الحلف بالطلاق

0

اعلم أنّ الطلاق غیر المنجّز ینقسم إلى قسمین:
۱ـ الطلاق المعلّق.
۲ـ الحلف بالطلاق.
وکلاهما من أقسام غیر المنجّز، والفرق بینهما أنّه لو قصد من التعلیق الحثّ على الفعل، أو المنع عنه، یسمّى حلفاً بالطلاق کقوله: إن دخلت الدار فأنتِ طالق، أو إن لم تدخلی الدار فأنت طالق; أو قصد منه تصدیق المخبر، کقوله: زوجتی طالق لو کان فی حقیبتی بضاعه ممنوعه.
وأمّا إذا علّق ولم یکن منه لا الحث على الفعل ولا المنع منه، ولا التنبیه على تصدیق المخبر، یسمّى طلاقاً معلّقاً، کقوله: أنتِ طالق إن طلعت الشمس، أو أنتِ طالق إن قدم الحاج، أو أنتِ طالق إن لم یقدم السلطان، فهو شرط محض لیس بحلف، لأنّ حقیقه الحلف، القسم.
وإنّما سمّی تعلیق الطلاق على شرط حلفاً تجوزاً، لمشارکته الحلف فی المعنى المشهور وهو الحث أو المنع أو تأکید الخبر نحو قوله: واللّه لأفعلنّ، أو لا واللّه لا أفعل، أو واللّه لقد فعلت أو واللّه لم أفعل، وما لم یوجد فیه هذا المعنى لا تصحّ تسمیته حلفاً (۸۸۳).
وقال السبکی تقی الدین علی بن عبدالکافی (المتوفّى ۷۵۶ هـ) : إنّ الطلاق المعلّق، منه ما یعلّق على وجه الیمین، ومنه ما یعلّق على غیر وجه الیمین، فالطلاق المعلَّق على غیر وجه الیمین کقوله: إذا جاء رأس الشهر فأنتِ طالق، أو إن أعطیتنی ألفاً فأنتِ طالق.
والذی على وجه الیمین کقوله: إن کلّمتِ فلاناً فأنت طالق، أو إن دخلت الدار فأنتِ طالق، وهو الذی یقصد به الحث أو المنع أو التصدیق، فإذا علّق الطلاق على هذا الوجه، ثمّ وجد المعلّق علیه وقع الطلاق (۸۸۴).
ثمّ إنّ وقوع الطلاق بالحلف هو مذهب أکثر أهل السنّه إلاّ من شذّ وسنشیر إلیه، فقد أجازت مذاهبهم الطلاق (وراء الحلف) بکل ما دلّ علیه لفظاً وکتابه وصراحه وکنایه، مثل: أنتِ علیّ حرام، أو أنتِ بریّه، أو اذهبی فتزوّجی، أو حبلک على غاربک، أو الحقی بأهلک، إلى غیر ذلک من الصیغ.
والجدیر بالذکر أنّهم سوّدوا الصفحات الطوال العراض حول أقسام الطلاق المعلّق خصوصاً النوع الخاص به، أعنی: الحلف به، وجاءوا بآراء وفتاوى لم یبرهنوا علیها بشیء من الکتاب والسنّه، والراجع إلیها یقطع بأنّ الطلاق عند هؤلاء أُلعوبه، یتلاعب به الرجل بصور شتّى.
وإن کنت فی شکّ ممّا ذکرت فلاحظ الکتابین المعروفین:
۱٫ المغنی: تألیف محمد بن عبد اللّه بن أحمد بن محمد بن قدامه (المتوفّى ۶۲۰ هـ) وهو أوسع فقه ظهر عند الحنابله مع الترجیح بین الأقوال بالدلیل المقنع لهم. فقد خصّص (۴۵) صفحه من کتابه بهذا النوع من الصیغ .(۸۸۵)
۲٫ الفقه على المذاهب الأربعه: تألیف الشیخ عبد الرحمن الجزیری، فقد ألّفه لیعرض الفقه بثوبه الجدید على الناشئ ، ومع ذلک فقد خصّ من کتابه لهذا النوع من صور الطلاق صفحات کثیره. (۸۸۶) وإلیک نماذج من هذه الصور حتى تقف على صدق ما قلناه; ننقله من الکتاب الأوّل:
۱٫ إن قال لامرأتیه: کلّما حلفت بطلاقکما فأنتما طالقتان، ثمّ أعاد ذلک ثلاثاً، طلّقت کل واحده منهما ثلاثاً.
