إکرام المرأه فی دنیا الإسلام
وکان مجتمع الجاهلیه الذی واجهه الإسلام عند بزوغه من أشدّ المجتمعات قسوه وأکثرها حقداً تجاه المرأه، یکفی أنّهم کانوا یدفنون البنت الولیده وهی حیّه تخلّصاً ممّا یعتقدونه عاراً یلحق بهم، أو تملّصاً من نفقتها، وما کانوا یتصوّرونه من الفقر والفاقه التی تسبِّبها لهم، وفی هذه الأجواء جاء الإسلام العظیم لیدفع عن المرأه هذا الظلم الکبیر، وها هو القرآن یئنّ ویصرخ لحالها مستظلماً: (وَإذا المَوؤُودَهُ سُئِلَت * بِأیِّ ذَنبٍ قُتِلَت) (التکویر/ ۸ـ۹).
ویصف القرآن الکریم هذه الحاله المأساویه التی کانت تمرّ بها المرأه فی آیات أخرى: (وَإذا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ کَظِیم) (النحل/ ۵۸). ویصفه بأنّه کان خطأً کبیراً: (وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلادَکُمْ خَشْیَهَ إمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وإیّاکُم إنَّ قَتْلَهُمْ کانَ خِطْأً کَبیراً) (الإسراء/ ۳۱).
وینقل التاریخ لنا صوراً مأساویه من أوضاع المرأه فی الجاهلیه، والواقع المرّ الذی کانت تواجهه، وهذه الصور تساعدنا فی معرفه النقله النوعیه التاریخیه التی حقّقها الإسلام فی ذلک المجتمع، إذ ینتقل بالمرأه من واقعها السیِّئ هذا، إلى مستوى الإکرام والإجلال والمساهمه فی مسیره الرساله الفکریه، والاجتماعیه والسیاسیه بأعلى المستویات، ویعرض القرآن الکریم من النساء مثلاً لیکنّ قدوه للذین آمنوا بإیمانهنّ وصبرهنّ وجهادهنّ وعظیم منزلتهنّ.
وقد نهج الإسلام فی مقابل الأفکار والتصوّرات الخاطئه والمسیئه والمشینه للمرأه منهجاً فکریاً وعملیاً متکاملاً یتّجه إلى إکرام المرأه وإجلالها ابتداءً من مبدأ خلقها ثمّ نشأتها بنتاً وأختاً وزوجهً وأمّاً حتى انتهائها بالخلود فی دار الآخره، وهو یُصحِّح بذلک کل الأفکار الخاطئه وینفی عنها کل التصوّرات المنحرفه والخیالات الباطله.
۱ ـ المخلوق المُکرّم:
انطلق الإسلام فی تعامله مع المرأه على أساس إنسانیتها ومساواتها فی مصدر الخلق والتکوین مع الرجل، من غیر تمییز فی ذلک، بین الذکر والأنثى، فهما معاً: المخلوق المکرّم العزیز عند الله تعالى، الذی أکرمه الله تعالى بالعلم والمعرفه، وسخّر له السماوات والأرض، وکل ما وجد من حوله، لیستخلف الله تعالى فی أرضه، قال تعالى: (إقْرأ بِاسْمِ ربِّک الّذی خَلَقَ * خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ * إقْرَأ وَرَبُّک الأکْرَمُ * الّذی عَلَّمَ بالقَلَمِ * عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَم یَعْلَم) (العلق/ ۱ـ۵).
وقال أیضاً: (وَلَقَد کرّمنا بنی آدَمَ وَحَمَلْناهُم فی البَرِّ وَالبَحْرِ وَرَزَقْناهُم مِنَ الطّیِّباتِ وَفَضَّلْناهُم عَلَى کَثیرٍ مِمَّن خَلَقْنا تَفْضِیلاً) (الإسراء/ ۷۰).
