تنصیب الإمام علی ( علیه السلام ) أمر مِنَ اللهِ تعالى

0

کانَ یَجلِسُ بَیْنَ أربَعِینَ رَجُلاً مِنْ رِجَالِ العَشِیرَهِ یَستَمِعُونَ إلى کَلامِ رَسُولِ اللهِ ( صلى الله علیه وآله ) بَعْدَ أنْ نَزَلَتْ عَلَیْهِ الآیَهُ الشَرِیفَهُ : ( وَأَنذِرْ عَشِیرَتَکَ الْأَقْرَبِینَ ) الشعراء : ۲۱۴ .
حِینَ کَانَ یَقُولُ لَهُمْ ( صلى الله علیه وآله ) : ( إنِّی أدْعُوکُمْ إلى کَلِمَتَینِ خَفیفَتَینِ على اللِّسانِ ، ثَقِیلَتَیْنِ فی المِیزانِ ، تَمْلِکُونَ بِهِما العَرَبَ وَالعَجَمَ ، وَتَنْقادُ لَکُمُ الاَُمَمُ ، وتَدْخُلُونَ بِهِمِا الجنَّهَ ، وتَنْجَونَ بِهِما مِنَ النّارِ ، وهُمَا شَهادَهُ أنْ لا إلهَ إلاّ اللهُ ، وأنّی رَسُولُ اللهِ .
فَمَنْ یُجِیبَنی إلى هذا الأمرِ ویُؤازِرُنی عَلَیهِ وعَلى القِیامِ بِهِ یکونُ أخِی وَوَصِیّی ووزِیرِی وَوارِثی وخَلیفَتی مِنْ بَعْدِی ) .
وما زالَ الرسولُ ( صلى الله علیه وآله ) یُکرِّرُ کَلامَهُ فَلَمْ یَسْمَعَ جَواباً مِنْ أحدٍ سِوى ذلِکَ الذِی کانَ یَجْلِسُ بَیْنَهُمْ ، وَرَغْمَ أنَّهُ کانَ أصْغَرُ الحَاضِرِینَ سِنّاً .
إلاّ أنَّهُ کُلّما سَمِعَ قَوْلَ رَسُولِ اللهِ ( صلى الله علیه وآله ) یَنهَضُ واقِفاً وبِکُلِّ ثِقَهٍ یَقُولُها : ( أنَا یَا رَسُولَ اللهِ أُؤازِرُکَ عَلى هذا الأمْرِ ) .
فَیَأمُرُهُ الرَّسُولُ ( صلى الله علیه وآله ) : ( اِجْلِسْ ) ، ثُمَّ یُعِیدُ ( صلى الله علیه وآله ) عَلى الحَاضِرِینَ قَوْلَهُ .
یا مَوْلایَ یا رَسُولَ اللهِ ، هَلْ تَنْتَظِرُ غَیْرَ هذا الفَتى وأنْتَ أعْلَمُ الناسِ بِهِ ؟! ألیْسَ هُوَ الّذی اختَرْتَهُ مِنْ بَیْنَ اخْوَتِهِ لِیَعِیشَ مَعَکَ وَلَمْ یَکُنْ عُمْرُهُ آنَذاک سِوى سِتِ سَنَواتٍ ؟! .
فَجَعَلْتَهُ یَنْشَأُ فی رِعایَتِکَ ، ویَشْرَبُ مِنْ یَنابِیعِ عِلْمِکَ ، کُنْتَ تَضُمُّهُ إلى صَدْرِکَ ، وتَمْضَغُ الطَعامَ ثُمَّ تَضَعُهُ فی فَمِهِ .
مَنْ غَیْرُهُ کانَ یَعْلَمُ بِکَ وأنْتَ تُجاوِرُ فی کلِّ سنه غارَ حِراء فَیَراکَ ولا یَراکَ غَیْرُهُ ؟! .