۲٫ إن قال لإحداهما: إن حلفت بطلاقک فضرّتک طالق، ثمّ قال للأُخرى مثل ذلک …
۳٫ وإن کان له ثلاث نسوه فقال: إن حلفت بطلاق زینب، فعمره طالق، ثم قال: وإن حلفت بطلاق عمره، فحفصه طالق، ثمّ قال: إن حلفت بطلاق حفصه، فزینب طالق، طلقت عمره، وإن جعل مکان زینب عمره طلّقت حفصه، ثمّ متى أعاده بعد ذلک طلّقت منهنّ واحده …
۴٫ ومتى علّق الطلاق على صفات فاجتمعن فی شیء واحد وقع بکلّ صفه ما علّق علیها کما لو وجدت متفرّقه وکذلک العتاق، فلو قال لامرأته: إن کلّمت رجلاً فأنت طالق، وإن کلّمت طویلاً فأنت طالق، وإن کلّمت أسود فأنت طالق، فکلّمت رجلاً أسود طویلاً، طلّقت ثلاثاً. (۸۸۷)
إلى غیر ذلک من الصور التی لا یترتب على نقلها سوى إضاعه الوقت والورق.
وفی مقابل هؤلاء، أئمّه أهل البیت (علیهم السلام)، یرون الحلف بالطلاق باطلاً و لا یذکرون للطلاق إلاّ صیغه واحده، روى ابن سماعه قال: لیس الطلاق إلاّ کما روى بکیر بن أعین أن یقول لها و هی طاهر من غیر جماع ـ : أنت طالق ویشهد شاهدی عدل، وکلّ ما سوى ذلک فهو ملغى. (۸۸۸)
ومع أنّ المشهور عند أهل السنّه وقوع الطلاق بالحلف به، فنجد بین الصحابه والتابعین من ینکر ذلک ویراه باطلاً ، ووافقه بعض المتأخّرین کابن حزم من الظاهریین ، وابن تیمیه من الحنابله.
قال ابن حزم: وصحّ خلاف ذلک (وقوع الطلاق بالیمین) عن السلف.
۱٫ روینا من طریق حماد بن سلمه عن حمید عن الحسن: أنّ رجلاً تزوّج امرأه وأراد سفراً فأخذها أهل امرأته فجعلها طالقاً إن لم یبعث بنفقتها إلى شهر، فجاء الأجل ولم یبعث بشیء، فلمّـا قدم خاصموه إلى علیّ، فقال علیّ (علیه السلام): «اضطهدتموه حتى جعلها طالقاً، فردّها علیه» (889).
۲٫ روینا من طریق عبد الرزاق، عن ابن جریج، عن عطاء: فی رجل قال لامرأته: أنتِ طالق إن لم أتزوّج علیک. قال: إن لم یتزوّج علیها حتى تموت أو یموت، توارثا. والحکم بالتوارث آیه بقاء العلقه.
۳٫ ومن طریق عبد الرزاق، عن سفیان الثوری، عن غیلان بن جامع، عن الحکم بن عتیبه قال: فی الرجل یقول لامرأته: أنتِ طالق إن لم أفعل کذا، ثمّ مات أحدهما قبل أن یفعل، فإنّهما یتوارثان.
إنّ فی عدم اعتداد الإمام علیّ (علیه السلام)بالطلاق ـ بلا إکراه ـ والحکم بالتوارث فی الروایتین الأخیرتین دلاله على عدم الاعتداد بالیمین
بالطلاق.
