العدل الاِلهی والعقوبه الاَُخرویه

0

لقد وقعت العقوبات الاَُخرویه ذریعه لاِنکار عدله، حیث یقولون ما هو الغرض من العقوبه، فهل هو التشفّی الذی جاء فی قوله سبحانه:(وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِیِّهِ سُلْطاناً فَلا یُسْرِفْ فِی الْقَتْلِ إنّهُ کانَ مَنْصُوراً)(۱)واللّه سبحانه منزّه من هذا الغرض لاستلزامه طروء الانفعال على ذاته.
أو الغرض من العقوبه الاَُخرویه هو اعتبار الآخرین، الذی یشیر إلیه سبحانه فی قوله:(الزّّانِیَهُ والزّانِی فَاجْلِدُوا کُلَّ واحِدٍ مِنْهُمَا مِائَهَ جَلْدَهٍ وَلا تَأْخُذْکُمْ بِهِما رَأْفَهٌ فِی دِینِ اللّهِ إِنْ کُنْتُمْ تُوَْمِنُونَ بِاللّهِ وَ الیَوْمِ الآخِرِ ولیَشْهَدْ عَذابَهُمَا طائِفَهٌ مِنَ المُوَْمِنِینََ).(۲)
ومن المعلوم أنّ تلک الغایه تختص بالدنیا التی هی دار التکلیف ولا توجد فی دار الجزاء، أعنی: الآخره .
والجواب: انّ السوَال عن الغایه وانّها هل هی التشفِّی أو اعتبار غیره، إنّما
_____________________
(۱)الاِسراء: ۳۳٫
(۲)النور: ۲٫
(۷۴)
یتوجه إلى العقوبات المفروضه عن طریق التقنین والتشریع، فالتعذیب فی ذلک المجال رهن إحدى الغایتین: التشفّی أو الاعتبار.
وأ مّا إذا کانت العقوبه أثراً وضعیّاً للعمل فیسقط السوَال، لاَنّ هناک ضروره وجودیه بین وجود المجرم والعقوبه التی تلابس وجودَه فی الحیاه الاَُخرویه، فعند ذلک لا یصحّ السوَال عن حکمه التعذیب، وإنّما هی تتوجه إلى التعذیب الذی یمکن التفکیک بینه و بین المجرم کالعقوبات الوضعیه.
وأمّا إذا کانت العقوبه من لوازم وجود الاِنسان الاَُخروی، فالسوَال عن التعذیب، ساقط جداً.
توضیح ذلک : انّ الاِنسان إنّما یحشر بذاته وعمله، وعمله لازم وجوده وکلّ ما اقترف من الاَفعال فله وجود دنیوی، یتجلّى باسم الکذب والنمیمه،وله وجود أُخروی یتجلّى بالوجود المناسب له، فهکذا أعماله الصالحه فلها صوره دنیویه، باسم الاَذکار، وصوره أُخرویه تناسب وجود الاِنسان فی هذا الظرف.
فالصوم هنا إمساک، وفی الحیاه الاَُخرویه جُنَّه من النار، وهکذا سائر الاَعمال من صالحها وطالحها، فلها وجودان : دنیوی وأُخروی ، وإلیک ما یدلُّ على ذلک فی القرآن الکریم.
یقول سبحانه: (إِنّ الّذینَ یَأْکُلُونَ أَموالَ الیَتامى ظُلْماً إِنَّما یَأْکُلُونَ فی بُطُونِهِمْ ناراً) .(۱)
ویقول سبحانه: (وَلا یَحْسَبَنَّ الّذینَ یَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَیْراً لَهُمْ بَلْهُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَیُطَوَّقُونََ ما بَخِلُوا بِهِ یَومَ القِیامه) .(۲)
____________
(۱)النساء: ۱۰٫
(۲)آل عمران: ۱۸۰٫
(۷۵)
وقال سبحانه: (یَومَ یُحْمى عَلَیْها فی نارِ جَهَنَّمَ فَتُکْوَى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما کَنَزْتُمْ لاََنْفُسِکُمْ فَذُوقُوا ما کُنْتُمْ تَکْنِزُون) .(۱)
على أنّتعذیب المجرم وإثابه المحسن مظهر من مظاهر عدله، فلو لم یعاقب المجرم تلزم تسویه الموَمن والکافر، یقول سبحانه: (أَفَنَجْعَلُ المُسْلِمینَ کالمُجْرِمینَ* ما لَکُمْ کَیْفَ تَحْکُمُون) (۲) ویقول أیضاً: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناکُمْ عَبَثاً و أنَّکُمْ إِلَیْنا لا تُرجَعُون) .(۳)
