النبی یباهل النصارى بآله أفضل الخلق (ص)

0

وفی هذا الیوم أخاطب اثنین من أئمه التفسیر السنیین، هما الفخر الرازی الذی ذکر هذا الحدیث فی تفسیره فی الجزء الثامن صفحه ثمانین فی المسأله الثانیه، وإمام مفسریهم الزمخشری الذی طرح نفس الموضوع الذی بحثه الفخر الرازی ، وکذلک البیضاوی الذی ذکر الموضوع باختصار شدید.
ومن أئمه الحدیث عندهم ، رواه مسلم ، والترمذی ، وابن منذر ، والحاکم النیشابوری ، وجلال الدین السیوطی.
فقد اتفقت کلمه أئمه التفسیر والحدیث على ما أقوله الیوم ، وخلاصته :
أن النبی (صلى الله علیه وآله) عندما خرج للمباهله مع نصارى نجران ، خرج فی ذلک الیوم الموعود وعلیه مرط أسود ، وبعد أن أقام علیهم الحجه بالبرهان العلمی القاطع بالوحی وقوله تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِیسَى عِنْدَ اللهِ کَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ کُنْ فَیَکُونُ). (سوره آل عمران: ۵۹ ) ، بعد هذا وصل الأمر الى المواجهه والمباهله! وستتضح حقیقه المباهله من قول رأس النصارى الذی سیأتی . .
المطلب عندکم واضح لکن نتعرف على روایه السنیین فی آیه المباهله ، وما نذکره من أتقن الروایات التفسیریه والحدیثیه .
خرج رسول الله وعلیه مرط أسود، وقد حمل الحسین على صدره واحتضنه !
لقد کان الإمام الحسین فی ذلک الوقت فی سن یستطیع أن یمشی ، لکن لأمر ما خرج النبی (صلى الله علیه وآله) بهذه الصفه: محتضناً الحسین، آخذاً بید الحسن یجره الى جانبه.. لاحظوا تعبیر النص بدقه..
النبی (صلى الله علیه وآله) فی الإمام محتضناً الحسین، آخذاً بید الحسن، وخلفه فاطمه الزهراء ، وخلفها علی بن أبی طالب (علیهم السلام)!
إنه نفس النبی الذی قال فیه الله تعالى وَمَا یَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (سوره النجم: ۳) والذی لا ینطق عن الهوى لا یفعل عن الهوى!
إنه نفس النبی الذی یقول فیه الله تعالى: (وَمَاآتَاکُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاکُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِیدُ الْعِقَابِ) (سوره الحشر: ۷ ) ونفس النبی الذی سنته لیست فقط قوله، بل سنته قوله وفعله وتقریره.. وکل حرکاته وسکناته سنه.. کل أطواره وأحواله سنه.. وکل ما یرتبط بمقام ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَکَانَ قَابَ قَوْسَیْنِ أَوْ أَدْنَى. (سوره النجم ۸-۹ )
إنه خلاصه العالم ، والنبی الخاتم، وجوهر الوجود ، والشخص الأول فی عالم الکون .
إن شخصاً من هذا النوع ، النظره الواحده منه عالم من الحکمه ، وکل عمل منه ربیع ملئ بالمعرفه ، وعندما یکون هو فی المقدمه وفاطمه خلفه ، وعلی خلفهما ، فهذا عمل له معنى ، ومعناه: أن فاطمه هی البرزخ بین النواه الکبرى والولایه العظمى.. ومعناه أن فاطمه فیها جنبه القطب والمحور ، ولها موقع المرکزیه بین مقام الوحی الأعظم وتبلیغ الوحی ، وبین مقام تفسیر الوحی فأمام فاطمه النبی وتبلیغ الوحی ، ووراءها تفسیر الوحی.
هذه فاطمه الزهراء ، هذه مجهوله القدر عند جمیع العوالم ، هکذا خرج رسول الله (صلى الله علیه وآله)الى المباهله ، فماذا کان التأثیر ، وماذا حدث؟!
عندما جاء رئیس أساقفه نجران فی وفد علماء النصارى وشخصیاتهم ، ورأى هذا المنظر، لم یملک نفسه أن قال: (والله إنی لأرى وجوهاً لو أقسمت على الله أن یزیل الجبال لأزالها من مواضعها) .
