نفحات من سیره الإمام الکاظم (علیه السلام)

0

وبمناسبه ولادته قام أبوه الإمام الصادق (علیه السلام) بدعوه الناس إلى وَلیمَهٍ أَطعمَ الناسَ فیها مُدَّه ثَلاثه أیَّام.
تولَّى الإمام الکاظم (علیه السلام) منصب الإمامه بعد أبیه الإمام الصادق (علیه السلام)، فی وقتٍ شَهدَتْ فیه الدوله العباسیه استقرار أرکانها ، وثبات بُنْیانها.
فتنکَّرَت للشعار الذی کانت تنادی به من الدعوه لآل محمد ( علیهم السلام ) ، وتنبَّهت إلى الوریث الشرعیِّ لشجره النبوَّه ، مشهره سیف العِداء له (علیه السلام) ولشیعته.
وذلک لتلافی تعاظم نفوذ الإمام (علیه السلام) فی أن یؤتی على أرکان دولتهم ، ویقضی علیها.
فشهد الإمام الکاظم (علیه السلام) طِیله سِنِیِّ حیاته صنوف التضییق والمزاحمه ، إلاَّ أنَّ ذلک لم یمنعه (علیه السلام) من أن یؤدِّی رسالته فی حمایه الدین وقیاده الأمه.
  إحسانه إلى الناس:
کان الإمام (علیه السلام) بارّاً بالمسلمین محسناً إلیهم ، فما قصده أحد فی حاجه إلاّ قام بقضائها ، فلا ینصرف منه إلاّ وهو ناعم الفکر مثلوج القلب ، وکان (علیه السلام) یرى أن إدخال الغبطه على الناس وقضاء حوائجهم من أهم أفعال الخیر ، فلذا لم یتوان قط فی إجابه المضطر ، ورفع الظلم عن المظلوم ، وقد أباح لعلی بن یقطین الدخول فی حکومه هارون ، وجعل کفّاره عمل السلطان الإحسان إلى الإخوان مبرّراً له ، وقد فزع إلیه جماعه من المنکوبین فکشف آلامهم وملأ قلوبهم رجاءً ورحمه.
ومن هؤلاء الذین أغاثهم الإمام (علیه السلام) شخص من أهالی الری کانت علیه أموال طائله لحکومه الری فلم یتمکّن من أدائها ، وخاف على نعمته أن تسلب منه ، فأخذ یطیل الفکر فیما یعمل ، فسأل عن حاکم الری ، فأخبر أنّه من الشیعه ، فطوى نیّته على السفر إلى الإمام لیستجیر به ، فسافر إلى المدینه فلمّا انتهى إلیها تشرّف بمقابله الإمام (علیه السلام) فشکى إلیه حاله ، فزوده (علیه السلام) برساله إلى والی الری جاء فیها بعد البسمله: (( اعلم أنّ لله تحت عرشه ظلاً لا یسکنه إلاّ من أسدى إلى أخیه معروفاً ، أو نفّس عنه کربه ، أو أدخل على قلبه سروراً ، وهذا أخوک والسلام )).
وأخذ الرساله ، وبعد أدائه لفریضه الحج ، اتّجه إلى وطنه ، فلمّا وصل ، مضى إلى الحاکم لیلاً ، فطرق علیه باب بیته فخرج غلامه ، فقال له: من أنت ؟
قال: رسول الصابر موسى.
 فهرع إلى مولاه فأخبره بذلک ، فخرج حافی القدمین مستقبلاً له ، فعانقه وقبّل ما بین عینیه ، وجعل یکرّر ذلک ، ویسأله بلهفه عن حال الإمام (علیه السلام) ، ثمّ إنّه ناوله رساله الإمام فقبّلها وقام لها تکریماً ، فلمّا قرأها أحضر أمواله وثیابه فقاسمه فی جمیعها ، وأعطاه قیمه ما لا یقبل القسمه ، وهو یقول له: یا أخی هل سررتک ؟
فقال له: أی والله وزدت على ذلک.
