فی طلاق المرأه وهی حائض وتزویجها برجل آخر
طلاق المرأه وهی حائض وتزویجها ـ بعد العده ـ برجل آخر
مسأله: لو طُلّقت المرأهُ وهی حائض ـ مع الجهل بالحکم ـ ثم تزوّجت ـ بعد خروج العدّه ـ برجل ودخل بها فولدت، فما حکمها بالنسبه إلى زوجها الثانی وما حکم ولدها.
الجواب: الطلاق باطل، والعقد وقع على ذات البعل، والدخول محکوم بالشبهه، والولد ولد حلال یرث ویُورث.
وإلیک التفاصیل:
أمّا الأوّل: أی أنّ الطلاق باطل، فلأنّ طلاق الزوجه وهی حائض باطل عند الإمامیه وعند بعض فقهاء أهل السنه، وإطلاق الدلیل یقتضی البطلان من غیر فرق بین العلم بالحکم والجهل به، فیکفی فی ثبوت الإطلاق، ما ورد فی الکتاب والسنّه حول شرطیه الطهاره من الحیض لصحّه الطلاق.
ففی الکتاب قوله سبحانه:(یا أَیُّهَا النَّبِی إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنّ).(۱۰۳۳)
فإن قلنا: بأنّ العدّه عباره عن الأطهار الثلاثه، فدلاله الآیه على شرطیه الطهاره لصحّه الطلاق واضحه، و«اللام» إمّا بمعنى «فی» أی طلّقوهنّ فی الزمان الّذی یصلح لئن یعتددن، أو بمعنى «لام الغایه» أی طلّقوهنّ لغایه الاعتداد. وإطلاق الآیه کاف فی ثبوت شرطیه الطهاره من الحیض فی حالتی العلم والجهل.
وإن قلنا: بأنّ العده عباره عن الحیضات الثلاث، فبما أنّ الحیضه الّتی تطلق المرأه فیها لا تحسب من العده إجماعاً من عامّه الفقهاء ـ وإن صحّ الطلاق عند بعضهم ـ یکون المراد مستقبلات لعدتهن، ولا یصدق الاستقبال للعده (الحیضات الثلاث) إلاّ إذا وقع الطلاق فی الطهر، حتّى تکون مستقبله لها.
وعلى کلّ تقدیر فالآیه مطلقه، یؤخذ بها ما لم یدل دلیل على التقیید.
على أنّ الإجماع منعقد على اشتراک العالم والجاهل فی الأحکام إلاّ فی موضعین کالإتمام مکان القصر (لا العکس) والجهر مکان المخافته وبالعکس.
أمّا السنّه فقد تضافرت الروایات من الفریقین على أنّ عبد اللّه بن عمر طلق زوجته ثلاثاً وهی حائض، فأبطله رسول اللّه (صلى الله علیه وآله وسلم).
ففی صحیح الحلبی عن أبی عبد اللّه(علیه السلام)قال: من طلق امرأته ثلاثاً فی مجلس وهی حائض فلیس بشیء، وقد ردّ رسول اللّه طلاق عبداللّه بن عمر إذ طلّق امرأته ثلاثاً وهی حائض، وأبطل رسول اللّه ذلک الطلاق وقال: «کلّ شیء خالف کتاب اللّه فهو ردّ إلى کتاب اللّه» وقال: «لا طلاق إلاّ فی عدّه».(1034)
ویظهر من الذیل أنّ وجه الإبطال وقوع الطلاق فی الحیض الّذی لا یحسب عده فی عامه المذاهب. واحتمال کون الإبطال لأجله تعدد الطلاق فی مجلس واحد، مرفوض، لأنّ الطلاق ثلاثاً فی مجلس واحد صحیح لکن یحسب واحداً، ـ مضافاً ـ إلى أنّ ذیل الحدیث صریح فی أنّ وجه البطلان وقوعه فی الحیض الذی لا یحسب عده وإنّما یحسب إذا وقع الطلاق فی الطهر فتکون الحیضه الأُولى عده.
