علوم الإمام
هل یعتقد الشیعه أن أئمتهم یعلمون کل شیء، حتى الصناعات واللغات؟ ثم هل علوم الأئمه ومعارفهم فی عقیده الشیعه، کعلوم سائر الناس ومعارفهم، أو هی وحی، أو إلهام وما أشبه؟
ولست أعرف مسأله ضلت فیها الأقلام، حتى أقلام بعض الإمامیه أکثر من هذه المسأله. مع أنها لیست من المسائل الغیبیه، ولا المشاکل النظریه.
وذکرنا فی فصل سابق ان الحدیث عن عقیده طائفه من الطوائف لا یکون صادقاً، ولا ملزماً لها إلا إذا اعتمدت على أقوال الأئمه، والعلماء المؤسسین الذین یمثلونها حقاً، لذلک اعتمدنا فی هذا البحث على أقوال الأئمه الأطهار، والشیوخ الکبار، کالمفید والمرتضى والخواجا نصیر الدین الطوسی، ومن إلیهم أمانه وعلماً.
قال الشریف المرتضى فی الشافی ص ۱۸۸ ما نصه بالحرف: «معاذ اللّه أن نوجب للإمام من العلوم إلا ما تقتضیه ولایته، وأسند إلیه من الأحکام الشرعیه، وعلم الغیب خارج عن هذا». وقال فی ص ۱۸۹: «لا یجب أن یعلم الإمام بالحرف والمهن والصناعات، وما إلى ذاک مما لا تعلق له بالشریعه. إن هذه یرجع فیها إلى أربابها، وان الإمام یجب أن یعلم الأحکام، ویستقل بعلمه بها، ولا یحتاج إلى غیره فی معرفتها، لأنه ولی إقامتها، وتنفیذها».
وقال الطوسی فی «تلخیص الشافی» المطبوع مع الکتاب المذکور ص ۳۲۱: «یجب أن یکون الإمام عالماً بما یلزم الحکم فیه، ولا یجب أن یکون عالماً بما لا یتعلق بنظره» کالشؤون التی لا تخصه ولا یرجع إلیه فیها.
وهذا یتفق تماماً مع قول الشیعه الإمامیه بأن الإمام عبد من عبید اللّه، وبشر
فی طبیعته، وصفاته، ولیس ملکاً ولا نبیاً، أما رئاسته العامه للدین والدنیا فإنها لا تستدعی أکثر من العلم بأحکام الشریعه، وسیاسه الشؤون العامه.
وکیف ینسب إلى الشیعه الإمامیه القول بأن أئمتهم یعلمون الغیب، وهم یؤمنون بکتاب اللّه، ویتلون قوله تعالى حکایه عن نبیه «لو کنت أعلم الغیب لاستکثرت من الخیر». وقوله «إنما الغیب للّه». وقوله «قل لا یعلم من فی السموات والأرض الغیب إلا اللّه».
وقال الشیخ الطوسی فی «مجمع البیان» عند تفسیر الآیه ۱۲۳ من سوره هود: «وللّه غیب السموات والأرض»:
«لقد ظلم الشیعه الإمامیه من نسب إلیهم القول بأن الأئمه یعلمون الغیب. ولا نعلم أحداً منهم استجاز الوصف بعلم الغیب لأحد من الخلق. فأما ما نقل عن أمیر المؤمنین (ع) ورواه عنه الخاص والعام من الإخبار بالغائبات فی خطب الملاحم وغیرها مثل الإیماء إلى صاحب الزنج، وإلى ما ستلقاه الأمه من بنی مروان، وما إلى ذلک مما أخبر به هو وأئمه الهدى من ولده، أما هذه الأخبار فإنها متلقاه عن النبی صلى الله علیه وآله مما أطلعه اللّه علیه، فلا معنى لنسبه من یروی عنهم هذه الأخبار المشهوره إلى أنه یعتقد کونهم عالمین الغیب، وهل هذا إلا سب قبیح وتضلیل لهم، بل تکفیر، لا یرتضیه من هو بالمذاهب خبیر، واللّه هو الحاکم وإلیه المصیر».
وإن افترض وجود خبر أو قول ینسب علم الغیب إلى الأئمه وجب طرحه باتفاق المسلمین، قال الإمام الرضا: «لا تقبلوا علینا خلاف القرآن، فإنا ان تحدثنا حدثنا بموافقه القرآن، فإذا أتاکم من یحدثکم بخلاف ذلک فردوه. إن لکلامنا حقیقه، وان علیه لنوراً، فما لا حقیقه له، ولا نور علیه فذاک قول الشیطان».