وهما قد خلقا من نفسٍ واحده، فلا تفاضل لأحدهما على الآخر، ولا مرتبه عُلیا ولا دُنیا، بل هما من مصدر واحد سواء فیه، قال تعالى: (یا أیُّها الناسُ اتّقوا رَبَّکُم الّذی خَلَقَکُم مِن نَفْسٍ واحِدَهٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً کَثیراً ونِساءً وَاتّقوا اللهَ الّذی تَساءَلونَ بِهِ والأرْحام إنّ اللهَ کانَ عَلَیکُم رَقیباً) (النساء/ ۱).
وبذلک ینفی الإسلام کل الأوهام السخیفه المتداوله حول خلق المرأه: من قدم الإله، أو من فضل خَلقِ الإنسان، أو غیرهما ممّا تعجّ به العقائد المنحرفه.
۲ ـ البنت المبارکه:
اتّجه الإسلام إلى إکرام المرأه منذ ولادتها، وعلى العکس من تشاؤم الجاهلیین تجاه ولاده البنت ورغبتهم فی طلب الولد الذکر، فقد جعل الإسلام البنات أفضل الأولاد خیراً وبرکه.
فقد نهى رسول الله (ص) عن کره البنات، مُبیِّناً بعض مزایاهنّ الجمیله ومؤکِّداً على مکانتهنّ، فیقول: "لا تکرهوا البنات، فإنّهنّ المؤنسات الغالیات".
والبنات یجلبن الرأفه من الله تعالى، ویدخلن الفرح على مَن یرعاهنّ، فعن أبی الحسن الرضا قال: قال رسول الله (ص): "إنّ الله تبارک وتعالى على الإناث أرأف منه على الذّکور، وما من رجل یدخل فرحه على امرأه بینه وبینها حرمه إلاّ فرّحه الله تعالى یوم القیامه".
ورعایه البنات وکفالتهنّ توجب الجنّه، وهی جائزه المؤمن العظیمه یوم القیامه، فعن أبی عبدالله الصادق قال: قال رسول الله (ص): "مَن عالَ ثلاث بنات أو ثلاث أخوات وجبت له الجنّه، فقیل: یا رسول الله واثنتین، قال: واثنتین، فقیل: یا رسول الله وواحده، فقال: وواحده).
وطبیعی أنّ الإعاله لا تقتصر على الإنفاق فحسب، بل منها تربیه البنت وتعلیمها، ففی حدیث آخر عن الرسول (ص) قال: "مَن کانت له ابنه فأدّبها وأحسنَ أدبها، وعلّمها فأحسنَ تعلیمها، فأوسع علیها من نِعَم الله التی أسبغ علیه، کانت له منعه وستراً من النار".
والبنت ریحانه معطّره، مکفیه الرِّزق من الله تعالى، تدخل على والدیها البرکه والسرور، فعن محمّد بن علی بن الحسین، قال: بُشِّر رسول الله بابنه، فنظر فی وجه أصحابه الکراهه، فقال: ما لکم؟! ریحانه أشمّها، ورزقها على الله عزّ وجلّ، ثمّ أتمّ الباقر: وکان (ص) أبا بنات.
وهو یرید بذلک أن لو کان فی الذکور برکه أکثر من الإناث لرزق منهم الرسول (ص)، وکان أکثر أبنائه البنات، ولم یخلف بعده ولم یُرزَق ذریه إلاّ من ابنته الزهراء، فلقد کان رسول الله (ص) یحتضن الحسن والحسین، ویقول: "کل ولد أب فإنّ عصبتهم لأبیهم، ما خلا ولد فاطمه فإنِّی أنا أبوهم وعصبتهم".
ویُعبِّر الإمام الصادق عن برکه المرأه وما تجلبه للإنسان من خیر ومنفعه وأجر، فیقول: "البنات حسنات والبنون نعمه، والحسنات یُثاب علیها والنعمه یُسأل عنها"، وأخرج مؤلِّف الکافی هذا الحدیث وغیره فی باب تحت عنوان (فضل البنات).
ولذا عُدَّ طلب البنت أمراً مستحباً، کما یُستحبّ إکرامهنّ لما لهنّ من برکه ولما یجلبهنّ من رحمه، ولما کثر من التوصیه بهنّ.
