المثقّف الدینی فی العالم المعاصر

0

المثقّف المتدیّن ظاهره، ولیس فرداً أو أفراد، هذه حقیقه لم تعد قابله للشک والارتیاب، ثمّه تیار أو شریحه ثقافیه یمکننا أن نطلق علیها اسم المثقّف الدینی، شریحه تتخارج وتمتاز عن شریحه علماء الدین وخرّیجی الحوزات الدینیه دون أن نسلب الثقافه عن غیرها أو نُفقِدَها العلم الدینی، شریحهٌ ولدت من رحم المناخ الدینی، بعضُ أفرادها کانوا ضمن الحوزات العلمیه والمعاهد الدینیه، وبعضهم کان على مقربه منها تفصله مسافه بسیطه، وبعضهم حاول من بعید أن یلامس الدینَ بالوعی والمعرفه، مع التزامه الدینی ومنطلقه الإسلامی.. لکن على أیّه حال، شریحه لم یعد یمکن تجاوزها، بل تنامت حتّى رأى البعض أنّها غدت تنافس المراجع الدینیه الرسمیّه فی بعض وظائفها.
۱ ـ أهم مشکله واجهتها هذه الشریحه وما تزال، مشکله الشرعیه التی أثارتها الحوزات وخرّیجوها، ثمّه شک فی کفاءه هذه الفئه للخوض فی المباحث الدینیه، بل ثمّه من یمنع علیها ویحجر التفکیر الدینی والبتّ فی قضایا الدین، وذلک انطلاقاً من عدم وعیها التام بالتراث الدینی وعلومه، وقد عزّز هذا الاعتقاد فی أوساط التیار الرسمی بعض الهفوات الفاضحه التی وقعت فیها هذه الشریحه، مما زاد من الحمله علیها والتشکیک بقدراتها.
لکنّنا لا نجد ذلک عذراً، فأن تکون هناک هفوات واقع لم تسلم منه أی مؤسسه علمیّه على مرّ الزمن، وصفحات التاریخ بین أیدینا تشهد عند تصفّحها على هذه الحقیقه.
وأمّا عدم اتخاذ هذه الشریحه منهاج الدرس الدینی الرسمی أو عدم قولها بآلیات الاجتهاد المتعارفه، فهو خلاف منهجی، یمکن أن یقع داخل أی تیّار، ومن ثمّ فلا یصحّ جعله منطلقاً لعدم الشرعیّه، ما دامت المناهج کلّها منتمیهً ـ على الأقل ـ إلى مدارس الفکر العریقه فی تاریخ الإنسان.
وأما الشکّ فی نوایا هذه الشریحه وکفاءتها الأخلاقیه، فهذا موضوع لا یجوز الحدیث فیه على مستوى جماعه أو تیار، فإن فیه الکثیر من الإجحاف والظلم، نعم، لا نُبدی ممانعهً إذا ما کان الکلام خاصّاً فی دوائر أفراد أو فئات قلیله محدوده، إذ لا ینبغی حُسن الظن بما یفضی إلى الحماقه، لکن وجود أفرادٍ وفئات محدوده داخل هذه الشریحه لا یبرّر محاکمه النوایا عموماً أو اتخاذ مواقف مشکّکه من الجمیع، وإلا فالأمر ینسحب على أی شریحهٍ أخرى فی المجتمع حتّى لو قال البعض: إنه بدرجه أخف.
۲ ـ لکننا مع اعتقادنا بضروره وجود هذه الشریحه، وتکوین منافس داخلی، یمکن لوجوده أن یساعد فی نموّ العلم والمعرفه، نلاحظ على هذا التیار ملاحظات عدّه نهدف منها أن ترشّد وتصوّب وإن کنّا نجد بعض هذه الملاحظات فی الشرائح الثقافیّه الأخرى أیضاً، فقد بدا واضحاً أن المثقف الدینی ـ وطبعاً فی الحاله الغالبه لا الدائمه ـ غیر خبیر بالتراث الإسلامی المعرفی، على خلاف غیره، وأرکّز هنا على الطبقات المتوسّطه، ثمّه معالجات حسّاسه لموضوعات فقهیه أو فلسفیه أو… تُثار الیوم من قبل البعض دون تکوین خلفیه تراثیه محکمه، ولهذا وجدنا أن بعض مثقّفینا یملک اطّلاعا ًواسعاً على واقعه المعاصر واطلاعاً کبیراً على النتاج الغربی، لکنه لا یدری ــــ بالشکل المطلوب ــــ بالتراث الإسلامی وعلومه، وأین وصلت الیوم هذه العلوم.
ولعلّ هذه الظاهره سببها التشکیک فی جدوى نتاجنا المعرفی عند هذا المثقّف، لکن على أیه حال، لا یمکن للمثقّف أن یشقّ طریقه أو ینافس خصمه بمعزل عن رؤى تراثیه معمّقه وناضجه مهما کان الموقف النهائی من التراث نفسه.