۴٫ ومن طریق عبد الرزاق، عن ابن جریج: أخبرنی ابن طاووس عن أبیه أنّه کان یقول: الحلف بالطلاق لیس شیئاً. قلت: أکان یراه یمیناً؟ قال: لا أدری.
قال ابن حزم بعد نقل هذه الروایات: فهؤلاء علی بن أبی طالب (علیه السلام)وشریح (۸۹۰) وطاووس لا یقضون بالطلاق على مَن حلف به فحنث، ولا یعرف لعلی فی ذلک مخالف من الصحابه ـ رضی اللّه عنهم ـ ثم یقول: من أین أجزتم الطلاق بصفه ولم تجیزوا النکاح بصفه، والرجعه بصفه کمن قال: إذا دخلت الدار فقد راجعت زوجتی المطلّقه، أو قال: فقد تزوّجتک، وقالت هی مثل ذلک، وقال الولی مثل ذلک ولا سبیل إلى فرق. (۸۹۱)
فقد سئل ابن تیمیّه عن مسأله الحلف بالطلاق، فأفتى بعدم وقوع الطلاق بنفس الحلف ولکن قال: تجب الکفّاره إذا لم یطلّق بعد، فقال: إنّ فی المسأله بین السلف والخلف أقوالاً ثلاثه:
۱٫ إنّه یقع به الطلاق إذا حنث فی یمینه، وهذا هو المشهور عند أکثر الفقهاء المتأخّرین حتى اعتقد طائفه منهم أنّ ذلک إجماع، ولهذا لم تذکر عامتهم علیه حجّه، وحجّتهم علیه ضعیفه، وهی أنّه التزم أمراً عند وجوب شیء فلزمه ما التزمه (۸۹۲).
۲٫ إنّه لا یقع به طلاق ولا تلزمه کفّاره. وهذا مذهب داود وأصحابه، وطوائف من الشیعه، ویذکر ما یدل علیه عن طائفه من السلف (۸۹۳)، بل هو مأثور عن طائفه صریحاً کأبی جعفر الباقر (علیه السلام)روایه جعفر بن محمد (۸۹۴)، وأصل هؤلاء أنّ الحلف بالطلاق والعتاق والظهار لغو کالحلف بالمخلوقات.
۳٫ وهو أصح الأقوال، وهو الذی یدلّ علیه الکتاب والسنّه، والاعتبار أنّ هذا یمین من أیمان المسلمین فیجری فیها ما یجری فی أیمان المسلمین، وهو الکفّاره عند الحنث إلاّ أن یختار الحالف إیقاع الطلاق، فله أن یوقعه، ولا کفّاره، وهذا قول طائفه من السلف والخلف کطاووس وغیره، وهو مقتضى المنقول عن أصحاب رسول اللّه (صلى الله علیه وآله وسلم)فی هذا الباب، وبه یفتی کثیر من المالکیه وغیرهم، حتى یقال: إنّ فی کثیر من بلاد المغرب من یفتی بذلک من أئمّه المالکیه، وهو مقتضى نصوص أحمد بن حنبل، وأُصول فی غیر موضع(۸۹۵).(۸۹۶)
إنّ هنا أُموراً:
الأوّل: فی وقوع الطلاق بنفس هذا الإنشاء.
الثانی: لزوم الکفّاره عند الحنث أی عند عدم إیقاع الطلاق.
الثالث: ما هو حکم الزوجه فی الفتره التی لم یقع المعلّق علیه.
أمّا الأوّل: فالدلیل الذی نقله ابن تیمیه عن القائل کان عباره أنّه التزم أمراً عند وجوب شرط فلزمه ما التزمه، مثلاً التزم بأنّه إذا کلّمت الزوجه فلاناً فهی طالق.