ثمّ استدعى السجل فشطب على جمیع الدیون التی علیه ، وأعطاه براءه منها ، وخرج الرجل وقد طار قلبه فرحاً وسروراً ، ورأى أن یجازیه على إحسانه ومعروفه ، فیمضی إلى بیت الله الحرام فیدعو له ، ویخبر الإمام (علیه السلام) بما أسداه إلیه من البر والمعروف ، ولمّا أقبل موسم الحج مضى إلیه ثمّ اتّجه إلى یثرب فواجه الإمام (علیه السلام) وأخبره بحدیثه ، فسرّ (علیه السلام) بذلک سروراً بالغاً ، فقال له الرجل: یا مولای: هل سرّک ذلک ؟
فقال الإمام (علیه السلام): (( إی والله ! لقد سرّنی ، وسرّ جدّی رسول الله (صلى الله علیه وآله وسلم) ، ولقد سرّ الله تعالى )) ، وقد دلّ ذلک على اهتمامه البالغ بشؤون المسلمین ، ورغبته الملحّه فی قضاء حوائج الناس.
جوده (علیه السلام):
کان الإمام الکاظم (علیه السلام) من أندى الناس کَفاً ، ومن أکثرهم عطاءً للبائسین والمحرومین.
ومن الجدیر بالذکر أنه (علیه السلام) کان یتطلّب الکتمان وعدم ذیوع ما یعطیه ، مبتغیاً بذلک الأجر عند الله تعالى.
ویقول الرواه: أنه (علیه السلام) کان یخرج فی غَلَسِ اللیل البهیم ، فیوصل البؤساء والضعفاء وهم لا یعلمون من أی جهه تَصِلهم هذه المَبَرّه.
وکانت صِلاته لهم تتراوح ما بین المائتین دینار إلى الأربعمائه دینار ، وکان أهله یقولون: عَجَباً لمن جاءته صرار موسى (علیه السلام) وهو یشتکی القله والفقر.
وقد حفلت کتب التاریخ ببوادر کثیره من الحاجه والسؤال ، ویجمع المترجمون له أنه (علیه السلام) کان یرى أنّ أحسَنَ صرفٍ للمال هو ما یَردّ به جوعُ جائع أو یکسو به عاریاً.
مواهبه العلمیه:
لا شک فیه أن الإمام الکاظم (علیه السلام) کان أعلم أهل عصره ، وأدراهم بجمیع العلوم.
أما علم الفقه والحدیث فکان (علیه السلام) من أساطینه ، وقد احتَفّ به العلماء والرُواه وهم یسجلون ما یفتی (علیه السلام) به وما یقوله من روائع الحِکَم والآداب.
وقد شهد الإمام الصادق (علیه السلام) عملاق هذه الأمه ورائد نهضتها الفکریه بوفره علم ولده بقوله (علیه السلام): (( إنّ ابنی هذا ـ وأشار إلى الإمام الکاظم (علیه السلام) ـ لو سألتَه عما بین دَفّتَی المصحف لأجابک فیه بِعِلم )).
وقال (علیه السلام) فی فضله أیضاً: (( وعنده عِلم الحِکمه والفِهم والسّخاء ، والمعرفه بما یحتاج إلیه الناس فیما اختلفوا فیه من أمْرِ دینهم )).
وقد روى العلماء عنه (علیه السلام) جمیع أنواع العلوم مما امتلأت به الکتب.
وقال الشیخ المفید: وقد روى الناس عن أبی الحسن (علیه السلام) فأکثروا ، وکان أفقه أهل زمانه.
ونقل عن أبی حنیفه أنه قال: حججتُ فی أیّام أبی عبد الله الصادق (علیه السلام) ، فلمّا أتیتُ المدینه دخلتُ دارَه ، فجلستُ فی الدهلیز أنتظر إذنه (علیه السلام) ، إذ خرج صبیّ فقلت: یا غلام أین یضع الغریب الغائط من بلدکم ؟
قال: على رَسْلِک ، ثم جلس مستنداً إلى الحائط ثم قال: ((تَوَقَّ شُطوط الأنهار ، ومَساقط الثمار ، وأفنیه المساجد ، وقارعه الطریق ، وتوارَ خلف جدارٍ ، وشلّ ثوبک ، ولا تستقبل القبله ولا تستدبرها ، وضع حیث شئتَ)) .
فأعجبنی ما سمعت من الصبی ، فقلت له: ما اسمک ؟
فقال: (( أنا موسى بن جعفر بن محمد بن علیّ بن الحسین بن علی بن أبی طالب )).