وهَلْ هُناکَ غَیْرُ هذا الفَتى الّذی شَمَّ رائِحَهَ النُّبُوَّهِ ، وَرَأى نُورَ الوَحْی والرِسالَهِ مُنْذُ نُعُومَهِ أظْفارِهِ ؟! وَأخَذَ العِلْمَ مِنْکَ حَتّى بادَرَکَ فی یَوْمٍ سائِلاً إیّاکَ بَعْدَ أنْ سَمِعَ رَنَّهً تنْسابُ إلى مَسامِعِهِ : ( یا رَسُولَ اللهِ ، ما هذِهِ الرَنَّهُ ؟! ) .
فَقُلْتَ لَهُ : ( هذا الشَیْطانُ قَدْ آیسَ مِنْ عِبادَتِهِ ، إنَّکَ تَسْمَعُ ما أسْمَعُ ، وتَرى ما أرى ، إلاّ أنَّکَ لَسْتَ بِنَبِیٍّ وَلکِنَّکَ وَزِیرٌ ) .
وَهَلْ غَیْرُهُ یا رَسُولَ اللهِ وَقَدْ شَهِدَ الحالهَ الرُوحِیّهَ الّتی کُنْتَ تَمُرُّ فِیها خِلالَ اختِلائِکَ فی غارِ حِراءِ ، حَتّى أیْقَنَ بِکُلِّ شَیءٍ فَلَمْ یَحْتَجْ أنْ تَدْعُوهُ إلى الإسلامِ ؟! .
وَهُوَ علیُّ بنُ أبی طالِبٍ ( علیه السلام ) الذی لَمْ تُصِبْهُ الجاهِلِیَّهُ بِشَیءٍ مِنْها ، ولَم یَتَفاعَلْ مَعَها ، فَقَدْ کانَ مُطَّلِعاً على أمْرِ دَعوَتِکَ ومنهجِ رِسالَتِکَ .
فَأعلنَ تَصدِیقَهُ بِکَ وأیقنَ حتّى قالَ : ( عَلَّمَنی رسولُ اللهِ ( صلى الله علیه وآله ) ألفَ بابٍ مِنَ العلمِ ، یُفتَحُ لی مِنْ کُلِّ بابٍ ألفُ بابٍ ) .
وأخیراً قالَها رسولُ اللهِ ( صلى الله علیه وآله ) لِعلیٍّ ( علیه السلام ) : ( اجلِسْ فَأنتَ أخی ، ووصیِّی ووزیرِی ، ووارِثی وخلیفَتِی مِنْ بَعدِی ) .
فنهضَ القومُ یُخاطِبونَ أبا طالبٍ ساخِرینَ : لِیهُنِئَکَ الیومُ أنْ دخلتَ فی دینِ ابنِ أخیکَ ، فقدْ جَعلَ ابنَکَ أمیراً عَلیکَ .
وَهَل غیرُ علیٍّ بنِ أبی طالبٍ ( علیه السلام ) الفتى الذی کَرّمَ اللهُ تعالى وجْهَهُ بِما لَمْ یُکرِّمْ بِهِ غَیرَهُ حتّى مِنَ الأنبیاءِ ، وذلکَ باستضافَهِ أُمّهِ فاطمهَ بنتِ أسد فی بیتهِ الشریفِ ، فدخَلَتْ لِتَضَعَهُ هُناکَ فَوَلَدتهُ حَسَنَ الوجهِ مَسروراً نظیفاً .
وأطعمَ اللهُ أمَّهُ مِنْ ثِمارِ الجنَّهِ وَهیَ ما تزالُ فی الدُّنیا ، وناداها : یا فاطمهُ سَمِّیهِ علیّاً إنّی شَقَقتُ اسْمَهُ مِنِ اسمی ، وأدّبتُهُ بأدبی ، وَوَقّفتُهُ على غامِضِ عِلمی ، فَطُوبى لِمَنْ أحَبَّهُ وأطاعَهُ ، وَوَیلٌ لمنْ أبغَضَهُ وَعَصاهُ ، وکلُّ ما جَعَلَهُ اللهُ تعالى من أمرِ علیٍّ ( علیه السلام ) منذُ لَحظهِ وِلادتِهِ فی بیتِهِ الشَّریفِ وإلى لَحظهِ دعوتِکَ یا رسولَ اللهِ ما کانَ إلاّ أن یَکونَ هو خلیفَتک ووزیرَک .