یلاحظ علیه: أنّه لیس لنا دلیل مطلق یعم نفوذ کلّ ما التزم به الإنسان حتّى فیما یحتمل أنّ الشارع جعل له سبباً خاصّاً کالطلاق والنکاح، إذ عند الشکّ یکون المرجع هو بقاء العلقه الزوجیه إلى أن یدلّ دلیل على خروجها عن عصمته، أخذاً بالقاعده المأثوره عن أئمّه أهل البیت بأنّه لا ینقض الیقین بالشک، المعبّـر عنه فی مصطلح الأُصولیین بالاستصحاب.
قال السبکی: قد أجمعت الأُمّه على وقوع المعلّق کوقوع المنجز، فإنّ الطلاق ممّا یقبل التعلیق، ولا یظهر الخلاف فی ذلک إلاّ عن طوائف من الروافض، ولمّـا حدث مذهب الظاهریین، المخالفین لإجماع الأُمّه ، المنکرین للقیاس، خالفوا فی ذلک ـ إلى أن قال ـ : ولکنّهم قد سبقهم الإجماع.
ثمّ قال: وقد لبَّس ابن تیمیه بوجود خلاف فی هذه المسأله وهو کذب وافتراء وجرأه منه على الإسلام، وقد نقل إجماع الأُمّه على ذلک أئمّه لا یرتاب فی قولهم ولا یتوقّف فی صحّه نقلهم.(۸۹۷)
کیف یحکم بسبق الإجماع مع خلاف الإمام علی ولفیف من التابعین وأئمّه أهل البیت (علیهم السلام)، ولیس ابن تیمیّه ناقلاً للخلاف بل نقله ابن حزم الأندلسی ونقله هو عنه کما صرّح فی رسائله.
وهناک کلمه لبعض مشایخ الإمامیه نأتی بنصّها وفیه بیان وبلاغ، قال: إنّ الإمامیه یضیّقون دائره الطلاق إلى أقصى الحدود، ویفرضون القیود الصارمه على المطلِّق والمطلَّقه، وصیغه الطلاق وشهوده. کلّ ذلک لأنّ الزواج عصمه
ومودّه ورحمه ومیثاق من اللّه. قال تعالى: (وَقَدْ أَفْضَـى بَعْضُکُمْ إلى بَعْض وَأخَذْنَ مِنْکُمْ مِیثاقاً غلیظاً)(۸۹۸)، وقال سبحانه: (وَمِنْ آیاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَکُمْ مِنْ أَنْفُسِکُمْ أَزْواجاً لِتَسْکُنُوا إِلَیْها وَجَعَلَ بَیْنَکُم مَوَدَّهً وَرَحْمَهً)(۸۹۹)، إذن لا یجوز بحال أن ننقض هذه العصمه والموده والرحمه، وهذا العهد والمیثاق إلاّ بعد
أن نعلم علماً قاطعاً لکلّ شکّ بأنّ الشرع قد حلّ الزواج ونقضه بعد أن أثبته وأبرمه.(۹۰۰)
وقد تضافرت الروایات عن أئمّه أهل البیت (علیهم السلام) على بطلان هذا الطلاق، بل وعدم الاعتداد بهذا الیمین مطلقاً ـ ومن أخذ دینه عن أئمّه أهل البیت (علیهم السلام)، فقد أخذ عن عین صافیه ـ ، نکتفی ببعض ما ورد عنهم:
۱٫ روى الحلبی عن أبی عبد اللّه (علیه السلام)قال: «کل یمین لا یراد به وجه اللّه فی طلاق أو عتق فلیس بشیء». (901)
۲٫ جاء رجل باسم «طارق» إلى أبی جعفر الباقر (علیه السلام)وهو یقول: یا أبا جعفر إنّی هالک إنّی حلفت بالطلاق والعتاق والنذور، فقال: «یا طارق إنّ هذا من خطوات الشیطان». (902)
۳٫ عن أبی أُسامه الشحام، قال: قلت لأبی عبد اللّه (علیه السلام): إنّ لی قریباً أو صهراً لی حلف إن خرجت امرأته من الباب فهی طالق ثلاثاً، فخرجت فقد دخل صاحبها منها ما شاء اللّه من المشقه فأمرنی أن أسألک فأصغى إلیّ، فقال: «مره فلیُمسکها فلیس بشیء»، ثمّ التفت إلى القوم فقال: «سبحان اللّه یأمرونها أن تتزوّج ولها زوج» (903).