وقد روى حدیث طلاق ابن عمر زوجته فی الحیض وإبطال رسول اللّه إیّاه البیهقی فی سننه.(۱۰۳۵) ولم یکن طلاقه عن علم بالحکم، بل عن جهل به، کما هو واضح.
فإن قلت: إذا شککنا فی شرطیه الطهاره عن الحیض عند الجهل بحکمها یکون المورد مجرى لقوله:«رفع عن أُمّتی ما لا یعلمون» فیحکم بصحّه الطلاق حینئذ.
قلت: دلیل البراءه محکوم بالدلیل الاجتهادی فی المقام عموماً وخصوصاً.
أمّا الأوّل فلإطلاق دلیل شرطیه الطهاره عن الحیض لصحّه الطلاق فی الکتاب والسنّه.(۱۰۳۶) ولیس لدلیل المشروط نظیر قوله(علیه السلام)«الطلاق أن یقول الرجل لامرأته: أنت طالق»(1037) إطلاق حتّى یتحقق التعارض بین إطلاق دلیل الشرط الدالّ على شرطیه الطهاره فی صوره الجهل، وإطلاق دلیل المشروط الدال بإطلاقه على عدم الشرطیه فی هذه الحاله.
وأمّا الثانی، فلحدیث ابن عمر المتضافر، فقد حکم النبی (صلى الله علیه وآله وسلم)ببطلان طلاقه مع جهله بالحکم کما مرّ.
***
أمّا الثانی: أی أنّ العقد وقع على ذات البعل فقد اتّضح ممّا ذکرنا، فإذا کان الطلاق باطلاً تکون المرأه فی حبال الزوج السابق، ومن عقد علیها فقد عقد على ذات البعل، وحکمه واضح وهو أنّه لو تزوجها ـ وهی ذات بعل ـ مع العلم بالموضوع، فالتزوّج باطل وهی محرمه علیه مؤبداً سواء دخل بها أم لم یدخل.
ولو تزوّجها مع الجهل بالموضوع لم تحرم علیه إلاّ بالدخول بها.
وقد ألحق المشهور التزویج بذات البعل بالتزویج فی العده فی التفصیل المذکور إمّا من باب القیاس الأولویّ، لأنّ علاقه الزوجیه أقوى من علاقه الاعتداد. أو بالنصوص الوارده فی المسأله، (التزویج بذات البعل) وهی على قسمین:
تاره ینزّل العقد على المعتدّه مکان العقد على ذات البعل.
وأُخرى یبیّن حکم العقد على ذات البعل من دون تعرّض للتنزیل.
أمّا الأوّل: فهو ما رواه حمران بن أعین قال: سألت أبا عبد اللّه (علیه السلام)عن امرأه تزوجت فی عدّتها بجهاله منها بذلک… إلى أن قال: «إن کانت تزوجته فی عده لزوجها الّذی طلقها علیها، فیها الرجعه فإنّی أرى أنّ علیها الرجم»(1038)، فالروایه تتلّقى العقد على المعتده أنّه عقد على ذات البعل، ویکون الحکم فی المنزّل علیه أقوى من الحکم فی المنزّل، فإذا ثبت الحکم فی المنزّل یثبت فی المنزّل علیه بوجه أولى.
ومن المعلوم أنّ العقد على المعتده مع الجهاله إذا کان مع الدخول تحرم أبداً، فیکون العقد على ذات البعل فی هذه الصوره مثل العقد على المعتدّه.
وأمّا الثانی: أی ما یبیّن حکم العقد على ذات البعل من دون تعرض للتنزیل فقد وردت فیه روایات أربع: اثنتان منها وارده فی العقد على المعتدّه مع الجهل بالموضوع، ومقتضى إطلاقهما نشر الحرمه مطلقاً سواء دخل بها أو لا; والأُخریان وردتا فی نفس الموضوع لکن تخصّ الحرمه بصوره الدخول، ومقتضى القاعده تخصیص الأُولیین بالأُخریین.
