ما نسب إلى الشیعه
إنّ الشیخ بعد أن نقل کلام الرجلین خرج بالنتیجه التالیه قائلاً فی(ص۵۶):
یتضح لکم ولغیرکم من القراء أنّ ما یفعله الجهال من الشیعه وغیرهم عند القبور من دعاء أهلها والاستغاثه بهم والنذر لهم والسجود لهم وتقبیل القبور طلباً لشفاعتهم، ونفعهم لمن قبّلها، کلّ ذلک من الشرک الأکبر لکونه عباده لهم والعباده حق اللّه وحده کما قال اللّه تعالى: ( وَاعْبُدُوا اللّهَ وَلا تُشْرِکُوا بِهِ شَیْئاً ) .( [۱])
یلاحظ علیه: أنّه نسب إلى الشیعه الأُمور التالیه:
أ. دعاء أهل القبور والاستغاثه بهم. ب. النذر لهم.
ج. السجود لهم.
د. تقبیل القبور طلباً لشفاعتهم.
ثم وصف الکل بالشرک الأکبر الّذی هو عباره أُخرى عن الارتداد والخروج عن الدین.
أمّا الأمر الأوّل: فقد عرفت الأدلّه الکافیه من أنّه لا مانع من دعاء النبی والاستغاثه به لأجل طلب الدعاء منه، لأنّ له عند اللّه مقاماً محموداً یُقبل دعاؤه وتستجاب دعوته خصوصاً إذا استغفر للمستغیث، قال سبحانه:( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاءُوکَ فَاسْتَغْفَرُوا اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللّهَ تَوّاباً رَحِیماً ) .( [۲])
نعم: الاستغاثه بالنبی(صلى الله علیه وآله وسلم) بما أنّه إله ورب وبیده مصیر الداعی کلاً أو جزءاً، هو عباده له، ولکن لا یوجد بین المسلمین من یعتقد بهذا.
وأمّا الأمر الثانی ـ أعنی: النذر لهم ـ: فقد خفیت عن الشیخ حقیقه النذر حیث تصوّر أنّهم ینذرون للنبی (صلى الله علیه وآله وسلم) مکان النذر للّه مع أنّهم ینذرون للّه سبحانه، وإنّما یهدون ثواب عملهم للنبی والأئمّه(علیهم السلام) . من الأُمور الرائجه بین المسلمین أنّهم یقومون بالنذر للنبی(صلى الله علیه وآله وسلم) ویقول الناذر: للّه علیّ إذا شفى اللّه مریضی أن أذبح شاهً للنبی، وقد زعم الشیخ أنّ النذر للنبی شرک لأنّه عباده له، ولکنّه غفل عن مفاد الصیغه ولأجل إیضاحها نقول:
إنّ اللام فی قوله: «للّه علیّ» یراد بها الغایه الّتی نتیجتها التقرب إلى اللّه سبحانه، ولکن اللام الثانیه فی قوله: «للنبی» للانتفاع وإهداء الثواب إلیه.
وعند ذلک کیف یکون هذا القول شرکاً وعباده للنبی (صلى الله علیه وآله وسلم) ، ونحن نرى مثل ذلک الاستعمال فی الذکر الحکیم، فتاره یذکر القرآن الکریم عن أُمّ مریم قولها:( إِنّی نَذَرْتُ لَکَ مَا فِی بَطْنِی مُحَرَّراً ) ( [۳]) ، وفی الوقت نفسه یذکر فی حکم الصدقات ویقول:( إِنّما الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساکینِ ) .( [۴])
وعلى ضوء ذلک فاللام فی قوله «للّه علیّ» مثل اللام فی قوله: ( إِنّی نَذَرْتُ لَکَ ) ، کما أنّ اللام فی قوله «للنبی» مثلها فی:( إِنّما الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَراءِ ) ، ولا أظن فی مَن تدبّر فیما ذکرنا أن یعتبر النذر للنبی شرکاً.
وقد ورد نظیر ذلک فیما صحّ عن سعد أنّه سأل النبی(صلى الله علیه وآله وسلم) قال: یا نبی اللّه انّ أُمّی افتلتت ] أی ماتت [ وأعلم أنّها لو عاشت لتصدّقت، أفإن تصدّقت عنها أینفعها ذلک؟
فقال(صلى الله علیه وآله وسلم) : نعم.
فسأل النبی: أی الصدقه أنفع یا رسول اللّه(صلى الله علیه وآله وسلم) ؟
قال : الماء. فحفر بئراً وقال: هذه لأُمّ سعد.( [۵])
فالمسلمون بعملهم هذا سعدیون لا وثنیون، لا یریدون عباده الموتى، بل یریدون إیصال الثواب إلیهم کما فعل سعد.
وأمّا الأمر الثالث ـ أعنی: السجود للنبی والأئمّه (علیهم السلام) ـ: فلا أقول فیه شیئاً إلاّ کونه على خلاف الواقع.
وأمّا ما ربما یشاهد من بعضهم السجود فی المشاهد، فما هو إلاّ سجود للّه شکراً له لتوفیقه لزیاره النبی وخلفائه.
وقد کان المترقب من المفتی العام أن لا ینسب شیئاً إلى أُمّه کبیره إلاّ أن یتحقّق منه بواسطه من یثق به.
وأمّا الأمر الرابع ـ أعنی: تقبیل القبور طلباً لشفاعتهم أو نفعهم لمن قبلها ـ: فهو تفسیر بما لا یرضى به صاحبه، إذ لیس التقبیل لغایه طلب شفاعتهم، بل لأجل التکریم والتعزیر، وأمّا طلب الشفاعه فهو أمر صحیح یقوم به کلّ من یعترف بأنّ النبی الأکرم هو الشفیع الأعظم، فیطلب منه الشفاعه بمعنى أنّه یطلب منه الدعاء کما کان یطلبه منه حیّاً، فإذا کان طلب الشفاعه بهذا المعنى فی حاله الحیاه جائزاً ولم یکن شرکاً، فهو کذلک بعد رحیله (صلى الله علیه وآله وسلم) ، إذ لا تختلف حقیقه الأمر بالحیاه والموت.
ثمّ إنّ الشیخ رتّب على هذه الأُمور الأربعه بأنّها الشرک الأکبر، وهو استنتاج باطل لا یقوم على دلیل، إذ کیف تکون هذه الأعمال عباده لهم مع أنّ العباده تتقوّم بعنصرین: أحدهما الاعتقاد بربوبیه من یدعوه، أو یستغیث به ولیس بین المسلمین من یعتقد بذلک.
وأمّا الاستشهاد بقوله تعالى: ( وَاعْبُدُوا اللّهَ وَلا تُشْرِکُوا بِهِ شَیْئاً ) ( [۶]) فهو فی غیر محلّه، لما عرفت من أنّه لیس کلّ تعظیم شرکاً، ولیس کلّ تکریم عباده لغیره سبحانه.
[۱] . النساء: ۳۶٫
[۲] . النساء: ۶۴٫
[۳] . آل عمران: ۳۵٫
[۴] . التوبه: ۶۰٫
[۵] . سنن أبی داود:۲/۱۳۰برقم ۱۶۸۱، باب فی فضل سقی الماء; السیره الحلبیه: ۲/ ۵۸۳٫
[۶] . النساء: ۳۶٫