وقد عرفت الشیعه بإنکارها الأُمور الثلاثه فی باب الطلاق:
۱ـ طلاق المرأه وهی حائض.
۲ـ الطلاق بلا إشهاد عدلین.
۳ـ الحلف على الطلاق.
هذا کلّه حول وقوع الطلاق، وإلیک الکلام فی المقامین: الثانی والثالث.
أمّا الثانی: وهو ترتّب الکفّاره وعدمه، فیحتاج إلى تنقیح ما هو الموضوع للکفّاره، فلو دلّ الدلیل على أنّ الکفّاره من آثار الحلف بلفظ الجلاله أو ما یعادله أو یقاربه، کالربّ وغیره فلا تترتب على الحلف بالطلاق والعتاق، وبما أنّ المسأله خارجه عن موضوع البحث، نحیل تحقیقها إلى محلّه.
وأمّا الثالث: فقد نقل ابن حزم عن الشافعی: الطلاق یقع علیه والحنث فی آخر أوقات الحیاه (فلو قال لامرأته: أنتِ طالق إن لم أضرب زیداً، فإنّما یتحقّق الحنث ـ إذا لم یضرب ـ عند موته، ومعنى هذا أنّها زوجته إلى ذلک الآن) ونقل عن مالک: یوقف عن امرأته وهو على حنث حتى یبرّ ، ثمّ استشکل على الإمامین.(۹۰۴)
وجمله الکلام فیه ـ على القول بانعقاد الطلاق به ـ أنّ المعلّق علیه تاره یکون أمراً وجودیاً ـ کالخروج عن الدار ـ وأُخرى عدمّیاً ـ مثل إن لم أفعل ـ وعلى التقدیرین تاره یکون محدّداً مؤقتاً بزمان وأُخرى مطلقاً مرسلاً عنه، فلو کان أمراً وجودیاً فهی زوجته مالم یتحقّق، فإذا تحقّق فی ظرفه المعیّـن، أو مطلقاً ـ حسب ما علّق ـ تکون مطلّقه. ولو کان أمراً عدمیاً، فلو کان محدداً ومؤقّتاً بزمان، فلو لم یفعل فی ذلک الزمان تکون مطلّقه، بخلاف ما لو لم یکن کذلک، فلا تکون مطلّقه إلاّ فی آخر الوقت الذی لایستطیع القیام به.
ولکنّها فروض على أساس منهار.
الکلام فی الطلاق المعلّق
قد عرفت أنّ الطلاق غیر المنجّز ینقسم إلى قسمین: منه ما یوصف بالحلف بالطلاق ومنه ما یوصف بالمعلّق فقط، وقد عرفت حکم الأوّل وإلیک الکلام فی الثانی:
فنقول: إنّ للشروط تقسیمات:
۱٫ ما تتوقّف علیه صحّه الطلاق ککونها زوجه، وما لا تتوقّف علیه کقدوم زید.
۲٫ ما یعلم المطلّق بوجوده عند الطلاق، کتعلیقه بکون هذا الیوم یوم الجمعه، وأُخرى ما یشک فی وجوده.
۳٫ ما یذکر فی الصیغه تبرّکاً، لا شرطاً وتعلیقاً کمشیئته سبحانه (إن شاء اللّه)، و ما یذکر تعلیقاً حقیقه.