وبکلمه إن علوم الأئمه وتعالیمهم یحدها – فی عقیده الشیعه – کتاب اللّه (۱) وسنه نبیه، وإن کل إمام من الأول إلى الثانی عشر قد أحاط إحاطه شامله کامله بکل ما فی هذین الأصلین من الألف إلى الیاء، بحیث لا یشذ عن علمهم معنى آیه من آی الذکر الحکیم تنزیلاً وتأویلاً، ولا شیء من سنه رسول الله قولاً وفعلاً وتقریراً. وکفى بمن أحاط بعلوم الکتاب والسنه فضلاً وعلماً، أن هذه المنزله لا تتسنى ولن تتسنى لأحد غیرهم، ومن هنا کانوا قدوه الناس جمیعاً بعد جدهم الرسول تماماً کالقرآن والسنه.
وقد أخذ أهل البیت علوم الکتاب والسنه وفهموها ووعوها عن رسول اللّه، تماماً کما أخذها ووعاها رسول اللّه عن جبرائیل، وکما وعاها جبرائیل عن اللّه، ولا فرق أبداً فی شیء إلا بالواسطه فقط لا غیر، ونظم الشاعر الإمامی هذا المعنى فقال:
إذا شئت أن تبغی لنفسک مذهب* ینجیک یوم البعث من لهب النار
فدع عنک قول الشافعی ومالک* وأحمد والمروی عن کعب أحبار
ووالِ أناساً نقلهم وحدیثهم* روى جدنا عن جبرئیل عن الباری
أخذ علی عن النبی، وأخذ الحسنان عن أبیهما، وأخذ علی بن الحسین عن أبیه، وهکذا کل إمام یأخذ العلم عن إمام، ولم تروِ أصحاب السّیر والتواریخ أن أحداً من الأئمه ال ۱۲ أخذ عن صحابی أو تابعی أو غیره، فقد أخذ الناس العلم عنهم، ولم یأخذوه عن أحد، قال الإمام الصادق:
عجباً للناس یقولون: أخذوا علمهم کله عن رسول اللّه، فعملوا به واهتدوا، ویرون انا أهل البیت لم نأخذ علمه، ولم نهتد به، ونحن أهله وذریته فی منازلنا أنزل الوحی، ومن عندنا خرج العلم إلى الناس، أفتراهم علموا، واهتدوا، وجهلنا وضللنا؟…
وقال الإمام الباقر: لو کنا نحدث الناس برأینا وهوانا لهلکنا، ولکنا نحدثهم بأحادیث نکتنزها عن رسول اللّه، کما یکنز هؤلاء ذهبهم وفضتهم.
وبهذا یتبین الجهل، أو الدس فی قول من قال بأن الشیعه یزعمون أن علم
الأئمه إلهامی، ولیس بکسبی، وترقى بعضهم، فنسب إلى الشیعه القول بنزول الوحی على الأئمه وبرد هذا الزعم بالإضافه إلى ما نقلناه من أحادیث الأئمه الأطهار ما قاله الشیخ المفید فی کتاب «أوائل المقالات»: «قام الإتفاق على أن من یزعم أن أحداً بعد نبینا یوحى إلیه فقد أخطأ وکفر».
وهنا سؤال یفرض نفسه، وهو: بماذا یفتی الإمام إذا لم یجد نصاً فی الکتاب والسنه؟ هل یجتهد، ویعمل بالرأی، کما یجتهد العلماء؟
الجواب:
إن القرآن والسنه فیهما تبیان کل شیء ولو بجنسه أو نوعه، وقد جاء فی الحدیث أن النبی أتى الناس بما اکتفوا به فی عهده، واستغنوا به من بعده، وغیر الإمام یضطر إلى الاجتهاد، حیث تخفى علیه مقاصد الکتاب ومعانی آیاته، وحیث لا یهتدی إلى الأحادیث النبویه بالذات، کما لو سمعها من الرسول الأعظم، أما الإمام فإنه کما سبق وبیّنا یحیط بجمیع علوم الکتاب والسنه، ولا یخفى علیه شیء یتصل بهما، فیفتی بالنص الخاص إن وجد، وإلا فبالأصل العام، والأصل العام بالنسبه إلیه تماماً کالنص الخاص بلا تفاوت، لأن المفروض أن الإمام معصوم کالقرآن یدور الحق معه حیثما دار، وعلیه فلا یخطئ فی التفریع والتطبیق. وبکلمه ان غیر الإمام عنده حدیث ضعیف وحدیث صحیح، وحدیث معارض، وآخر بلا معارض، وحدیث مجمل، وآخر مبین، أما الإمام فالحدیث عنده هو عین ما قاله الرسول مع الصراحه والوضوح.