وجوهاً إذا حرکت شفاهها بالدعاء..أو مدت أیدیها الى السماء.. لامتلأ الوادی على وفد النصارى ناراً ، ولما بقی نصرانی على وجه الأرض !!
یا لیت أن فهم هذا الأسقف النصرانی کان توأماً مع نقل الفخر الرازی !
لکن مع الأسف فإنا نرى نقل الحدیث من الفخر الرازی ، بینما درایته من الأسقف النصرانی ! وهذا بحد بذاته مصیبه کبرى !
قال الأسقف النصرانی لقومه یجب أن نعمل بکل وسیله لکی لا یرفع هؤلاء أیدیهم بالدعاء!
وکان النبی (صلى الله علیه وآله) قال لفاطمه وعلی والحسن والحسین: (إذا دعوت فأمِّنوا)!
إلتفتوا الى هذه الکلمه، ما معنى هذه الجمله أیها الفخر الرازی؟ أیها الزمخشری؟ أیها البیضاوی؟ معناها أنه: أن النبی یقول عملی تطبیق لأمر الوحی بقوله تعالى: (فَمَنْ حَاجَّکَ فِیهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَکَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَکُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَکُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَکُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَىالْکَاذِبِینَ). (سوره آل عمران:۶۱) حیث أوجب عز وجل أن یجتمع هؤلاء ، ولذا قال لهم النبی: إذا دعوت فأمِّنوا .
ومعنى هذا أن دعائی بصفتی خاتم النبیین مقتض ، لکن شرط فعلیه اقتضاء المقتضی أنفاس فاطمه الزهراء ، فلا بد أن ینضم تأمینها الى دعائی! هکذا قرر الوحی ، وهکذا قررت السنه هنا: أن دعاء الزهراء شرط لدعاء النبی (صلى الله علیه وآله) والمقتضی محال أن یؤثر بدون شرطه! ففی هذا المقام مقام مباهله النبی (صلى الله علیه وآله) مع النصارى لابد مع رفع النبی یدیه نحو السماء أن ترتفع معه أیدی أربعه آخرین حتى یستجاب الدعاء ویتحقق المطلوب !!
وما دام الأمر هکذا ، فیا ترى من هو علی؟ ومن هی فاطمه؟ ومن هو الحسن بن علی؟ ومن هو الحسین بن علی؟!!
إن قیمه الحدیث لیس بروایته ، بل بدرایته ، والأساس فی الدین هو التفقه فیه ، والکمال کل الکمال فی التفقه والدرایه لا بالروایه. وحقیقه التفقه أن تتعمق فی کل الأفعال والأقوال والخصوصیات ، ثم تستنتج.
نفس ذلک النبی الذی (وَمَا یَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى) ولایفعل عن الهوى ، خرج فی هذا الوضع! فلما رآه أسقف النصارى قال: ( والله إنی لأرى وجوهاً لو شاء الله أن یزیل جبلاً من مکانه لأزاله بها، فلا تباهلوا فتهلکوا ولا یبقى على وجه الأرض نصرانی الى یوم القیامه ! (الکشاف:۱- ۳۶۹ دار البلاغه ط. ثانیه) فلیت الفخر الرازی والزمخشری أعطیا فقه ذلک الأسقف النصرانی وإنصافه !
ثم تأملوا فیما قاله الزمخشری بعد أن نقل قضیه المباهله ، فی سبب تقدیم الأبناء والنساء فی آیه المباهله: (فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَکُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَکُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَکُمْ…) قال: (وقدمهم فی الذکر على الأنفس لینبه على لطف مکانهم وقرب منزلتهم، ولیؤذن بأنهم مقدمون على الأنفس مفدون بها. وفیه دلیل لا شئ أقوى منه على فضل أصحاب الکساء، وفیه برهان واضح على صحه نبوه النبی(ص) ) (الکشاف:۱/۳۷۰)
وبذلک اعترف الزمخشری بأن فاطمه والحسن والحسین مفدون بنفس النبی (صلى الله علیه وآله) وکذلک قال البیضاوی إن فی الآیه دلیلین على نبوه النبی (صلى الله علیه وآله) وعلى فضیله أهل الکساء (علیهم السلام).