ومورد البحث هو الشق الثانی من القسم الأوّل من الأقسام الثلاثه، وقد اتّفقت کلمه الإمامیه (۹۰۵) على بطلان المعلّق والدلیل المهم هو النص والإجماع وإلیک البیان:
الطلاق المعلّق باطل نصّاً وإجماعاً
دلّ النصّ عن أئمّه أهل البیت (علیهم السلام) على بطلان الطلاق المعلّق، ویکفی فی ذلک ما رواه بکیر بن أعین عنهم (علیهم السلام)أنّهم قالوا: لیس الطلاق إلاّ أن یقول الزوج لها وهی طاهره من غیر جماع: أنتِ طالق، ویشهد شاهدی عدل، وکل ما سوى ذلک فهی ملغى. (۹۰۶)
فأیّ تصریح أولى من قوله: «وکل ما سوى ذلک فهی ملغى» مع شیوع الطلاق المعلّق خصوصاً قسم الحلف فی أعصارهم.
وإذا أُضیف إلى ذلک ما روی عنهم (علیهم السلام)فی بطلان الحلف بالطلاق لاتّضح الحکم بأجلى وضوح، لأنّ الحلف به قسم من أقسام المعلّق، فلیس بطلانه إلاّ لبطلان المعلّق غایه الأمر یتضمّن حلفاً ویمیناً، وقد عرفت أنّ الإمام (علیه السلام) قال: «سبحان اللّه یأمرونها أن تتزوّج ولها زوج». (907)
وأمّا الاجماع فقد قال المرتضى: وممّا انفردت به الإمامیه أنّ تعلیق الطلاق بجزء من أجزاء المرأه أیّ جزء کان لا یقع فیه الطلاق. (۹۰۸)
وقال الشیخ فی الخلاف: إذا قال لها: أنت طالق إذا قدم فلان، فقدم فلان. لا یقع طلاقه. (۹۰۹)
وقال ابن إدریس: واشترطنا إطلاق اللفظ احترازاً من مقارنه الشروط.(۹۱۰)
ومن تفحّص فقه الإمامیه یجد کون البطلان أمراً متّفقاً علیه.
ویؤیّد ذلک: أنّ عنایه الإسلام بنظام الأُسره الذی أُسّها النکاح والطلاق، یقتضی أن یکون الأمر فیها منجّزاً لا معلّقاً، فإنّ التعلیق ینتهی إلى ما لا تحمد عاقبته من غیر فرق بین النکاح والطلاق، فالمرء إمّا یقدم على النکاح والطلاق، أو لا. فعلى الأوّل فینکح أو یطلّق بتاتاً، وعلى الثانی یسکت حتّى یحدث بعد ذلک أمراً، فالتعلیق فی النکاح والطلاق لا یناسب ذلک الأمر
الهام، فقد قال سبحانه: (ولَن تَسْتَطِیعُوا أَن تَعْدِلُوا بَیْـنَ النِّساءِ وَلو حَرَصْتُمْ فَلاَ تَـمِیلُوا کُلَّ المَیْلِ فَتَذَرُوها کَالمُعَلَّقَهِ وَإن تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فإِنَّ اللّهَ کان غَفُوراً رَحیماً)(۹۱۱).
واللّه سبحانه یشبّه المرأه التی یترک الزوج أداء حقّها الواجب علیه بالمعلّقه التی هی لا ذات زوج ولا أیّم، فالمنکوحه معلّقاً، أو المطلّقه کذلک، أشبه شیء بالمعلّقه الوارده فی الآیه، فهی لا ذات زوج ولا أیّم.
نعم ربّما استدلّ ببعض الوجوه العقلیه على البطلان وهی لیست تامّه عندنا، نظیر:
أ ـ أنّ الطلاق المعلّق من قبیل تفکیک المنشـأ عن الإنشاء، لأنّ المفروض عدم وقوعه قبل الشرط، فیلزم تفکیک المنشأ عن الإنشاء.
وأنت خبیر بعدم استقامه الدلیل، فإنّ المنشأ بعد الإنشاء محقّق من غیر فرق بین المنجّز والمعلّق، غیر أنّ المنشأ تاره یکون منجّزاً وأُخرى معلّقاً، وفائده الإنشاء أنّه لو وقع المعلّق علیه لا یحتاج إلى إنشاء جدید.