فقلت له: یا غلام ، ما المعصیه ؟
فقال: (( إن السیّئات لا تخلو من إحدى ثلاث: إمّا أن تکون من الله ولیست من العبد ، فلا ینبغی للرب أن یعذّب العبد على ما لا یرتکب ، وإمّا أن تکون منه ومن العبد ، ولیست کذلک ، فلا ینبغی للشریک القوی أن یظلم الضعیف. وإمّا أن تکون من العبد ـ وهی منه ـ ، فإن عَفا فَکرمه وَجُوده ، وإن عاقب فبذنب العبد وجَریرَته )).
قال أبو حنیفه: فانصرفت ولم ألقَ أبا عبد الله ، واستغنیتُ بما سمعتُ.
حکام عصره:  
عاصر الإمام الکاظم (علیه السلام) خلال فتره إمامته أربعه من الخلفاء العباسیین وهم: المنصور ، المهدی ، الهادی ، الرشید.
وقد زخرت هذه الفتره بالأحداث والوقائع التاریخیه الخطیره ، وکان من أبرز تلک الوقائع هی الثورات والسجن والملاحقات والقتل الفردی والجماعی لآل علی بن أبی طالب (علیهم السلام) ، وبنی عمومتهم من الطالبِیّین.
فالولاه یحکمون ویعبثون ویتصرفون کیف شاءوا ما زالوا محافظین على طاعه الخلیفه.
لأن المطلوب هو الولاء للخلیفه العباسی لا بَسط العدل وإقامه أحکام الإسلام ، وفی مثل هذه الأوضاع کان طبیعیاً أن ینال الإمام (علیه السلام) الظلم والسجن والاضطهاد.
موقفه (علیه السلام) من هارون الرشید:
عانى الإمام الکاظم (علیه السلام) ألواناً قاسیه من المِحَن والخطوب فی عهد الطاغیه هارون الرشید ، الذی جهد على ظلمه والتنکیل به.
فقد قضى (علیه السلام) زهره حیاته فی ظلمات سجونِه محجوباً عن أهله وشیعته.
إلقاء القبض على الإمام (علیه السلام):
ثَـقّل الإمام (علیه السلام) على هارون ، وَوَرّم أنفه منه ، وذلک لأنه (علیه السلام) أعظم شخصیه فی العالم الإسلامی ، یَکنّ له المسلمون المَوَدّه والاحترام ، فی حین أن هارون لم یَحْظَ بذلک.
ویقول الرواه: إن من الأسباب التی أدّت هارون لِسجن الإمام (علیه السلام) أنه لما زار قبر النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) وقد احتفّ به الأشراف ، والوجوه ، والوزراء ، وکبار رجال الدوله ، أقبل على الضریح المُقدس ووجه للنبی (صلى الله علیه وآله وسلم) التحیه قائلاً: السلام علیک یا بنَ العَم.
فإنه قد افتخر على من سواه بَرَحِمِهِ المَاسّه من النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) ، فإنه إنما نال الخلافه بهذا السبب.
وعندها کان الإمام الکاظم (علیه السلام) إلى جانبه فَسلَّم على النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) قائلاً: (( السَّلامُ علیکَ یَا أَبَتِ )).
فحینها فقد الرشید صوابه ، وَورَمَ أنفُه ، وانتفخت أوداجه ، فان الإمام (علیه السلام) أقرب منه إلى النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) ، وأَلصَقُ به من غیره.
فاندفع الطاغیه هارون بِنَبَراتٍ تقطرُ غضباً قائلاً: لِمَ قلتَ إنک أقرب إلى رسول الله (صلى الله علیه وآله وسلم) مِنّا ؟!!
فأدلى الإمام بالحجه القاطعه التی لا یمکن إنکارها قائلاً: (( لو بُعِث رسولُ اللهِ حَیّاً ، وخطب منک کَریمَتَک ، هل کنتَ تجیبُه إلى ذلک )) ؟
وسارعَ هارون قائلاً: سبحان الله !! وإنی لأفتخر بذلک على العرب والعجم.
فقال (علیه السلام) مقیماً علیه الدلیل أنه أقرب إلى النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) منه قائلاً: (( ولکنه لا یَخطِبُ منی ، ولا أُزَوّجه ، لأنه وَالدُنا لا والدکم ، فلذلک نحنُ أقربُ إلیه منکم )).
وأقام الإمام (علیه السلام) دلیلا آخر على قوله فقال لهارون: (( هل یجوزُ لرسول الله أن یدخلَ على حرمک وَهُنّ کَاشفات )) ؟
فقال هارون: لا.
