی تقدّم عمل هذه المنظّمة السریّة، کانت الإمدادات المعجزة للحجّة علیه السلام أحیاناً کثیرة الحلّ للمشکلات. ومن الأمثلة أنّه فی دور سفارة «محمد بن عثمان بن سعید العمری»، اطّلع الحکم آنذاک علی بعض الأنشطة السریّة لهذه المنظّمة، فأرسل أشخاصاً بصفة شیعة یریدون دفع الوجوه الشرعیّة إلی أفراد کانوا فی مظانّ اتّهام الوکالة. وأحد الوکلاء الذین واجهوا هؤلاء الجواسیس کان «محمد بن أحمد بن جعفر القطّان القمّی». وبالطبع، لمّا کانت الناحیة المقدّسة – مع بدء هذه المؤامرة – قد منعت فی توقیع جمیع الوکلاء من تلقّی أیّ وجه حتّی إشعار آخر، أنکر الوکیل المذکور وکالته ولم یتلقَّ أیّ وجه من ذلک الجاسوس! وقد بقی هذا الوضع حتّی زوال الخطر تماماً. (38)
**دور الإمام العصر (عج) فی اختیار النوّاب ووکلائهم**
کان جریان اختیار النوّاب الأربعة به عنوان هداة المجتمعة الشیعیّة، والوکلاء فی البلاد الشیعیّة، به عنوان وکلاء بنیة القیادة الشیعیّة فی دور الغیبة الصغری، یتمّ مباشرةً من قبل الناحیة المقدّسة (39). وقد اقتضی بقاء هذه المنظّمة واستمرار جریان الأمور بانتظام وحفظ المجتمعة الشیعیّة وجهاز قیادتها أمام خطر العدوّ أن یُختار لهذا العمل وکلاء أکفّاء موثوقون.
**النطاق الجغرافی لإشراف منظّمة النایبیّة وأدائها**
من دراسة الشواهد الموجودة للتعرّف علی النطاق الجغرافی لإشراف بنیة القیادة الشیعیّة فی دور الغیبة الصغری ندرک أنّ أرجاء البلاد الشیعیّة آنذاک کانت متّصلة بهذه الشبکة السریّة بمرکز قیادتها فی بغداد وسامرّاء. وبحسب الشواهد الموجودة، فإنّ قائمة البلاد المشمولة بهذه المنظّمة کالتالی:
1) جزیرة العرب وتشمل: المدینة، مکّة، الیمن، والبحرین.
2) العراق وتشمل: الکوفة، بغداد، سامرّاء، المدائن، قری السواد، واسط، البصرة، نصیبین، والموصل.
3) شمال أفریقیا وتشمل: مصر والمغرب.
4) إیران وتشمل: قم، آوه (آبه)، الری، قزوین، همدان، دینور، قرمیسین، آذربیجان، الأهواز.
5) خراسان وما وراء النهر وتشمل: بیهق، نیشابور، مرو، بلخ، کابل، سمرقند، کش، بخارا، و…
وکما مرّ، کان النوّاب الأربعة – بتعاون ومرافقة عدد من المساعدین والوکلاء – یمضون بجریان هدایة الشیعة وقیادتهم فی دور الحیرة أو الغیبة. وقد بدأ أوّل سفیر للناحیة المقدّسة – بمساعدة ثلاثة وکلاء بارزین فی بغداد – عمله فی دور حساس ومصیری هو بدایة الغیبة الصغری. وأسماء مساعدیه الثلاثة: «أحمد بن إسحاق الأشعری القمّی»، «حاجز بن یزید الوشّاء»، و«محمد بن أحمد بن جعفر القطّان القمّی». (40) وبالطبع کان ابنه، أی «محمد بن عثمان العمری»، أیضاً مشتغلاً بالنشاط إلی جانب أبیه. وبموت السفیر الأوّل وخلافة ابنه، واصل المساعدون السابقون أنفسهم نشاطهم إلی جانب السفیر الثانی. ویبدو أنّ هؤلاء المساعدین توفّوا خلال المدّة الطویلة لنایبیّة السفیر الثانی. وقد اختار السفیر الثانی أیضاً مساعدین آخرین لنفسه لتقدّم الأمور، وبمساعدتهم کان یدیر الإشراف علی المنظّمة والتواصل مع وکلاء البلاد الأخری. وبحسب تصریح الشیخ الطوسی، کان فی بغداد عشرة وکلاء یعملون تحت إشراف السفیر الثانی ولتنفیذ أوامره. (41)
و«حسین بن روح النوبختی» – الذی تولّی منصب النایبیّة بعد وفاة السفیر الثانی بأمر الناحیة المقدّسة – کان هو نفسه أحد وکلاء السفیر الثانی. وفی الأیّام الأخیرة من حیاة السفیر الثانی، ومن أجل أن یتعرّف الشیعة علی حسین بن روح أکثر، کانت أمور النایبیّة ولا سیّما تلقّی الوجوه الشرعیّة تُسلَّم إلیه أکثر. (42)
ومع بدء نایبیّة ابن روح، واصل مساعدو السفیر الثانی نشاطهم إلی جانب السفیر الثالث. وأحد المساعدین البارزین لابن روح، الذی کان یؤدّی دوراً حتی فی فترة سجنه کمدیر للأمور، هو «أبو جعفر محمد بن أبی العزاقر» المعروف بـ«الشلمغانی». وقد عُزل لاحقاً بسبب إساءة استخدام منصبه ومکانته وبیان بعض العقائد غیر الصحیحة کعقیدة «الحلول»، وأصابه لعن الناحیة المقدّسة. (43)
ولم تصل إلینا أسماء مساعدی السفیر الرابع، لکن یمکن توقّع أنّ بعض مساعدی السفیر الثالث واصلوا عملهم فی مناصبهم بعد وفاته.