۳ ـ إکرام البنات قبل البنین:
واستمراراً لعملیه رعایه المرأه وإشعارها بالمحبّه، ولنفی وطرد أیّه فکره سیِّئه عنها وعندها کالنظر إلیها بالدونیه والحقاره والتنزّل بها عن مرتبه الذکور، فإنّ الإسلام حثّ على أن تُقدّم الإناث فی السلام والتکریم وإعطاء الهدایا على الذکور، لیکون ذلک مدعاه لإدخال السرور علیهنّ واحتراماً وإجلالاً لشخصیتهنّ، فعن ابن عباس، قال رسول الله (ص): "مَن دخل السوق فاشترى تحفه فحملها إلى عیاله، کان کحامل صدقه إلى قومٍ محاویج، ولیبدأ بالإناث قبل الذکور، فإنّ مَن فرّح ابنته فکأنّما أعتق رقبه من وُلد إسماعیل، ومَن أقرّ بعین ابن فکأنّما بکى من خشیه الله، ومَن بکى من خشیه الله أدخله الله جنات النعیم".
وفی حدیث آخر، نجد الرسول (ص) یؤکِّد على احترام البنت ورعایتها، ومن ذلک عدم إیثار الذکور علیها لکی لا تشعر بالتمییز والإهانه، فهو یقول: "مَن ولدت له ابنه فلم یؤذها ولم یهنها ولم یؤثر ولده ـ من الذکور ـ علیها، أدخله الله الجنّه".
۴ ـ الزوجه المُکرّمه:
شیّد الله تعالى بناء الأسره على أساس المودّه والرّحمه، فقد بیّن القرآن الکریم حقیقه أنّ الرجل والمرأه قد جُبِلا على سکون أحدهما إلى الآخر ومیله وشعوره بالطمأنینه والدفء برفقته، فقال تعالى:
(وَمِن آیاتِهِ أن خَلَقَ لَکُم مِن أنفسِکُم أزواجاً لِتَسکُنوا إلیها وجَعلَ بینکُم مَودّهً ورَحمهً إنَّ فی ذلِک لآیاتٍ لِقَوْمٍ یَتَفَکَّرون) (الروم/ ۲۱).
ولأنّ البیت لا یُبنى إلاّ بوجود المرأه ومودّتها ومحبّتها، فقد جعل الإسلام المرأه هی التی تُنشئ عقد الزواج، فهی طرف الإیجاب: طرف إنشاء العقد وإیقاعه، لیوضِّح بشکل متمیِّز حق المرأه فی اختیار الزوج ودورها فی بناء الحیاه الزوجیه.
ویمثِّل الزوج طرف القبول، وصحّه العقد بینهما متوقِّفه على رضاهما وقبولهما معاً، فلا یصحّ العقد بالإکراه، کما إنّ لها وله أن یُحدِّدا من الشروط التی یراها کل منهما ویوافقا علیها، إلاّ ما حرّم حلالاً أو حلّل حراماً.
ولا یستحکم هذا البناء ویدوم إلاّ إذا قام على أسس عادله تُحفَظ فیها الحقوق والواجبات، یعزّ کل طرف الآخر ویراعی حرمته ویتعاون معه فی سعاده هذه المملکه الصغیره بحجمها، الکبیره بمعانیها ومضامینها، ولذلک فإنّ الإسلام ضمنَ للمرأه حقوقها، فی مقابل ما تقوم به من دور وتنهض به من مسؤولیات، قال تعالى: (ولهُنّ مثل الّذی علیهنّ بِالمَعروف) (البقره/ ۲۲۸).
ومع کل هذه الشرائط، راحَ الإسلام مرّه بعد مرّه یؤکِّد على ضروره رعایه المرأه وحفظ کرامتها ومعاملتها بلطف ومحبّه ورفق، فیؤکِّد تعالى: (وعاشِروهنّ بِالمَعروف…) (النساء/ ۱۹).