وتَمُرُّ الأعوامُ متعاقبهً حتّى جاءَ ذلِکَ الیومُ الموْعودُ ، ویا لَهُ مِنْ یومٍ ، فکانَ الجوُّ شدیدَ الحرارهِ فی ظهیرَهِ ذلِکَ الیومِ ، وکانَتْ آلافُ القوافِلِ عائدهً مِنَ الحَجِ مَعَ رسولِ اللهِ ( صلى الله علیه وآله ) ، وکانَتْ أقْدامُهُمْ تکتوَی مِنْ شدَّهِ حرارهِ الرّمالِ ، وتَلفَحُ وجُوهَهُمْ سمومُ الصحراءِ تحتَ لهبِ الشمسِ .
والأکثرُ منْ هذا هوَ ما کانَ یَختَلِجُ فی صدورِهِم ، فقدْ لَمَّحَ لَهُمْ رَسولُ اللهِ ( صلى الله علیه وآله ) أثناءَ مناسکِ الحَجِّ بما جَعَلَهُمْ یشعرُونَ بأنَّ هذهِ الحَجَّهُ هیَ آخرَ حَجّهٍ لهُ ( صلى الله علیه وآله ) .
فواصَلَتِ القَوافِلُ سیرَها حتّى وَصَلَتْ إلى مکانٍ تَتفرَّعُ منهُ طُرُقُ بُلدانِ الحُجّاجِ ، والّذی یُسمّى بغَدیرِ خُمٍّ .
وعندها سَمِعَ الناسُ صَوتاً یُنادیهِم ویدعُوهُم إلى التَوَقُّفِ ، فَنَظَرُوا خَلْفَهُم مُتسائِلینَ عَمّا یجری : مَا الّذی حَصَلَ فی هذا الوقتِ وفی هذهِ الظُروفِ ؟! فهناکَ أشخاصٌ یَعْمَلونَ على تَهْیئَهِ بَعْضِ الخِیامِ لِینصِبوُها فی أماکِنَ مُعَیَّنَهٍ .
إنَّهُمْ یَتساءَلُونَ ورُبَّما فی تِلکَ اللحظَهِ لا یَعلَمون أنَّ رسولَ اللهِ ( صلى الله علیه وآله ) لم یَفعلْ ذلِکَ رَغْبَهً مِنْهُ ، وإنَّما بأمرٍ مِنَ اللهِ عزَّ وجلَّ .
فنَزَلَ بهِ الأمینُ جبرائیلُ مُخاطِباً بهِ رسولَ اللهِ ( صلى الله علیه وآله ) : ( یَا أَیُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَیْکَ مِن رَّبِّکَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ یَعْصِمُکَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لاَ یَهْدِی الْقَوْمَ الْکَافِرِینَ ) المائده : ۶۷ .
ونُودِیَ لصلاهِ الظُهرِ ، فَصَلّى الرَسولُ ( صلى الله علیه وآله ) بِتِلْکَ الجمُوعِ الغَفیرَهِ وفی ذلِکَ الیومِ الذی کانَ یضَعُ فیهِ الرَجُلُ بعضَ رِدائِهِ فَوْقَ رَأسِهِ وبَعْضَهُ تَحْتَ قَدَمَیْهِ مِنْ شِدَّهِ الرَمضاءِ .
ولمّا سَلَّمَ الرَسولُ ( صلى الله علیه وآله ) مُنتَهیاً مِنْ صَلاتِهِ قامَ خَطیباً فوقَ أقتابِ الإبلِ ، وَسَطَ تِلکَ الجمُوعِ ، رافعاً صَوتَهُ لإسماعِهِم :
( الحمدُ للهِ ونَسْتعینُهُ ونُؤمِنُ بهِ ونَتَوَکَّلُ عَلَیهِ ، ونَعوذُ باللهِ مِنْ شُرورِ أنفُسِنا ومِنْ سَیّئاتِ أعْمالِنا ، الذی لا هادیَ لِمَنْ ضَلَّ ، ولا مُضِلَّ لِمَنْ هَدى .
