الأسس الفسیولوجیه لعملیه التعلم
إن المقصود من الجانب الفسیولوجی للذاکره والتعلم هو ما یتعلق بعمل الجهاز العصبی أثناء تلک العملیه، التی تتضمن عملیه الإدراک الحسی وخزن المعلومات فی الخلایا الدماغیه المسؤوله عن ذلک، وعملیه استرجاع هذه المعلومات مره أخرى عند الحاجه لها من تلک المخازن المفترضه فی بعض الخلایا الدماغیه، التی لم یصل العلم بعد بشکل جازم إلى تحدید أماکنها، وإنما هناک عده افتراضات یوصل لها العلماء والباحثون المختصون من خلال دراساتهم على المرضى العقلیین والمرضى المصابین بإصابات مختلفه فی الدماغ، فضلا عن عده دراسات أخرى على أدمغه حیوانات التجارب کالفئران والقطط والقرده.
یتم استقبال المعلومات التی یتعلمها الفرد عن طریق الحواس الخمس وهی حاسه البصر للمعلومات البصریه کالصور والرسوم والمخططات، بل وحتى صور الکلمات وشکلها وعده صور بصریه أخرى. الحاسه الثانیه حاسه السمع للمعلومات السمعیه کالأصوات بجمیع صورها وأشکالها ومصادرها، والحاسه الثالثه هی حاسه اللمس وتشمل لمس الأشیاء الحیه والمادیه من حیث ملمسها خشن أو ناعم، حاره أو بارده، فضلا عن أشکال الأشیاء الملموسه، أما الحاسه الرابعه فهی حاسه الشم التی تتعلق بشم الروائح المختلفه وتحدید مصادرها. والحاسه الأخیره هی حاسه التذوق التی یتعلق عملها بتذوق الأشیاء المختلفه حلوه أو مره، حامضه أو مالحه.
إن المرحله الفسیولوجیه التی یمکن من خلالها التأکد من حدوث عملیه التعلم بشکل مناسب تسمى الاسترجاع Retrieval، وهی القدره التی یمکن من خلالها استعاده المعلومات التی تعلمها الفرد بعد مرور مدد زمنیه متباینه تمتد من وقت قصیر بعد عملیه التعلم إلى عقود من الزمن، تلک العملیه تتضمن عوده المعلومات بشکل مقصود وأحیانا بشکل غیر مقصود من مخازن الذاکره فی الخلایا الدماغیه، ولقد عجز العلم حتى الآن عن الاکتشاف الیقینی فی سیر هذه العملیه الفسیولوجیه، فمخازن الذاکره المختلفه التی هی الأخرى لم یصل العلم یقینا إلى تحدید أماکنها فی الدماغ، تخزن المعلومات بوصفها تسجیلات دائمه یمکن للفرد استرجاعها مفصله وکامله أو ناقصه أو یشوبها التداخل مع معلومات أخرى شبیهه لها، إذا قدم تلمیح أو منبه أو مثیر مناسب یمکن من استرجاعها حیث تمکث ساکنه فی المخازن، وهناک تباین بین الناس فی حسن التذکر اعتبارا لظروف عضویه مختلفه منها سلامه الدماغ من الإصابات والأمراض العضویه التی تؤثر مباشره على الخلایا المختصه بالتذکر أو سلامه الحواس الخمس عضویا، هذا التباین یفسر لنا لماذا بعض الناس قدرتهم الاسترجاعیه البصریه أفضل من الاسترجاعات الحسیه الأخرى، وکذلک الأفضلیه فی الاسترجاعات السمعیه عن الأخرى، وهکذا للاسترجاعات الحسیه الثلاث المتبقیه، رغم ذلک هناک أفراد استرجاعهم مزیج من مختلف الحواس، ومن هنا تظهر لنا أهمیه الحواس فی العملیه الفسیولوجیه من التعلم.
إن کثیرا من حالات النسیان التی یشکو منها البعض فی مختلف میادین الحیاه ولیس فی التربیه والتعلیم فقط، لیس راجعا إلى نسیان ما سبق تعلمه، ولکن إلى عملیه التعلم نفسها، وکأن المعلومات التی تم تعلمها لم تخزن فی مخازن الذاکره أبدا، أو خزنت تخزینا ضعیفا یعیق عملیه استرجاعها بشکل مناسب، لذا یعرف البعض الذاکره (بأنها الوظیفه أو الوظائف العقلیه التی تعمل على احتفاظ الفرد بآثار الخبرات الماضیه واستعادتها أو الانتفاع بها فیما بعد سواء على المستوى الشعوری أو ما قبل الشعوری أو اللاشعوری).
وهناک عوامل أخرى لا یمکن إنکار أثرها فی عملیه التعلم ونقل التعلم فسیولوجیا، وتتضمن عوامل خارجیه مثل وضوح المعلومات وقدرتها على جذب انتباه المتعلم وأسلوب تقدیمها له، وعوامل داخلیه تتعلق بالفرد نفسه تتضمن عمره وصحته ودافعیته للتعلم والعوامل الانفعالیه المختلفه أثناء عملیه التعلم.
إن الجانب الفسیولوجی من عملیه التعلم أمر مهم یمکن من خلاله معرفه مدیات حدوث التعلم لدى المتعلمین، وهذا ما یتطلب من التربویین والقیمین على العملیه التربویه الانتباه له عند القیام بالعملیه التربویه فی المدارس، فلیست أسالیب التدریس المتبعه والتقنیات التربویه والکتب أو المناهج کافیه لضمان إحداث التعلم، لاسیما فی عالم متقدم بشکل مستمر ومتواصل، فضلا عن التغیرات الاجتماعیه التی تتأثر بالتقدم العلمی والتکنولوجی المستمر أیضا، فکل یوم شیء جدید. وبالتالی فان الترکیز على عملیه التعلم أولا، ثم التأکد من حدوث هذه العملیه وانتقال المعلومات التی نرید أن ننقلها إلى الطالب أو المتلقی قد حدثت فعلا ثانیا، من الأمور التی یجب على التربویین أن یرکزوا الجهود العلمیه البحثیه والتجریبیه للبحث عن أفضل الظروف والمواقف التی تجعل من نقل المعلومات إلى الدماغ لغرض خزنها ومن ثم استدعائها عند الحاجه یعدُّ مطلبا ضروریا ومهما، وهذا ما یتطلب منهم الترکیز على الکیفیه التی یمکن من خلالها ضمان حدوث عملیه التعلم الفسیولوجی، فضلا عن التعلم السلوکی الذی یتم نقله للطلبه فی العملیه التربویه، فالأمران مترابطان ویکمل بعضهما البعض الأخر، ولا یمکن لنا إحداث أفضل تعلم ممکن إلا من خلال التأکید علیهما فی العملیه التربویه