وعن رسول الله (ص) قال: "أوصانی جبرئیل بالمرأه، حتّى ظننتُ أنّه لا ینبغی طلاقها إلاّ من فاحشه مبیّنه".
واستمراراً لهذا النهج، فإنّ رسول الله (ص) قد جعل من نمط سلوک الإنسان فی بیته ومعاملته لزوجته، وعموم أهله، معیاراً لشخصیه الإنسان ومیزاناً لمقدار الخیر الذی تحمله، ممّا یدلّ على أنّ الإنسان إنّما یُختبر فی نفسه ویُمتحن فی دینه ویُفاضل فی شخصیته ابتداءً فی طریقه تعامله مع نسائه وأهل بیته، ومدى رأفته ورحمته، ومقدار الخیر الذی یوصله إلیهنّ وإلیهم، لذا فإنّ رسول الله (ص) یؤکِّد: "خیرکم خیرکم لأهله، وأنا خیرکم لأهلی".
ومن مظاهر الخیر أن ینفق الإنسان على أهل بیته ممّا أنعم الله علیه، ویسعى فی رفاههم وتحسین أحوالهم، ورحمته بهم ورعایته لهم، تدیم رحمه الله به ورعایته له، لذا قال (ص): "عیال الرجل أسراؤه، فمَن أنعم الله علیه بنعمه فلیوسع على أسرائه، فإن لم یفعل أوشک أن تزول النعمه".
وما أکبر جریمه الإنسان لو أنّه أهمل رعایه أسرته وتسبّب فی أذاهم، لذا فالنبیّ (ص) یقول: "ملعون ملعون مَن ضیّع مَن یعول".
لأنّ من أکبر النعم على الإنسان الزوجه، وهی تشارکه معاناه الحیاه وتعاونه فی نیل الأمانی وتشاطره الحلو والمرّ من اللحظات، قال (ص): "ما استفاد امرؤ مسلم فائده بعد الإسلام أفضل من زوجه مسلمه تسرّه إذا نظر إلیها، وتطیعه إذا أمرها، وتحفظه إذا غابَ عنها فی نفسها وماله".
لذا کان المتوقّع من الرجل واللازم منه أن یُقابل هذا الجمیل بالإحسان، والنعمه بالشکر، فقد رُوی عنه (ص) قوله: "ما أظنّ رجلاً یزداد فی الإیمان خیراً إلا ازداد حبّاً للنساء".
فالنساء مظهر للخیر وللرحمه، وموطن للجمال والفتنه، والإنسان مجبول على حبِّ الجمال والمیل للخیر والأنس بالرحمه.
۵ ـ الأُمّ المقدّسه:
(وقَضى رَبُّک ألاّ تَعبُدُوا إلاّ إیّاهُ وبالوالِدَینِ إحْساناً * إمّا یَبْلغنّ عِندک الکِبَر أحَدهُما أو کِلاهُما فلا تَقُل لَهما أُفٍّ ولا تَنهرهُما وقُل لَهُما قَولاً کَریماً) (الإسراء/ ۲۳ـ۲۴).
(وَوَصّیْنا الإنْسانَ بِوالِدَیهِ حَمَلْتهُ أُمُّهُ وَهناً على وَهنٍ وفِصالُهُ فی عامَیْنِ أَنِ اشْکُر لی ولِوالِدیک إِلیَّ المصِیرُ) (لقمان/ ۱۴).
أکّدت الدیانات السماویه جمیعاً على احترام الوالدین وإکرامهما والتعامل معهما برفق وإحسان ومحبّه ورأفه، وقد بیّن الرسول الکریم منهج الإسلام فی ذلک بقوله: "إنّ الله بعثنی بالرّحمه لا بالعقوق".
وبالتالی، فإنّ برّ الوالدین هو جزء من نهج شامل جاء به الرسول الکریم، حیث یقول: "إنّما بُعثتُ لاُتمِّم مکارمَ الأخلاق".