وما دام الخطأ محالاً فی حقه فلا یقال: إنه مجتهد یعمل بالرأی، لأن المجتهد یحتمل فی حقه الخطأ والصواب على السواء، ولأجل هذا نقول: إن من استطاع أن یأخذ جمیع ما یحتاج إلیه من الأحکام مشافهه من المعصوم لا یجوز له الاجتهاد بحال، وإن بلغ من العلم ما بلغ، وقد ذهل عن هذه الحقیقه جماعه من السنه، فأجازوا الاجتهاد، والعمل بالرأی على النبی بالذات ولیت شعری کیف یقال: إن النبی مجتهد، والمجتهد یخطئ ویصیب، وقول النبی هو الحجه البالغه، والدلیل القاطع الذی یعتمده جمیع المجتهدین والمحققین؟
وسئل الإمام الصادق : بأی شیء یفتی الإمام؟ فقال: بالکتاب. فقال السائل: فما لم یکن فی الکتاب؟ فقال الصادق: بالسنه. فقال السائل: فما لم یکن فی الکتاب والسنه؟ فقال: لیس شیء إلا فی الکتاب والسنه.
وقال أیضاً: ما رأیت علیاً قضى قضاء إلا وجدت له أصلاً فی السنه.
هذی هی أقوال أئمه الشیعه وعلمائهم الثقات، فأین الغلو وعلم الغیب؟… وأین الوحی والإلهام؟… ومن الخیر أن نشیر هنا إلى طرف من أقوال علماء السنه الثقات التی تتصل بهذا الموضوع، لنرى : هل الغلو فیما قالوه أو فیما قاله علماء الشیعه؟
روى البخاری فی صحیحه ج ۵ باب «مناقب عمر بن الخطاب» أن النبی قال : لقد کان فیمن کان قبلکم من بنی إسرائیل رجال یکلمون – أی تحدثهم الملائکه – من غیر أن یکونوا أنبیاء، فإن یکن من أمتی أحد فعمر».
وقال الغزالی فی کتاب «المستصفى» ج ۱ ص ۲۷۰ طبعه ۱۳۲۲هجری :
قال النبی صلى الله علیه وآله إن منکم لمحَدثین، وإن عمر لمنهم.
وقال الشاطبی فی الجزء الثانی من الموافقات ص ۲۶۶ :
عمل الصحابه بالفراسه والکشف والإلهام والوحی النومی، کقول عمر، وهو فی المدینه یخاطب ساریه بن حصن، وهو فی إیران بقوله : «یا ساریه الجبل» وقد سمع ساریه الصوت وصعد الجبل.
إذا قیل بأن عمر علم الغیب وإن له ملکاً یحدثه فلا غلو، وإذا قیل بأن الأئمه من أهل البیت یقولون الحق ویعرفون علوم الکتاب والسنه فکفر وغلو.
وقال ابن السبکی فی «جامع الجوامع» باب «الاجتهاد» : یجوز أن یقال من قبل اللّه تعالى لنبی أو عالم : احکم بما تشاء، فهو صواب، ویکون مدرکاً شرعیاً، ویسمى التفویض.
إذا قیل بأن اللّه یجوز أن یتخلى عن تشریع الأحکام، ویفوض أمر وضعها أو رفعها إلى عالم من العلماء فلا کفر ولا غلو، أما إذا قیل بأن أهل البیت یعرفون شریعه جدهم کامله، کما أنزلها اللّه على نبیه فکفر وغلو.
وقال الشاطبی فی «الموافقات» ج ۲ ص ۲۶۷ : «إن أبا بکر انفذ وصیه رجل بعد موته برؤیا رؤیت»، أی ان رجلاً مات، ولم یوصِ فی حیاته،
ثم أوصى بوصایا بعد موته، وأبلغ وصیته لمن أراد فی المنام، فنفذ أبو بکر هذه الوصیه.
فحُکم أبی بکر استناداً إلى الأحلام والأطیاف صحیح وحجه، أما أحکام أهل البیت المأخوذه من الکتاب والسنه ففیها نظر.
ولدی من هذه الأمثله ما لا یبلغه الإحصاء، وقد ادخرته لوقت الحاجه، وقطعت على نفسی عهداً أن لا أذکر منها شیئاً إلا للدفاع. وفیما ذکرت یفی بالغایه والقصد، کما یدل بصراحه ووصوح أن الذین یتهمون الشیعه، ویرمونهم بالغلو أولى بهذه التهمه، وهی بهم الصق وألیق. واللّه سبحانه من وراء القصد.
ــــــــــــــ
۱- قال الأمام زین العابدین فی الصحیفه السجادیه: اللهم انک انزلت القرآن على نبیک مجملاً، والهمته علم عجائبه مکملاً، وورثتنا علمه مفسرا، وفضلتنا على من جهل علمه وقویتنا علیه، لترفعنا فوق من لم یطق حمله.
۲- المستصفى للغزالی، وجامع الجوامع لابن السبکی، وأصول الفقه للخضری.