وبالإضافة إلی وکلاء السفراء ومساعدیهم البارزین الذین کانوا عادةً یعیشون فی بغداد أو المدن المحیطة بها، کان الوکلاء المقیمون فی سائر البلاد الشیعیّة أیضاً یعملون فی خدمة النوّاب الأربعة وتحت إشرافهم. وقد کان حصیلة البحث المفصّل فی المصادر الرجالیّة والروائیّة العثور علی أسماء أربعین من هؤلاء الوکلاء. ومن بعضهم: حسن بن نضر القمّی، أبو صدام، أبو علی محمد بن أحمد بن حمّاد المروزی المحمودی، جعفر بن عبد الغفّار، أبو الحسین محمد بن جعفر الأسدی الرازی، محمد بن شاذان بن نعیم النیشابوری، القاسم بن علاء الآذربیجانی، حسن بن القاسم بن علاء الآذربیجانی، علی بن حسین بن علی الطبری السمرقندی، أبو محمد جعفر بن معروف الکشّی، بسّامی، عاصمی، أبو جعفر محمد بن علی الشلمغانی، أبو القاسم حسن بن أحمد، أبو جعفر محمد بن أحمد الزجوزجی، أبو جعفر محمد بن علی الأسود، محمد بن عبّاس القمّی، أحمد بن متیل القمّی، أبو عبد الله البزوفری، أبو علی محمد بن أبی بکر همّام بن سهیل الکاتب الإسکافی، أبو محمد حسن بن علی جنّاء النصیبی، و…
وهکذا، تمکّن النوّاب الأربعة – بقیادة أنشطة منظّمة الوکالة العریقة – فی دور الغیبة الصغری من أن یکونوا طریقاً ارتباطیّاً مأموناً وفعّالاً بین الناحیة المقدّسة والشیعة فی مختلف البلاد، وأن یستفیدوا منه بأفضل أسلوب لحفظ منظّمة قیادة عالم التشیّع فی هذه الفترة الحسّاسة والمصیریّة.
ولذلک، فإنّ التعرّف الدقیق علی أنشطة النوّاب الأربعة ونطاق عملهم وکیفیّة قیادة المجتمعة الشیعیّة فی دور السبعین سنة للغیبة الصغری، لن یکون ممکناً دون الالتفات إلی خلفیّة نشوء وأنشطة شبکة الوکالة الارتباطیّة فی الأدوار السابقة. فقد کانت منظّمة النایبیّة استمراراً لنشاط عدد کبیر من الوکلاء ورؤساء الوکلاء الذین – بعد زمن الإمام الصادق علیه السلام – أخذوا بزمام الأمور بدقّة ونظام کبیر فی البلاد الشیعیّة، وحفظوا الخطّ الارتباطی بین الشیعة ومراکز استقرار الأئمّة علیهم السلام فی المدینة وبغداد ومرو وسامرّاء.
ومع وفاة السفیر الرابع وصدور توقیع من الناحیة المقدّسة مخاطباً له – قبل أیّام من وفاته – أُلزم بألّا یختار خلیفةً لتولّی جریان السفارة والنایبیّة، وفی نفس التوقیع أُعلن انتهاء دور الغیبة الصغری وبدء دور الغیبة الکبری (الغیبة التامّة).
وبانتهاء دور الغیبة الصغری وبوفاة آخر قائد لشبکة الوکالة والنایبیّة (السفیر الرابع)، انتهی دور نشاط منظّمة الوکالة بعد قرنین من الجهد، واستمرّت منظّمة الفقاهة خلال دور الغیبة الکبری متابعةً لطریق منظّمة الوکالة إلی العصر الحاضر.
**الهوامش:**
1. کمال الدین وتمام النعمة، محمد بن علی بن بابویه القمّی، الملقّب بالشیخ الصدوق، تصحیح: علی أکبر غفاری، قم، انتشارات جامعة المدرّسین، 1416 هـ.ق، ص 476.