فقال الإمام (علیه السلام): (( لکن لَه (صلى الله علیه وآله وسلم) أنْ یدخُل على حرمی ، ویجوز لَهُ ذلک ، فَلِذلک نحنُ أقربُ إلیهِ منکم )). فثار الرشید ، ولم یجد مسلکاً ینفذ منه لتفنید حجه الإمام (علیه السلام) ، وانطوت نفسه على الشر. وفی الیوم الثانی أصدر أوامره بإلقاء القبض على الإمام (علیه السلام) ، فألقت الشرطه القبض علیه وهو قائم یصلی عند رأس جده النبی (صلى الله علیه وآله وسلم).فقطعوا علیه صلاته ، ولم یُمهلُوه لإتمامها ، فَحُمِل (علیه السلام) من ذلک المکان الشریف وَقُیِّد وهو یذرف أَحَرَّ الدموع ، ویَبثُّ شکواه إلى جَدِّه قائلاً: (( إِلیکَ أشکو یا رَسولَ اللهِ )).وحُمل الإمام
(علیه السلام) وهو یرسف فی القیود ، فَمَثُلَ أمام الطاغیه هارون فَجفَاه ، وأغلظ لَهُ فی القول ، وَزَجَّ الإمام (علیه السلام) فی السجن. 
سجنه ومحاوله اغتیاله:
ألقى أزلام الخلیفه القبض على الإمام الکاظم (علیه السلام) ، وأرسلوه مُقیداً إلى البصره ، وقد وَکّل حسان السری بحراسته ، والمحافظه علیه. وفی الطریق التقى به عبد الله بن مرحوم الأزدی ، فدفع له الإمام (علیه السلام) کُتُباً ، وأمره بإیصالها إلى ولی عهده الإمام الرضا (علیه السلام) ، وعَرّفه بأنه (علیه السلام) الإمام من بعده. وسارت القافله تطوی البیداء ، حتى انتهت إلى البصره ـ  وذلک قبل الترویه بیوم ـ. فسلَّم حسّانُ الإمامَ (علیه السلام) إلى عیسى بن جعفر ، فحبسه فی بیت من بیوت المحبس ، وأقفل علیه أبواب السجن.  وکان عیسى لا یفتحها إلا فی حالتین ،  إحداهما خروجه  (علیه السلام ) إلى الطهور ، والأخرى لإدخال الطعام إلیه (علیه السلام).وأقبل الإمام (علیه السلام) على العباده والطاعه ، فکان یصوم فی النهار ویقوم فی اللیل ، ویقضی عامه وقته فی الصلاه ، والسجود ، والدعاء ، وقراءه القرآن. واعتبرَ تَفرّغَه للعباده من نِعَم الله تعالى علیه ، فکان (علیه السلام )  یقول: (( اللَّهم إنک تعلمُ أنی کنتُ أسألک أن تُفرِّغَنی لعبادتک ، اللَّهُم وقد فعلتَ ، فَلَکَ الحمدُ )).
الإیعاز لعیسى باغتیاله:
وأوعز هارون الرشید إلى عیسى بن جعفر عامِلهُ على البصره باغتیال الإمام (علیه السلام) ، وثقل الأمر على عیسى. فاستشار خَوَاصّه بذلک ، فمنعوه وخَوّفوه من عاقبه الأمر ، فاستجابَ لهم ، ورفع رساله إلى هارون ، جاء فیها: ( یا أمیر المؤمنین ، کُتِب إلیّ فی هذا الرجل ، وقد اختبرتُه طولَ مَقامِه بِمَن حبستُهُ مَعه عَیْناً علیه ، لینظروا حیلته وأمره وطویته ، ممن له المعرفه والدرایه ، ویجری من الإنسان مجرى الدم فلم یکن منه سُوءٌ قط ، ولم یذکر أمیر المؤمنین إلا بخیر ، ولم یکن عنده تَطلّع إلى ولدیه ، ولا خروج ، ولا شیء من أمر الدنیا. ولا دعا قط على أمیر المؤمنین ، ولا على أحد من الناس ، ولا یدعو إلا بالمغفره والرحمه له ولجمیع المسلمین من ملازمته للصیام والصلاه والعباده ، فإن رأى أمیر المؤمنین أن یعفینی من أمره ، أو ینفّذ من یتسلّمه مِنی ، وإلا سَرّحت سبیله ، فإنی منه فی غایه الحرج ). ودلت هذه الرساله على خوف عیسى من الإقدام على اغتیال الإمام (علیه السلام) ، وقد بقی فی سجنه سنه کامله.