یا أیُّها الناسُ ، قدْ نَبَّأنی اللطِیفُ الخبیرُ أنَّهُ لَنْ یُعَمَّرَ نَبیٌّ إلاّ مِثْلَ نصفَ عُمرُ الذی قَبْلَهُ ، وإنّی أُوشَکُ أنْ أُدعى فَأُجیبُ وإنّی مَسؤولٌ ، وأنْتُمْ مَسؤُولونَ ، فماذا أنْتُم قائلونَ ؟ ) .
قالوا : نشهدُ أنَّکَ قدْ بلَّغْتَ وجاهَدْتَ ونَصَحْتَ ، فَجزَاکَ اللهُ خیراً .
فقالَ ( صلى الله علیه وآله ) لَهُمْ : ( ألَسْتُمْ تشهَدُونَ أنْ لا إلهَ إلاّ اللهُ ، وأنَّ مُحمّداً عَبدُه ورسولُهُ ، وأنَّ جَنَّتَهُ حَقٌّ ، ونارَهُ حَقٌّ ، والموْتَ حَقٌّ ، والبَعثَ حَقٌّ ، وأنَّ الساعهَ آتِیهٌ لا رَیْبَ فِیها ، وأنَّ اللهَ یَبْعَثُ مَنْ فی القُبورِ ) .
فقالوا : نشْهَدُ بِذلِکَ .
فقالَ ( صلى الله علیه وآله ) : ( اللهُمَّ اشهَدْ ، یا أیُّها الناسُ ! إنَّ اللهَ مَوْلایَ ، وأنا مَوْلى المُؤمِنینَ ، أوْلى بِهِمْ مِنْ أنْفُسِهِمْ ) .
وقَدْ کانَ الإمامُ علیٌّ ( علیه السلام ) إلى جانبِهِ ، فأخَذَ بِیَدِهِ ورَفَعَها عالِیاً معَ یَدهِ ، حتّى شاهدَ الناسُ بَیاضَ إبْطَیْهِما .
وعندها نادى ( صلى الله علیه وآله ) رافعاً صوتَهُ : ( فَمَنْ کُنْتُ مَوْلاهُ فَهذا عَلیٌّ مَوْلاهُ ، اللّهُمَّ والِ مَنْ والاهُ وعادِ مَنْ عاداهُ ، وأحِبَّ مَنْ أحَبَّهُ وابْغُضْ مَنْ أبْغَضَهُ ، وانْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ واخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ ، وأدِرْ الحَقَّ معهُ حَیثُ دارَ .
یا أیُّها الناسُ ، إنّی فَرْطُکُمْ ، وإنَّکُمْ وارِدونَ عَلَیَّ الحوْضَ ، حَوْضٌ عَرْضُهُ ما بَیْنَ بصْرى إلى صَنْعاءَ ، فیهِ أقداحٌ بعدِدِ النُجومِ مِنَ الفِضَّهِ ، فَانْظُروا کیفَ تُخلِفُونی فی الثَّقَلَینِ .
إنّی سائِلُکُمْ عَنْهُما حینَ ترِدونَ عَلَیَّ الحَوْضَ ، الثقلُ الأکْبرُ کتابُ اللهِ تعالى طَرَفٌ مِنهُ بیدِ اللهِ تعالى والطَرَفُ الآخَرُ بأیدِیکُمْ ، فاستَمسِکُوا بهِ لَنْ تَضِلُّوا ، والثَقلُ الآخَرُ عِتْرَتی أهلُ بَیتی .
وأنَّ اللطیفَ الخبیرَ نَبَّأنی أنَّهُما لنْ یَفتَرِقا حتّى یَرِدا عَلَیَّ الحَوْضَ ، فلا تتقدَّموهُما فَتَهْلَکُوا ، ولا تُقَصِّروا عنْهُما فَتَهلَکُوا کذلِکَ ، ولِیُبَلِّغِ الشاهدُ مِنْکُمُ الغائبَ ) .
وشَهِدَ غَدیرِ خُمٍ فی تِلکَ السّاعَهِ عاطفهٌ خاصهٌ ، ونکههٌ لا یُمکنُ أن تُنسى وقائِعُها عِنْدَ البَشَرِ ، فَقَدْ جَاءَ هَذا التَّبلیغُ مُتزامِناً مَع عباراتِ الوَداعِ لِیبقى حیّاً فی ضَمیرِ الأمّهِ ووجدانِها وذاکرتِها .
