دور الصبر فی حیاه الإنسان
قال الرسول الأعظم (صلى الله علیه وآله): (الصبر رأس الإیمان). وقال (صلى الله علیه وآله): (الصبر نصف الإیمان). الإیمان نصفان، نصفه الصبر ونصفه الآخر الشکر. وهما وصفان من صفات الله تعالى فهو الصبور وهو الشکور. فالجهل بحقیقه الإیمان یعنی الغفله عن أوصاف الرحمن.
الصبر من الإیمان کمنزله الرأس من الجسد، وقد وصف الله الصبر فی أکثر من سبعین آیه.
وأفضل درجات الصبر هو الصبر على الصبر.
(وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّهً یَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا) السجده / ۲۴٫
(وَتَمّتْ کَلِمَتُ رَبّکَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِی إِسْرَائِیلَ بِمَا صَبَرُوا) الأعراف/ ۱۳۷٫
(وَلَنَجْزِیَنّ الّذِینَ صَبَرُوا أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا کَانُوا یَعْمَلُونَ) النحل/ ۹۶٫
(أُولئِکَ یُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَرّتَیْنِ بِمَا صَبَرُوا…) القصص/۵۴, وغیرها من الآیات الکریمه.
فالصبر هو حاصل صراع بین باعث الدین وباعث الهوى، وبتعبیر آخر هو غلبه ذات الدین على ذات الهوى، ومیدان الصراع هو القلب، ومدد باعث الدین هم الملائکه الناصرون لحزب الله، ومدد باعث الهوى هم الشیاطین الناصرون لأعداء الله.
أقسام الصبر:
یقسم علماء الأخلاق الصبر إلى أربعه أقسام:
۱ ـ صبر الأبدان: کتحمل المشاقّ الجسدیه.
۲ ـ صبر الأفعال: کتعاطی الأعمال الشاقه من العبادات.
۳ ـ صبر الاحتمال: هو تحمل أعراض وآلام الأمراض أو الجراحات الهائله.
۴ ـ صبر النفس: هو صبر الطبع والهوى.
للصبر مسمیات کثیره:
فصبر الفرج والبطن یسمّى (عفه) وضده (المبطان).
وصبر على المصائب یسمّى (قوه قلب) وعکسه (الجزع).
والصبر فی الغنى یسمّى (ضبط النفس) وضده (البطر).
والصبر فی الحرب یسمّى (شجاعه) وعکسه (الجبن).
والصبر على کظم الغیظ یسمّى (حلماً) وعکسه (الغضب والتذمر).
والصبر على نوائب الزمان یسمّى (سعه صدر) وعکسه (ضیق الصدر).
والصبر على عدم الکلام یسمّى (کتم السر) وعکسه (الإذاعه أو الهذر).
والصبر على ملذات الدنیا یسمّی (زهداً) وعکسه (الحرص).
والصبر على الرزق القلیل یسمّى (قناعه) وعکسه (الشره).
إذاً الصبر هو جامع أخلاق الإیمان، والإیمان هو الصبر.
مراتب الصبر:
یقسم علماء الأخلاق الصبر إلى مراتب سنوضحها إنشاء الله:
۱ ـ الصبر عن الرکون إلى ما یوافق الهوى: من الصحه والسلامه والمال وکثره العشیره وإتباع الأسباب، لأن الصبر فیها هو معلمٌ من معالم الإیمان، والانهماک فیها یؤدی إلى الطغیان وإلى الانحراف.
۲ ـ الصبر على طاعه الله سبحانه: وهو من الصبر الشدید، لأن النفس تنفر العبودیه وتشتهی الربوبیه، والصبر على العبودیه واستحضار حاله الطاعه المطلقه لله تعالى هو لازمٌ قبل العمل وحاله وبعده حتى یتمکن العبد من إحساس العبودیه المطلقه له سبحانه, فالصبر قبل العمل هو تصحیح النیه لتکون خالصه لوجهه الکریم، وأما حال العمل هو عدم الغفله عن ذکر الله واستحضار عبودیه العبد له سبحانه وإبعاد حاله الریاء، وأما بعد العمل هو تغیب العُجب وغیره مما یُفسد الأعمال.
۳ ـ الصبر عن المعصیه: والمعصیه هی الانحطاط الخُلُقی وغیاب الدین وسیطره الهوى, کممارسه الغِیبه بصوره مستمره، أو الکذب أو البهتان حتى تکون عاده طبیعیه ثابته, وإذا تفاعلت مع الشهوات الأخرى یکون معها تظاهر جنود الشیطان على جند الله، وکلما کان الذنب ألذ على النفس کان الصبر علیه أقوى والصبر عنه أصعب.
۴ ـ الصبر على المکاره: کالصبر على فقدان الأحبه والصبر على الفقر والصبر على المرض والصبر على غیرها من أحوال الدنیا وأهوالها، کل هذا یعدُّ من الصبر العظیم إذا کان لم یصاحبه الجزع أو المعصیه, ویکون جزاؤه هو صلوات ورحمه من الله تعالى لهم.
إن صبر العبد على طاعه الله، سبحانه وصبره عن معصیه الله تعالى، وصبره على المصائب یرتب له الأجر العظیم ودخول الجنه جزاءً کما وعد الله سبحانه عباده الصابرین.
أحکام الصبر:
الصبر ینقسم إلى أربعه أنواع:
۱ ـ الصبر الواجب: هو صبرٌ عن معصیه الله تعالى، فالمهاجر من هجر السوء والمجاهد من جاهد هواه.
۲ ـ الصبر المستحب: هو الصبر على المکروهات.
۳ ـ الصبر المکروه: هو الصبر على أذى ینال العبد من دون تجنبه والابتعاد عنه.
۴ ـ الصبر المحرم: هو الصبر على أذى الظالمین، والسکون عن مقارعه الظالمین، والصبر على تجاوز الظالمین على أهله وعیاله وأبناء أمته.
جزاء الصابرین على طاعه الله:
۱ ـ فی الصبر تزکیه النفس.
۲ ـ فی الصبر القرب من الله تعالى.
۳ ـ فی الصبر العزه للإنسان المؤمن فی الدنیا والآخره.
۴ ـ فی الصبر الجزاء الأوفى: (وَالْمَلائِکَهُ یَدْخُلُونَ عَلَیْهِم مِن کُلّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَیْکُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ) الرعد/۲۳ـ ۲۴٫
مقامات الصبر:
أهل الصبر ثلاث:
۱ ـ صبر العوام: وهو إظهار الثبات والبشاشه وترک الشکوى إلى الناس حتى یقول عنه الناس انه صبور، وهو صبر الذین یعملون ظاهراً من الحیاه الدنیا وهم عن الآخره هم غافلون.
۲ ـ صبر الزهاد والمتّقین: وهو صبر من یرید رحمه الله ونیل الدرجات الرفیعه فی الآخره (إِنّمَا یُوَفّى الصّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَیْرِ حِسَابٍ) الزمر/ ۱۰٫
۳ ـ صبر العارفین والصدیقین: وهم الذین صبروا حباً وعشقاً لمولاهم العلی القدیر, فهم الصابرون صبراً جمیلاً.
جعلنا الله وجمیع المؤمنین والمؤمنات من العارفین ورزقنا صبر الصادقین.