فلیس برّ الوالدین إلاّ من الوفاء وتقدیر الجمیل وردّ العرفان لشخصین قدّما الغالی والنفیس وتحمّلا أنواع المتاعب وصرفا أعزّ الأوقات من أجل ولدهما، فهل جزاء الإحسان إلاّ الإحسان، وتلک سنّه حیاتیه، یخدم فیها کل جیل أبناءه، ویعزّ فیها کل نسلٍ آباءه، لذا قال الرسول الأکرم (ص): "برّوا آباءکم یبرّکم أبناؤکم".
وقد أوجب الإسلام على الإنسان المسلم نفقه والدیه عند احتیاجهما إضافه إلى نفقه ولده وزوجته، ولکنّ الإحسان إلیهما أمر یتجاوز الإنفاق الواجب، فهو یتضمّن التعامل معهما بلطف ورأفه وإحترامهما وإجلالهما وتفقّد أحوالهما ومراعاه شؤونهما، وطبیعی أنّ لذلک حدوداً وآداباً تجدها فی کتب الفقه والأخلاق.
ولا یرتبط البرّ بالوالدین بدینهما، وأن یکونا على إیمان الإنسان أو التزامه الدینی، وإنّما هو أمر مطلق، فیجب على المسلم البرّ بوالدیه مسلمَین کانا أم غیر مسلمَین، برّین کانا أم فاجرین.
فعن الباقر من أئمه أهل البیت، قال: "ثلاث لم یجعل الله لأحدٍ فیهنّ رخصه: أداء الأمانه إلى البرِّ والفاجر، والوفاء بالعهد للبرّ والفاجر، وبرّ الوالدین برّین کانا أو فاجرین".
وفی حدیث آخر للإمام الصادق، یُبیِّن لنا فیه معنى البرّ والاحسان بالوالدین وبعضاً من آدابهما، قال الراوی: سألتُ أبا عبدالله عن قول الله عزّوجلّ: (وبِالْوالدینِ إحْساناً) ما هو الإحسان؟ فقال: الإحسان أن تحسن صحبتهما، وأن لا تکلِّفهما أن یسألاک شیئاً ممّا یحتاجان إلیه وإن کانا مُستغنیین، ألیسَ یقول الله: (لَن تنالوا البرّ حتى تُنفِقوا مِمّا تُحبّون)، وقال: (إمّا یبلغنّ عندک الکِبَر أحدهما أو کلاهما فلا تَقُل لَهُما أُفٍّ ولا تنهرهما)، قال: إن أضجراک فلا تقل لهما: أُفّ. ولا تنهرهما إن ضرباک، قال: (وقُل لَهُما قولاً کریماً)، قال: إن ضرباک فقُل: غفرَ الله لکُما، فذلک منک قول کریم، قال: (واخفض لهما جناحَ الذّلِّ مِنَ الرّحمه)، قال: لا تمل عینیک من النظر إلیهما إلاّ برحمه ورقّه، ولا ترفع صوتک فوق أصواتهما، ولا یدک فوق أیدیهما، ولا تقدم قدّامهما.
وطبیعیّ أنّ هناک حقوقاً وواجبات على الوالدین تجاه الولد، کما إنّ علیهما أن یبرّا الولد ویعیناه على برّهما ولا یدفعاه إلى عقوقهما، فقد ورد عن رسول الله (ص) قوله: "رحم الله مَن أعانَ ولده على برِّه: وهو أن یعفو عن سیِّئته ویدعو له فیما بینه وبین الله".
کما ورد عنه (ص): "حقّ الولد على والده أن یحسن إسمه، ویحسن موضعه، ویحسن أدبه".
مع کل هذا التأکید على برّ الوالدین والإحسان إلیهما، إلاّ أنّ الإسلام ـ کسائر الأدیان الإلهیه ـ کان له اهتمام أخصّ بالأُم، فأعطاها مکانه سامیه رفیعه، وأفاض علیها من العزّ والقدسیّه، ما جعلها رمزاً للمحبّه ومنبعاً للحبِّ ومصدراً للخیر ومجمعاً للبرکه وللرحمه، یکفی فی ذلک کلِّه قول الرسول (ص): "الجنّه تحت أقدام الاُمّهات".