فَتَقاطَرَ عَلیهِ الناسُ یُبایعُونَهُ ، وجاءَ أبو بکرٍ وعمرُ بنُ الخطّابِ إلى رسولِ اللهِ ( صلى الله علیه وآله ) ، وقالا له : أهذا الأمرُ مِنکَ أمْ مِنَ اللهِ ؟! .
فقالَ النبیُّ ( صلى الله علیه وآله ) : ( وَهَلْ یَکونُ هذا عن غَیرِ أمرِ اللهِ ) ؟! .
فتقدَّمَ عُمَرُ بنُ الخطابِ مِنْ أمیرِ المؤمنینَ علیٍّ ( علیه السلام ) وسَلَّمَ علیهِ قائلاً : السلامُ علیکَ یا أمیرَ المؤمنینَ ، بَخٍ بَخٍ لَکَ یا علیُّ ، لَقَدْ أصبَحتَ مَولایَ ومَولى کلِّ مؤمنٍ ومُؤمنهٍ .
وکذلِکَ فَعلَ أبو بکرٍ مِثلَ ما فَعَلَ عمرُ بنُ الخطّابِ أمامَ تلکَ الجُموعِ المحتَشِدَهِ .
وَرغْمَ کلِّ الذی حَصَلَ فی بیعهِ الغَدیرِ المبارکهِ مِنْ تأکیدٍ للرَّسولِ ( صلى الله علیه وآله ) على أنَّ الخِلافهَ لعلیٍّ بنِ أبی طالبٍ ( علیه السلام ) کانتْ أمراً مِنَ اللهِ تَعالى ، لا علاقهَ للرَّسولِ فی مَنْحِها رغبهً مِنْهُ لِصِلَهِ القرابَهِ بَیْنَهُ وبینَ علیٍّ بنِ أبی طالب ( علیه السلام ) ، إلاّ أنَّهُ یَعْلَمُ بِما سَیَحصَلُ بعدَ وفاتِهِ ( صلى الله علیه وآله ) .
وها هُوَ فی إحدى اللیالی یُنادی علیّاً وجماعهً مِنْ أصحابِهِ لِیَخرُجَ بِهمْ إلى البَقیعِ ، وَقَدْ کان یَشعُرُ بِتَدَهورِ حالتِهِ الصّحِیهِ ودِنوِ أجَلِهِ ( صلى الله علیه وآله ) ، فَوَقَفَ ( صلى الله علیه وآله ) بینَ القبورِ مُخاطباً موتى المؤمنین : ( السلامُ علیکُمْ یا أهلَ القبورِ ، لَیُهنِئَکُمْ ما أصبَحتُم بِهِ ممّا فیه الناسُ ، فَقَدْ أقبَلتِ الفِتَنُ کَقِطَعِ اللَّیلِ المُظلِمِ ، یَتْبَعُ أوّلُها آخرَها ) .
ثُمَّ استَغفَرَ لَهُم طویلاً ونَعى نفسَهُ لِمنْ کانَ حاضِراً مِنَ المؤمنینَ .
کانَ الرسولُ ( صلى الله علیه وآله ) وسلم قَدْ أمَرَ بتجهیزِ جَیشٍ وَضَعَ فی عِدادِهِ شیوخَ المُهاجرینَ والأنصارِ أبا بکر وعمرَ بنَ الخطّابِ وعثمانَ بنَ عفّانِ وغَیرَهُم ، وَوَضَعَ لِقیادِه الجیشِ الصحابیَّ الشابَّ أُسامهَ بنَ زیدِ بنِ حارثهٍ الحارث ، وفی الوقتِ الذی کانَ الرسولُ ( صلى الله علیه وآله ) یُعانی مِنْ شِدَهِ مَرَضِهِ اعتَذَرَ عمرُ بنُ الخطّابِ وأبو بکرٍ وعثمانُ عن التِحاقِهِمْ بِجَیشِ أُسامهَ .