۳ ـ وإذا کان هذا المثقف یرید من مشروعه ومن ذاته ـ کجماعه ـ أن یُجری إصلاحات على الوضع الدینی وفق ما یراه، وهو حقّه، إلاّ أنّ غفلهً حصلت لدى البعض عن غرض هام ورئیسی، إن المثقف الدینی فی کثیر من الأحیان لا یُبدی لنا أن عنده همّاً دینیاً بقدر ما یبدی لنا أنّ همّه فی إحلال السلام، والتعددیه، والحریه، والدیمقراطیه و… فی المجتمعات الإسلامیه، وهذا مطلب هام وجدیر بأن یکون من الهموم الأساسیّه، لکن الهمّ الدینی، وهمّ الحفاظ على الدین ونشر قیمه وتعالیمه یبدو مغیّباً دون أن ندّعی أنّ مفاهیم السلام و… هی مفاهیم دینیّه أیضاً، إن هذا التغییب یفضی إلى الشک فی المشروع کلّه، ویجعل مثقّفنا الدینی غریباً عن مجتمعه أو محارباً، لم یُظهر لنا هذا المثقف تحرّقه على الدین، ولم یُظهر لنا عواطفه الدینیه، ولعل هناک أسباب لذلک، لکن إبداء المثقّف الدینی عواطفه الدینیه تجعله یقترب من واقعه أکثر ویغدو مؤثّراً أکثر، والأهم أنّ هذه العواطف حینما تحکم المثقّف الدینی تشکّل لدیه عناصر أمان واحتیاط من الانزلاق أو التجافی عن الدین عموماً، إننا نخاطب هنا المثقّف الدینی الذی یؤمن بالدین ویسعى لأجله لا المثقّف الآخر.
۴ ـ وإذا کان المثقّف الدینی یحمل الهمّ الدینی ویعمل لتحکیم الدین فی الحیاه بالدرجه التی یؤمن بها، فإن المطلوب منه أن یحمل مشروعاً للتغییر فیکون إنساناً رسالیّاً، وأن یعمل لصالح المشروع هذا، أی أنّه مطالب بالفعل الإیجابی الذی یحقّق مشروعه وأهدافه فی المجتمع، ومن ثم فلا یجوز له هدر طاقته بالفعل السلبی الذی یستنـزف ذاته، فی ردّات فعل أو إسقاط مشاریع أخرى لا غیر.
إنّ ملاحظهً بإمکاننا تسجیلها على المثقّف الدینی المعاصر وهی أنّه استهلک نفسه فی نقد التیارات السلفیّه أو التراثیه أو المدرسیّه، وأَخَذَ یلاحق مفردهً مفرده، بل صار شغله الشاغل وعمله الدائم تتبّع عثرات ذلک التیار والعمل على نقضها بأسالیب مختلفه، لیس آخرها أسلوب الاستهزاء والاستخفاف المعبّر عن نرجسیه عالیه وعن طاووسیّه غیر عادیّه، لقد أذاب المثقف نفسه فی ملاحقه هذه الهفوه هنا أو تلک السقطه هناک، وإذا به ینفض الغبار عنه فیرى أنه لم یحقّق شیئاً، ولم ینجح فی مدّ جسور العلاقه الطیبه مع مجتمعه فبقی غریباً تُهجر حِکَمُه، ویُتعامى عن کلامه.
بل لقد ألقى هذا المثقف ــــ بعد فشله ــــ باللائمه على التیارات الأخرى أو على مجتمعه مطهّراً نفسه ومنـزّهاً إیّاها عن الخطأ أو التقصیر… مستخدماً على الدوام المنطق الذی طالما حاربه، وهو منطق المؤامره وإلقاء الفشل على الآخر…
أین هو مشروع المثقّف المتدیّن؟ وماذا یرید؟ ولماذا بقی هذا المثقف عاجزاً عن تحقیق أهداف کبرى؟ ولم یتمکّن من کسر الطوق عنه؟
أسئله کثیره، لا نرید أن نظلم المثقّف هذا بتحمیله هذه المسؤولیات کلّها، بل نحن نقرّ إقراراً عمیقاً بصعوبه الموقف، وخطورته فی الوقت نفسه، لکن مع ذلک نعتقد أن لهذا المثقف فی آلیّاته، وفی انفعالاته وردّات فعله دور فی القطیعه التی وقعت بینه وبین مجتمعه، مهما نعتنا هذا المجتمع بالتخلّف والرجعیّه.