أما الفخر الرازی فقال:وکان رسول الله خرج وعلیه مرط أسود وکان قد احتضن الحسین وأخذ بید الحسن وفاطمه تمشی خلفه وعلی رضی الله عنه خلفهما ، وهو یقول: إذا دعوت فأمِّنوا ، فقال أسقف نجران.. الى آخر ما ذکره الزمخشری ، ثم ذکر الرازی روایه حدیث الکساء وقال: واعلم أن هذه الروایه کالمتفق على صحتها بین أهل التفسیر والحدیث . (تفسیر الفخر الرازی: ۷/۸۵ )
حسناً، لقد اعترفوا کلهم بهذا المقام العظیم لهؤلاء العظماء الذین یفدیهم النبی بنفسه !
وهنا نوجه سؤالنا الى الزمخشری رجل التفسیر ، والى الفخر الرازی رجل العقل والفلسفه ، صاحب التفسیر وشرح الإشارات والمباحث المشرقیه ، الى من یشبههما من أهل الدقه والتعمق من علماء السنه أمثال البیضاوی والحاکم والسیوطی، فقد رووا کلهم واعترفوا أن الله تعالى أظهر للعالم فی آیه المباهله أنه لا یوجد على وجه الأرض أقرب الیه بعد النبی (صلى الله علیه وآله) من هؤلاء الأربعه ، فهؤلاء الذین یستطیعون أن یرفعوا أیدیهم بالدعاء ویدعوا ، فیستجیب الله لهم مهما دعوا !
سؤالنا: لقد اعترفتم بأن هذه الأیدی ترتفع فتدعوا فیستجیب الله ، فهل یمکن أن ترتفع إلا عن عقل معصوم وقلب معصوم؟!
هل فهمتم أن الکلم الطیب الذی یصعد حتماً الى الله تعالى ولا یرد ، لا یمکن أن یکون إلا من معصوم: (إِلَیْهِ یَصْعَدُ الْکَلِمُ الطَّیِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ یَرْفَعُهُ) (سوره فاطر: ۱۰ ) وأنه لایمکن أن یصعد من قلب أبی بکر وعمر ، ولا من قلب سلمان وأبی ذر ، فیصل حتماً الى درجه: (وَإِنْ مِنْ شئ إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ). (سوره الحجر: ۲۱) ، بل لابد أن یصعد من قلب علی، أو قلب فاطمه، أو الحسن، أو الحسین (علیهم السلام)؟!!
وسؤالنا: مادام الأمر کذلک، فما حکم الذی استحل قتل هؤلاء وشرع فی إحراق البیت علیهم ، من أجل تثبیت خلافه اعترف أنها (فلته) ؟!!
لقد کتبوا جمیعاً من الزبیر بن بکار وابن قتیبه ، الى محمد فرید وجدی فی دائره معارفه ، أن عمر جاء الى باب بیت علی (علیه السلام)فقال: یاعلی أخرج فبایع ، وإلا أحرقت علیکم هذا البیت بمن فیه! فبالله علیکم من الذین کانوا فی البیت؟!! ألیس من حق الإنسان أن یبکی دماً هنا ؟!
أیها الفخر الرازی ، أیها القاضی البیضاوی ، أیها الزمخشری ، یا جلال الدین السیوطی.. أنتم رجال فَهْم ، فلماذا نراکم هنا لم تفهموا القضیه؟! لماذا لم تفهموا حکم هذا الشخص الذی جاء الى هذا البیت وقال یا علی أخرج وبایع وإلا حرقت علیکم الدار بأهلها ؟!
قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّهُ الْبَالِغَهُ ! قیل لعمر: إن فی البیت فاطمه! وفی ذلک معنى کبیر، یعنی داخل هذا البیت تلک التی قال فیها النبی (صلى الله علیه وآله) (من آذاها فقد آذانی ومن آذانی فقد آذى الله) ! وکتبوا کلهم أن عمر قال: وإن.. وإن !!