رغمَ أنَّ الرسولَ ( صلى الله علیه وآله ) کانَ قَد قالَ ساعتَها : ( لَعَنَ اللهُ مَنْ تَخلَّفَ عَنْ جیشِ أُسامهَ ) .
زاعمینَ بِذلِکَ أنَّهم لا یَستطِیعونَ مُفارَقهَ رسُولِ اللهِ ( صلى الله علیه وآله ) وَهُوَ فی أشدِّ حالاتِ مَرَضِهِ .
ولکِنْ حِینَ سَقَطَ رأسُ الرسولِ ( صلى الله علیه وآله ) فی حِجْرِ علیٍّ بنِ أبی طالب ( علیه السلام ) وَفاضَتْ نَفسُهُ الطاهرهُ خَرَجَ هؤلاءِ الثَّلاثَهُ تارِکِینَ أمرَ رسولِ اللهِ ( صلى الله علیه وآله ) ، وتَوجَّهُوا إلى سَقیفَهِ بنی ساعِدَهَ لِعقدِ اجتماعٍ لِتَنصِیبِ مَنْ یُخلِفُ رسولَ اللهِ ( صلى الله علیه وآله ) فی قِیادهِ المسلمینَ .
مُتجاهِلینَ بِذلِکَ کلامَ رسولِ اللهِ ( صلى الله علیه وآله ) وکلَّ ما حدَثَ فی بیعهِ الغدیرِ التی لَمْ یَمضِ عَلیها وقتٌ طویلٌ ، وبِهذا یکونونَ قَد بَرهَنُوا على تَخلُّفِهِم عَنْ تِلکَ البیعهِ المبارَکهِ فی غدیرِ خُمٍّ .
وحَسبُنا کلامُ رسولِ اللهِ ( صلى الله علیه وآله ) مُخاطِباً علیّاً ( علیه السلام ) : ( یا علیُّ لا یَحبُّکَ إلاّ مؤمنٌ ، ولا یَبغُضُکَ إلاّ منافقٌ أو ابنُ زِنا ) .
وهُناکَ تَحتَ تِلکَ السقِیفَهِ المشؤُومَهِ بادَرَ عمرُ بنُ الخطّابِ إلى بیعهِ أبی بکرٍ بالخِلافَهِ ، وَطَلَبَ مِنَ الحاضرِینَ أنْ یُبایِعُوهُ .
وَقَدْ وَصَلَ النبأ إلى مَسامعِ الإمامِ علیٍّ ( علیه السلام ) مِن خِلالِ الضجیجِ الذی أحدَثَهُ خُروجُ القَومِ مِنَ السقِیفَهِ مُتَوَجّهِینَ إلى المْسجِدِ النبوَی ، وَهُمْ یَزِفُّونَ أبا بکرٍ کَزفافِ العروسِ فی نفسِ الوَقتِ الذی کانَ فِیهِ الإمامُ علیُّ بنُ أبی طالبٍ ( علیه السلام ) مشغولاً مَع بقیهِ أهلِ بیتِ النُبوهِ ( علیهم السلام ) بتَجهِیزِ الرسولِ الأکرمِ نبیِّنا محمدٍ ( صلى الله علیه وآله ) ، وتغسیلِهِ وتَکفِینِهِ والصلاهِ علیهِ ودَفنِه .
ولِعَدَمِ قناعهِ الإمامِ علیٍّ ( علیه السلام ) بِما یَجری فَقَدْ ظَلَّ مُؤمناً بحقِّهِ فی الخِلافَهِ مُدافِعاً عن الإسلامِ والمسلِمِینَ ، مُتصدِیاً لِحلِّ المُعضَلاتِ ، مُتحمِلاً الآلامِ ، صابِراً .
وبقی ( علیه السلام ) کذلک حتى خرجَ أشْقاها لیُخَضِّبَ کریمتهُ المقُدَّسَهَ ، ولیَثکِلَ الأمّهَ الإسلامیهَ کلَّها بِهِ ، وکانَ ذلِکَ فی لَیلَهِ التاسعَ عَشَرَ مِنْ شِهْرِ رمضانَ سنهَ ( ۴۱ هـ ) .

Leave A Reply

Your email address will not be published.