أمّا الأوّلتان فهما:
۱٫ موثق أدیم الحرّ قال: قال أبو عبد اللّه(علیه السلام): «الّتی تزوجت ولها زوج یفرق بینهما ثمّ لا یتعاودان».(1039)
۲٫ مرفوعه أحمد بن محمد: «أنّ رجلاً تزوج امرأه وعُلِم أنّ لها زوجاً فُرّق بینهما ولم تحل أبداً.(۱۰۴۰)
ومصب الروایتین، هو الجاهل بالموضوع، إذ من البعید، بل النادر أن یعقد المسلم فی المجتمع الإسلامی على ذات البعل، وإنّما یعقد علیها لأجل الجهل به، کما إذا أتاه الخبر بأنّها مات زوجها أو طلقها فحصل الیقین بعدم المانع فعقد علیها ثمّ تبیّن الخلاف.
وهاتان الروایتان مطلقتان تعمّان صوره الدخول وعدمه.
وأمّا الأُخریان فهما صحیحتان لزراره أو موثقتان له.
۳٫ عن أبی جعفر(علیه السلام)فی امرأه فُقِد زوجها أو نُعی إلیها فتزوجت ثم قدم زوجها بعد ذلک فطلّقها، قال: «تعتد منهما جمیعاً ثلاث أشهر عده واحده ولیس للآخر أن یتزوّجها أبداً».(1041)
ومصبّ الروایه هو الجاهل بالموضوع المقرون بالدخول بشهاده قوله: «تعتد منهما» ولیس فی الروایه شیء یشکل سوى الحکم بکفایه عده واحده وهو على خلاف المشهور.
۴٫ عن أبی جعفر(علیه السلام)قال: «إذا نُعی الرجل إلى أهله أو أخبروها أنّه قد طلقها فاعتدت ثم تزوجت فجاء زوجها الأوّل، فإنّ الأوّل أحقّ بها من هذا الأخیر دخل بها أم لم یدخل بها، ولیس للآخر أن یتزوجها أبداً، ولها المهر بما استحلّ من فرجها».(1042)
ومورد الروایه هو المدخوله بشهاده قوله:«ولها المهر بما استحل من فرجها».
وأمّا قوله: «دخل بها أم لم یدخل بها» فالتسویه راجعه إلى ما تقدّم، أعنی: «فإنّ الأوّل أحقّ بها من هذا الأخیر» ولیست راجعه إلى قوله:«ولیس للآخر أن یتزوجها أبداً» بل هو مختص بصوره الدخول.
فمقتضى القواعد تقیید إطلاق الأُولیین بما ورد من القید فی الأخیرین فتکون النتیجه هی التفصیل فی صوره الجهل بین الدخول فتحرم أبداً، وعدمه فلا تحرم.
هذا حکم الجاهل، وأمّا العالم بالموضوع فحکمه هو أنّها تحرم مطلقاً دخل بها أم لم یدخل، أخذاً بالتنزیل فإنّ العقد على المعتدّه مع العلم یورث الحرمه مطلقاً، فکذلک ما هو أولى منه، أعنی: العقد على ذات البعل.
وقد عرفت فی روایه حمران أنّ الإمام نزّل المعتدّه منزله ذات البعل.
بقیت هنا روایتان ربما یتوهم کونهما معارضتین لما سبق، وهما:
۱٫ صحیحه عبد الرحمن بن الحجاج، قال: سألت أبا عبد اللّه (علیه السلام)عن رجل تزوّج امرأه ولها زوج وهو لا یعلم، فطلقها الأوّل أو مات عنها، ثمّ علم الأخیر، أیراجعها؟ قال: «لا، حتّى تنقضی عدّتها».(1043)
والظاهر عدم المعارضه، لأنّ الروایه خاصه بالجاهل بالموضوع بشهاده قوله:«ثم علم الأخیر»، ومطلقه تعم صورتی الدخول وعدمه، وعندئذ یفید إطلاقها بما ورد فی الأخیرتین من الحرمه الأبدیه فی صوره الدخول.