2. الغیبة، أبو جعفر محمد بن حسن الطوسی، الملقّب بالشیخ الطوسی، بیروت، دار الکتاب الإسلامی، 1412 هـ.ق، ص 216.
3. المصدر نفسه، ص 210.
4. مکتب در فرآیند تکامل، السید حسین المدرّسی الطباطبائی، ترجمة: هاشم إیزد پناه، الولایات المتّحدة، نیوجرسی، نشر داروین، 1374 هـ.ش، ص 15؛ تاریخ سیاسی غیبت امام دوازدهم (عج)، جاسم حسین، ترجمة: السید محمد تقی آیت اللهی، طهران، أمیر کبیر، 1367 هـ.ش، ص 134؛
“Die beiden ersten safire des zwölften imams” in Der Islam, D. r Javad Ali, xxv (1939), p 212.
5. تاریخ سیاسی غیبت امام دوازدهم (عج)؛ ص 137؛ مکتب در فرآیند تکامل، ص 22؛ رجال النجاشی، أبو العبّاس أحمد بن علی النجاشی، قم، داوری، بی تا، ص 243؛ رجال الکشّی، أبو عمرو محمد بن عمر بن عبد العزیز الکشّی، انتخاب وتلخیص: الشیخ الطوسی، تصحیح: حسن مصطفوی، جامعة مشهد، 1348 هـ.ش، ص 513، ح 991-992، وص 549، ح 1038.
6. الکافی، أبو جعفر محمد بن یعقوب الکلینی الرازی، تصحیح: علی أکبر غفاری، طهران، 1377 هـ.ش، ج 1، ص 417، ح 4.
7. الغیبة، ص 170؛ کمال الدین وتمام النعمة، ص 487.
8. بحار الأنوار، العلّامة محمد باقر المجلسی، طهران، 1376 هـ.ق وما بعدها، ج 51، ص 300.
9. المصدر نفسه.
10. المصدر نفسه.
11. الغیبة، ص 244.
12. المصدر نفسه، ص 245؛ رجال الکشّی، ص 438؛ بحار الأنوار، ج 51، ص 367.
13. الغیبة، ص 214؛ مکتب در فرآیند تکامل، ص 96.
14. الغیبة، ص 245.
15. المصدر نفسه، ص 256.
16. المصدر نفسه، ص 255.
17. المصدر نفسه، صص 246-247.
18. المصدر نفسه، صص 187 و251-252.
19. بحار الأنوار، ج 51، ص 300.
20. الغیبة، ص 245.
21. المصدر نفسه، صص 214، 217، 228، 245؛ کمال الدین وتمام النعمة، ص 489.
22. رجال الشیخ الطوسی، النجف، مکتبة الحیدریّة، 1380 هـ.ق، ص 496؛ الغیبة، ص 257؛ تنقیح المقال، العلّامة المامقانی، النجف، مکتبة المرتضویّة، 1357 هـ.ق، ج 2، ص 92، من أبواب الفاء.
23. بحار الأنوار، ج 51، ص 303.
24. الغیبة، ص 178.
25. المصدر نفسه، صص 170 و192.
26. المصدر نفسه، صص 174 و187؛ رجال الکشّی، ص 450.
27. المصدر نفسه.
28. کمال الدین وتمام النعمة، صص 382 و407.
29. الغیبة، صص 184، 185 و197؛ الإرشاد، الشیخ المفید، بیروت، مؤسّسة الأعلمی، 1410 هـ.ق، ص 332.
30. الغیبة، صص 241-242.
31. کمال الدین وتمام النعمة، ص 502؛ الغیبة، ص 179.
32. الغیبة، ص 192.
33. کمال الدین وتمام النعمة، ص 503.
34. تاریخ سیاسی غیبت امام دوازدهم (عج)، ص 134.
35. کمال الدین وتمام النعمة، ص 503.
36. الغیبة، ص 236.
37. المصدر نفسه، ص 240.
38. بحار الأنوار، ج 51، ص 310.
39. للمثال ر.ک: جریان اختیار محمد بن إبراهیم بن مهزیار الأهوازی للوکالة فی الغیبة، ص 170؛ جریان اختیار حسن بن القاسم بن علاء الآذربیجانی للوکالة فی الغیبة، ص 191؛ والخرائج والجرائح، قطب الدین الراوندی، تحقیق: مؤسّسة الإمام المهدی (عج)، قم، هـ.ق، ج 1، ص 467.
40. تاریخ سیاسی غیبت امام دوازدهم (عج)، ص 149.
41. الغیبة، ص 227.
42. المصدر نفسه، صص 223 و227.
43. المصدر نفسه، صص 183 و248.
—
**المصدر:** مجلّة / انتظار (انتظار موعود) / خریف 1380، العدد 1.