لذا قدّم البرّ بالأمّ على البرّ بالأب، فعن الصادق: "جاء رجل إلى رسول الله (ص)، فقال: یا رسول الله، مَن أبِرُّ؟ قال: أمّک، قال: ثمّ مَن؟ قال: أمّک، قال: ثمّ مَن؟ قال: أمّک، قال: ثمّ مَن؟ قال: أباک".
وفی رساله الحقوق للإمام زین العابدین، یشرح الإمام دور الأُم وتضحیاتها من أجل ولدها، ثمّ یبیِّن أنّ حق الأُم عظیم وکبیر لا یمکن للإنسان أداؤه إلاّ بتوفیق من الله، فهو یقول: "أمّا حقّ أمّک فإن تعلم أنّها حملتک حیث لا یحتمل أحد أحداً، وأعطتک من ثمره قلبها ما لا یعطی أحد أحداً، وَوَقَتْک بجمیع جوارحها، ولم تُبالِ أن تجوعَ وتُطْعِمَک، وتعطشَ وتَسقیک، وتعرى وَتَکسوک، وتَضحى وتظلّک، وتهجر النوم لأجلک، وَوَقَتْک الحرّ والبرد، لتکون لها، فإنّک لا تطیق شکرها إلاّ بعون الله وتوفیقه".
ونجد فی روایه أخرى عن رسول الله أنّه (ص) اعتبر عمل شاب یعمل لأجل إعاله أمّه نوعاً من أنواع العمل فی سبیل الله المؤدی إلى الجنّه، وعندما سأله الرسول (ص): "یا شاب، هل لک مَن تعول؟ قال: نعم، قال: مَن؟ قال: أمِّی، بادرهُ الرسول بالقول: إلزَمها، فإنّ عند رجلیها الجنّه…".
وبذلک نعلم الموقع الفرید والمکانه السامیه التی تحتلّها الأُم فی دنیا الإسلام، ویأتی ذلک متمِّماً لخط مستمر ومنهج متکامل على طریق إکرام المرأه وإعظامها: ولیده مبارکه وبنتاً کریمه وزوجه مکرّمه… ثمّ أمّاً مقدّسه ومعظّمه، کانت الجنّه تحت قدمیها.
وبالمقارنه بین رؤیه الإسلام المبارکه للمرأه هذه، وبین أوضاع المرأه فی الجاهلیه قبل الإسلام، نعرف مدى الفارق العظیم والتغییر الکبیر الذی أحدثه الإسلام فی ذلک المجتمع..
کما إنّنا بالمقارنه بین نظره الإسلام تلک وآراء الحضارات المختلفه فی المرأه: الرومانیه والیونانیه والهندیه والصینیه وغیرها، نعرف أیضاً مدى الظلم الذی تعرّضت له المرأه عبرَ تاریخها الطویل، والثوره التی جاء بها الإسلام على تلک الأوضاع البالیه والکئیبه..
ونعرف بذلک الأخطاء الکبیره التی وقع بها الباحثون الذین لم یدرکوا مکانه المرأه الرفیعه فی دنیا الإسلام، وتوقّفوا عند مسائل جزئیه لم یستوعبوا أبعادها التشریعیه لیهاجموا أو ینتقدوا من خلالها الموقف الإسلامی من قضایا المرأه.
ونعرف کذلک الظلم الذی تتعرّض له المرأه فی أوضاعنا الراهنه والمسافه التی تفصل واقعنا عن الإسلام العظیم، والمستوى الذی یجب أن نصل إلیه ابتداءً من أنفسنا ثمّ غیرنا: (یا أیّها الّذین آمَنُوا قُوا أنْفُسَکُم وأهلیکُم ناراً وَقُودُها الناسُ والحجارهُ عَلیها ملائِکَهٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَ یَعْصونَ اللهَ ما أَمَرَهُم وَیَفْعَلونَ ما یُؤْمَرون) (التحریم/ ۶).