۲٫ صحیحه الآخر: قال: سألت أبا عبد اللّه(علیه السلام)عن رجل تزوج امرأه، ثم استبان له بعد ما دخل بها أنّ لها زوجاً غائباً فترکها، ثمّ إنّ الزوج قدم فطلقها أو مات عنها، أیتزوجها بعد هذا الّذی کان تزوجها، ولم یعلم أنّ لها زوجاً، قال (علیه السلام): «ما أحب له أن یتزوجها حتّى تنکح زوجاً غیره».(1044)
وجه المعارضه:
۱٫ أنّ قوله: «ما أحبّ له أن یتزوّجها» ظاهر فی الکراهه، وأین هی من الحرمه الأبدیه؟!
۲٫ تجویز التزوّج بها، بعد أن تنکح زوجاً غیره.
یلاحظ على الأوّل: أنّ هذا التعبیر فی لسان أئمه أهل البیت (علیهم السلام)أعمّ من الکراهه المصطلحه کما فی نظیره:«لا ینبغی»، فقد ادّعى صاحب الحدائق ظهوره فی الحرمه، أو عدم ظهوره فی الکراهه المصطلحه.
ویلاحظ على الوجه الثانی: بأنّه وإن کان ظاهراً فی جواز التزویج، لکن لا یمکن الأخذ بهذه الروایه لاشتمالها على ما یخالف الإجماع أو القدر المتیقن من هذه الروایات، وذلک لأنّ ظاهر الروایه انّ المرأه کانت عالمه بالموضوع غیر جاهله به حیث قال:«ثم استبان له بعد ما دخل بها انّ لها زوجاً غائباً فترکها» حیث خصّ الاستبانه بالزوج دون الزوجه، ومن المعلوم حرمه التزویج بذات البعل عند العلم مطلقاً، فکیف مع الدخول، فالروایه معرض عنها.
قال السیّد الاصفهانی: یلحق بالتزویج فی العدّه فی إیجاب الحرمه الأبدیه، التزویج بذات البعل فلو تزوّجها مع الجهل لم تحرم علیه إلاّ مع الدخول بها.(۱۰۴۵)
وأمّا الثالث: أی أنّ الدخول محکوم بالشبهه ولیس من أقسام الزنا، فلأنّه دخل بها على أنّها زوجته الشرعیه. فیکون من مقوله الوطء بالشبهه، فتکون الثمره أیضاً، ولداً شرعیاً، فهو یَرثُ ویُورث. واللّه العالم.
۱۰۳۳ . الطلاق: ۱٫
۱۰۳۴ . الوسائل: ج ۱۵، الباب۸ من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه، الحدیث ۷٫ ولاحظ فی نفس الباب الحدیث رقم ۱و ۴ و ۸ و ۹٫
۱۰۳۵ . لاحظ سنن البیهقی: ۷ / ۳۲۴ ـ ۳۲۵٫
۱۰۳۶ . الوسائل: ج ۱۵، الباب۸ من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه.
۱۰۳۷ . الوسائل: ج ۱۵، الباب۱۶ من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه، الحدیث ۷٫
۱۰۳۸ . الوسائل: ج ۱۴، الباب۱۷ من أبواب ما یحرم بالمصاهره، الحدیث ۱۷٫
۱۰۳۹ . الوسائل: ج ۱۴، الباب۱۶ من أبواب ما یحرم بالمصاهره، الحدیث ۱٫
۱۰۴۰ . الوسائل: ج ۱۴، الباب۱۶ من أبواب ما یحرم بالمصاهره، الحدیث ۱۰٫
۱۰۴۱ . الوسائل: ج ۱۴، الباب۱۶ من أبواب ما یحرم بالمصاهره، الحدیث ۲٫
۱۰۴۲ . الوسائل: ج ۱۴، الباب۱۶ من أبواب ما یحرم بالمصاهره، الحدیث ۶٫
۱۰۴۳ . الوسائل: ج ۱۴، الباب۱۶ من أبواب ما یحرم بالمصاهره، الحدیث ۳٫
۱۰۴۴ . الوسائل: ج ۱۴، الباب۱۶ من أبواب ما یحرم بالمصاهره، الحدیث ۴٫
۱۰۴۵ . وسیله النجاه: ۳۳۳ ، فصل النکاح فی العدّه، المسأله ۵، الطبعه الثامنه.