۵ ـ وإذا کنّا نطالب المثقّف الدینی بأن یحمل الهمّ الدینی ویُبدی عواطفه الدینیّه، فإن لذلک أثراً جلیّاً، إن هذا المثقف استغرق فی نقد المقولات الدینیه… کانت بادره شریفه منه أن ینقد الموروث لیمیز بین ما هو من الدین وما علق به عبر السنین، لکننا أحیاناً وجدنا هذا المثقف خجلاً من أن یناصر مقولهً دینیهً، عندما یکون مقتنعاً بها، کی لا یبدو أمام الآخرین أنّه أیدیولوجی أو متخلّف، بل قد یغضّ هذا المثقف الطرف أحیاناً عن نقد غیر منطقی موجّه للدین ـ وفقاً لرؤیته ـ ولا یفتح جبههً من النـزاع الفکری والثقافی، ولکنه فی المقابل لا یتحفّظ عن فتح جبهات لنقد التیارات السلفیه أو التراثیه أو المدرسیّه، لماذا ینأى المثقّف الدینی بنفسه عن أن یُتّهم بأنه متصدٍّ للدفاع عن الدین، ولا ینأى بنفسه عن أن یکون ناقداً للموروث الدینی رغم أن الوظیفتین شریفتان، ومسؤولیّتان یتحملهما هذا المثقف على السواء؟!
وإذا کان المثقف یرفض النـزعه الدفاعیه فإن هذا حقّه، بل نحن نرى معه بأنّ الأولویّه فی هذا العصر للنـزعه البنائیه لا الدفاعیه، إلا أنّ هذا لا یعنی أن یغض الطرف ــــ دوماً أو غالباً ــــ عن ممارسه دفاع عن الأفکار الدینیه عندما تتعرّض لنقد تجدیفی أو لمناقشه علمیه.
۶ ـ وحیث کان المثقّف الدینی مهمشاً ـ ظلماً وعدواناً ـ فی مجتمعه، بل مقموعاً أحیاناً من جانب السلطه السیاسیه أو تحالفها مع الاقتصاد، أو مقموعاً أخرى من جانب التیارات التراثیه.. فإن من الطبیعی أن تبدو لدیه أحیاناً ردّات فعل سلبیه تحاول فک القیود المفروضه علیه، وقد تأخذ ردّه الفعل هذه طابعاً معرفیاً عندما یحاول نقد الموروث مقدّمهً لنقد واقعه، فی محاوله تعبّر عن مطالبته بذاته وبدوره فی الحیاه، وهذه کلّها أمور منطقیه مترقّبه، لکننا نرید أن نقرأها من الناحیه القیمیه، نرید أن نؤکّد أنّ على المثقف مجانبه الانتفاض الهائج على المفاهیم الموروثه انطلاقاً من واقعه هو، ومن ثمّ لا ینبغی له الترکیز على تلک المقولات التی تسلبه دوره ککیان اجتماعی بعیداً عن صحه هذه المقولات أو بطلانها، ولکی أقرّب الفکره بمثال، یمکن أن نأخذ مسأله التقلید والاجتهاد، فمهما کان موقفنا منها، وهذا حقّنا، لکن یجب أن نحذر من أن نتخِذ موقفاً سلبیاً منطلقاً فی اللاوعی من أن هذه المقوله تسبّب غیاب دور المثقف لصالح رجال الدین، ومؤسسه علماء الدین.. إن مراقبه الذات عن أن تتحکّم فی أفکارنا نتیجه أوضاع معینه یبدو لازماً لتحقیق أکبر قدر ممکن من الأمانه والموضوعیه والإخلاص للعلم.
وما نقولـه لا یخصّ المثقف المتدین بل هو ظاهره عامّه تطال غیره على السواء، ومن ثم کما لا یحق التنظیر وخلق المفاهیم لتکریس الواقع والمحافظه على المواقع، کذلک لا یصحّ النقد وهدم المفاهیم إذا کان فی تکریس الواقع مضرّه على الجماعه المعیّنه، وإذا لم نبذل الجهد فی التعالی عن هذه المعارک الحزبیه والفئویه الضیقه، ولم نفکر فی الأمّه کلّها بما لها من امتداد فی الزمن فسوف نبقى ندور فی دوّامات لانهایه لها.
۵ ـ وعندما یکون المثقّف الدینی صاحب مشروع تغییر، یغدو لزاماً علیه أن لا یقتل نفسه فی شرنقه خطاب النخبه، لقد قطعت أواصر العلاقه بین المثقّف والمجتمع، وکان من أسباب ذلک عزوفه عن مجتمعه، واکتفاؤه بالعیش فی الأبراج العاجیّه للثقافه وفی الصالونات المخملیّه کذلک، کان الآخر یبنی ـ انطلاقاً من إرث تاریخی ـ علاقات استراتیجیّه مع الجماهیر، وهو ما لم یفعله المثقّف، فخاصم أمّته، وربما کانت الأمم الأخرى أهون على قلبه من أمّته.
إن المثقّف الدینی یتعذّب من هذا الوضع، ویجب علیه أن یفکر فی حلّ، ولعل أوّل الحلول خلق روح التواضع والعیش مع الناس فی روح هذا المثقف، وتحویله من منظّر فکری بحت إلى إنسان رسالی تطال رسالته الناس وهمومها کما تطال الثقافه وتشعّباتها، ومن ناقد لاذع فقط إلى أمّ رؤوم تعنیها مشاعر طفلها لإصلاحه بقدر ما یعنیها إرشاده إلى الخطأ.

Leave A Reply

Your email address will not be published.