ب ـ ظاهر الأدلّه ترتّب الأثر على السبب فوراً، فاشتراط تأخّره إلى حصول المعلّق علیه، خلاف ظاهر الأدلّه.
یلاحظ علیه: أنّه لیس فی الأدلّه ما یثبت ذلک، فالوارد فی الأدلّه هو لزوم الوفاء بالإنشاء، غیر أنّ الوفاء یختلف حسب اختلاف مضمونه، فالأولى الاستدلال بالنص والإجماع.
۸۸۳ . المغنی: ۷/ ۳۶۵٫
۸۸۴ . الدرّه المضیئه: ۱۵۵٫
۸۸۵ . لاحظ الجزء السابع ۳۶۹ ـ ۴۱۴ بتصحیح الدکتور محمد خلیل هراس.
۸۸۶ . لاحظ: الفقه على المذاهب الأربعه الجزء الرابع.
۸۸۷ . المغنی: ۷/۳۶۹ـ ۳۷۶٫
۸۸۸ . الوسائل : ج ۱۵، الباب ۱۶ من أبواب مقدمات الطلاق وشروطه، الحدیث ۱٫
۸۸۹ . ظاهر الحدیث: أنّ الإمام ردّ المرأه لوقوع الطلاق مکرهاً، وبما أنّه لم تکن هناک کراهه ولم یطلب أهل المرأه سوى النفقه، یحمل على خلاف ظاهره، من بطلان الطلاق لأجل الحلف به.
۸۹۰ . نقل روایه عن شریح ترکنا نقلها لعدم دلالتها على ما یریده. وکان علیه عطف عطاء علیه أیضاً.
۸۹۱ . المحلّى: ۱۰/۲۱۲ـ ۲۱۳٫
۸۹۲ . سیوافیک ضعف هذا الدلیل بعد الفراغ من نقل کلامه.
۸۹۳ . قد تعرفت على القائلین بعدم کفایه الحلف فی تحقّق الطلاق فی کلام ابن حزم الظاهری.
۸۹۴ . هکذا وردت العباره فی المصدر .
۸۹۵ . هکذا وردت العباره فی المصدر.
۸۹۶ . الفتاوى الکبرى: ۳/۱۲ و ۱۳٫
۸۹۷ . الدرّه المضیئه : ۱۵۵ـ ۱۵۶٫
۸۹۸ . النساء: ۲۱٫
۸۹۹ . الروم: ۲۱٫
۹۰۰ . الفقه على المذاهب الخمسه: ۴۱۴٫
۹۰۱ . الوسائل: ج ۱۶، الباب ۱۴ من أبواب کتاب الأیمان، الحدیث ۱ .
۹۰۲ . الوسائل: ج ۱۶، الباب ۱۴ من أبواب کتاب الایمان، الحدیث ۴، ولاحظ سائر أحادیث الباب .
۹۰۳ . الوسائل: ج ۱۵، الباب ۱۸ من أبواب مقدمات الطلاق، الحدیث ۳٫
۹۰۴ . المحلّى: ۹/ ۲۱۳٫
۹۰۵ . الخلاف: ۲ /۵۰۶، کتاب الطلاق ، المسأله ۴۰٫
۹۰۶ . الوسائل: ج ۱۵، الباب ۱۶ من أبواب مقدّمات الطلاق ، الحدیث ۱٫
۹۰۷ . الوسائل: ج ۱۵، الباب ۱۸ من أبواب مقدمات الطلاق، الحدیث ۳٫
۹۰۸ . الانتصار : ۱۴٫
۹۰۹ . الخلاف: ۴ / ۴۷۶، کتاب الطلاق، المسأله ۱۳٫
۹۱۰ . السرائر: ۲/ ۶۶۵٫
۹۱۱ . النساء: ۱۲۹٫

Leave A Reply

Your email address will not be published.