سجنه فی بغداد:
واستجاب الرشید لطلب عامله عیسى ، فأمره بحمل الإمام (علیه السلام) إلى بغداد ، فَحُمِل إلیها تحفّ به الشرطه والحرس.
ولما انتهى إلیها, أمر الرشید بحبسه (علیه السلام) عند الفضل بن الربیع ، فأخذ الفضل وحبسه فی بیته ، ولم یحبسه فی السجون العامه ، وذلک لسمو مکانه الإمام (علیه السلام) ، وعظم شخصیته ، فخاف من حدوث الفتنه واضطراب الرأی العام.واقبل الإمام (علیه السلام) على العباده والطاعه ، وقد بهر الفضل بعبادته ، فقد روى عبد الله القزوینی قال: دخلتُ على الفضل بن الربیع ، وهو جالس على سطح داره فقال لی: أُدنُ منی ، فَدنوتُ حتى حَاذَیتُه ، ثم قال لی: اشرفْ على الدار. فأشرفتُ على الدار ، فقال لی الفضل: ما ترى فی البیت ؟ فقلت: أرى ثوباً مطروحاً. فقال الفضل: انظر حسناً. فتأملت ونظرتُ ملیّاً فقلتُ: رجل ساجد. فقال الفضل: هل تعرفه ؟ فقلتُ: لا. فقال: هذا مولاک. فقلت: من مولای ؟ فقال: تتجاهلُ عَلَیّ ؟ فقلت: ما أتجاهل ، ولکن لا أعرف لی مولى. فقال: هذا أبو الحسن موسى بن جعفر. وکان عبد الله ممن یدین بإمامته (علیه السلام).
وأخذ الفضل یحدثنی عن عبادته قائلاً: إنی أَتَفَقّده اللیل والنهار ، فلم أجده فی وقت من الأوقات إلا على الحال التی أُخبِرُک بها: إنه یصلی الفجر ، فَیُعقب ساعه فی دبر صلاته إلى أن تطلع الشمس ، ثم یسجد سجده فلا یزال ساجداً حتى تزول الشمس. وقد وکّل من یترصد له الزوال ، فلستُ أدری متى یقول الغلام: قد زالت الشمس ، إذ یَثِبُ فیبتدئ بالصلاه من غیر أن یجدد الوضوء ، فاعلم أنه لم یَنَم فی سجوده ولا أغفى. فلا یزال کذلک إلى أن یفرغ من صلاه العصر ، فإذا صلى العصر سَجَد سجده فلا یزال فی صلاته وتعقیبه إلى أن یصلی العتمه فإذا صلى العتمه افطر على شِوىً یُؤتَى به ، ثم یجدد الوضوء ثم یسجد ، ثم یرفع رأسه فینام نومه خفیفه. ثم یقوم فَیُجدد الوضوء ثم یقوم ، فلا یزال یصلی حتى یطلع الفجر ، فلستُ أدری متى یقول الغلام: إن الفجر قد طلع ، إذ قد وَثِبَ هو لصلاه الفجر. فهذا دأبه منذُ حَولٍ لی.
فهکذا کان الإمام (علیه السلام) ، قد طبع على قلبه حُبّ الله تعالى ، وهام بعبادته وطاعته. ولما رأى عبد الله الفضل للإمام حَذّره من أن یستجیب لهارون باغتیاله قائلاً له: اتّقِ الله ، ولا تُحدث فی أمرِهِ حَدَثاً یکون منه زوال النعمه ، فقد تعلم أنه لم یفعل أحدٌ سوءاً إلا کانت نعمتُهُ زائله. فانبرى الفضل یؤید ما قاله عبد الله قائلاً: قد أرسلوا إِلیّ غیر مَرّه یأمروننی بقتله (علیه السلام) فلم أُجِبهِم إلى ذلک. فقد خاف الفضلُ من نقمه الله وعذابه فی الدنیا والآخره إن اغتال الإمام (علیه السلام) ، وأعرض عن ذلک.
  فی سجن السندی بن شاهک (لعنه الله):
فأمر الرشید بنقل الإمام من سجن الفضل إلى سجن السندی بن شاهک ، والأخیر کان شریراً لم تدخل الرحمه إلى قلبه ، وقد تَنکّر لجمیع القِیَم.

Leave A Reply

Your email address will not be published.