بالله علیکم أی بیعه هذه التی دفع ثمنها کل شئ ، وهاجم من أجلها بیت آل النبی (صلى الله علیه وآله)وکان مستعداً لإحراقه على من فیه؟! إنها تلک البیعه التی قال عنها هو نفسه: (کانت بیعه أبی بکر فلته وقى الله المسلمین شرها) !
قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّهُ الْبَالِغَهُ علىکل العالم ، نفس الشخص الذی جاء لیحرق بیتاً فیه فاطمه وعلی والحسن والحسین (علیهم السلام)، نفسه قال کما فی البخاری بیعه أبی بکر کانت فلتهً – أی غلطاً وخطیئهً – وقى الله الأمه شرها !!
أیها الرجل، إذا کانت حقیقه بیعتکما هذه باعترافک، فلماذا دفعت من أجل تثبیتها هذا الثمن الباهض من الإسلام ومستقبل الأمه، ومن دینک أنت ؟!!
أیها العلماء السنیون.. هذا الرجل قائل تلک الکلمه إن کان عاقلاً فإن إقرار العقلاء على أنفسهم جائز ! وقد أقر أنه من أجل الفلته والغلطه جاء لیحرق فاطمه الزهراء وبعلها وبنیها (علیهم السلام)! ترى ، هل یوجد مظلوم فی العالم أکثر من هذه الحره ؟! وهل توجد مصیبه أعظم من هذ ه المصیبه ؟!!
إن قدر فاطمه مجهول عند أهل الأرض، وظلامتها أیضاً ، وسوف لا یعرف مقامها حتى یکون یوم المحشر ، فیظهر الله ظلامتها ومقامها العظیم !
والله إن قدر فاطمه الزهراء مجهول فی کل العالم ، وإذا کان قدرها مجهولاً فی مراکز السنیین وبلادهم فلیس فیه حسره ، لکن فی دوله فاطمه ، هنا دوله الزهراء ، هنا بلد فاطمه ، وهنا یعلنون عطلهً رسمیه طویله من أجل ذکرى جم، من أجل نوروز العجم، لکن من أجل شهاده فاطمه الزهراء (علیها السلام) لایوجد تعطیل رسمی لیوم واحد ! المجهوله قدراً ، المجهوله قدراً !
أما متى یعلم مقام فاطمه ویعرف قدرها؟ فی ذلک الیوم الذی تبعث من تربتها فیبعث الله تعالى لاستقبالها سبعین ألف ملک بلواء التکبیر ، وسبعین ألف ملک بلواء التسبیح ، یرافقونها حتى تستقر فی مقرها !
هذا النوع من التکریم والتقدیر الالهی لم یصدر أمر من الله تعالى بمثله لإبراهیم خلیل الله وأب الأنبیاء (علیهم السلام) ولا لموسى بن عمران کلیم الله (علیه السلام) ولا لعیسى بن مریم روح الله (علیه السلام)، مع أن خزائن الله لا تتناهى.
إنه یفتح لفاطمه اعتباراً غیر محدود! یأتیها جبرئیل فیقول لها: سلی حاجتک تعطین ، ولا حد لهذه الحاجه ، مهما شئت فاطلبی! فماذا تطلب فاطمه من الله تعالى ؟
أرجو الدقه فی هذا الموضوع أیها العلماء ، أنتم أهل دقه ففکروا فی رقیّ هذه المسأله، إن الطلب من الله تعالى فی ذلک الیوم هو الجزاء ، والجزاء غیر العمل، ولکن فاطمه عندما یقال لها أطلبی حاجتک من الله تعالى، تقول: اللهم أرنی الحسن والحسین! إنها ترید أن ترى العمل قبل الجزاء !
یعنی إلهی أرنی الذی عملته کما هو ، لیکون الجزاء متناسباً معه! فیأتونها بالحسن والحسین وأوداج الحسین تشخب دماً !!
اللهم بفاطمه وأبیها، وبعلها، وبنیها، والسر المستودع فیها صل وسلم علیها وعلى أبیها وبعلها وبنیها عدد ما فی علمک صلاهً دائمه بدوام ملکک وفضلک.
والعن أعداءها وغاصبی حقوقها ، عدد ما فی علمک لعناً دائماً أبدیاً ، بدوام قهاریتک وعدلک . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمین.

Leave A Reply

Your email address will not be published.