* شبهه عدم التعادل بینالجریمه و العقوبه
وربما یقال کیف یصحّ الخلود الدائم مع کون الذنب منقطعاً، وهل هذا إلاّ نقض للمساواه المفروضه بین الجریمه و العقوبه ؟!
والجواب عن الشبهه بوجهین:
الاَوّل: انّه لم یدل دلیل على وجوب المساواه بین الجرم والعقوبه من حیث الکمِّیه، بل المراد المساواه فی الکیفیه أی عظمه الجرم، فربما یکون الجرم آناً واحداً وتتبعه عقوبه دائمه، کما إذا قتل إنساناً وحکم علیه بالحبس الموَبد.
فالاِنسان المقترف للذنوب وإن خالف ربه فی زمن محدد، لکن آثار تلک الذنوب ربما تنتشر فی العالم.
الثانی: قد عرفت أنّ العذاب الاَُخروی تجسید للعمل الدنیوی وهو المسوَول عمّا اقترفه.
وقد عرّفه سبحانه نتیجه عمله فی الآخره وانّ أعماله المقطعیه سوف تورث
_______________________
(۱)التوبه: ۳۵٫
(۲)القلم: ۳۵ ـ ۳۶٫
(۳)الموَمنون: ۱۱۵٫
(۷۶)
حسره طویله أو دائمه، وأنّ عمله هنا سیتجسَّد له فی الآخره، أشواکاً توَاذیه أو وروداً تطیبه، وقد أقدم على العمل عن علم واختیار، فلو کان هناک لوم فاللوم متوجه إلیه، قال سبحانه حاکیاًعن الشیطان: (وَقالَ الشَّیْطانُ لَمّا قُضِیَ الاَََمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَکُمْ وَعْدَ الْحَقِّّوَوَعَدْتُکُمْ فَأخْلَفْتُکُمْ وَما کانَ لِی عَلَیْکُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاّ أَنْ دَعَوْتُکُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِی فلاَ تَلُومُونِی وَ لُومُوا أَنْفُسَکُمْ ما أَنا بِمُصْرِخِکُمْ وَ ما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِیِّ إنّی کَفَرْتُ بِما أَشْرَکْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إنَّ الظّالِمِینَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِیمٌ) .(۱)
و فیما مرّ من الآیات التی تعد الجزاء الاَُخروی حرثاً للاِنسان تأیید لهذا النظر، على أنّمن المحتمل أنّالخلود فی العذاب مختص بما إذا بطل استعداد الرحمه وإمکان الاِفاضه، قال تعالى: (بَلى من کَسَبَ سَیِّئَهً وأحاطَتْ بِهِ خَطِیئَتهُ فَأُولئِکَ أَصحابُالنّارِ هُمْ فِیها خالِدُون) .(۲)
ولعلّ المراد من قوله: (وأحاطت به خطیئته) إحاطتها به إحاطه توجب زوال أیَّه قابلیه واستعداد لنزول الرحمه، والخروج عن النقمه.
وکیف کان فتظهر صحّه ما ذکرنا إذا أمعنت النظر فیما تقدم فی الجواب عن السوَال الاَوّل وهو أنّ الجزاء إمّا مخلوق للنفس أو یلازم وجود الاِنسان وفی مثله لا تجری شبههالتعادل بینالجریمه والعقوبه کما هو واضح.
تمّ الکلام فی الاَصل الاَوّل من أُصول المذهب، أعنی: العدل الاِلهی ورکّزنا البحث فیه على الموضوعات التی تطرقت إلیها الآیات القرآنیه. ومن أراد التبسیط فلیرجع إلى الکتب المفصَّله فی هذا الصدد.
_____________________
(۱)إبراهیم: ۲۲٫
(۲)البقره: ۸۱٫

Leave A Reply

Your email address will not be published.