نحن والنبی محمد (صلى الله علیه وآله)
إذا کان محمد (صلّى الله علیه وآله) إمام الرحمه فهو یبحث عن اتباع.. إذ لابد لکل مأموم اماماً یقتدی به ویستضیء بنور علمه، ونحن أمامنا هو نبی الرحمه محمد (صلّى الله علیه وآله). فماذا یمکن أن نتوقع أن یقوله النبی وهو ینظر إلى واقعنا الزاخر بالضعف والخوف، والملیء بالذل والشهوات.
ألا نسمعه یقول وهو یعلق على واقعنا الحالی: (کیف بکم إذا تداعت علیکم الأمم کتداعی الأکله على القصعه؟).
قالوا: یا رسول الله ونحن یومئذ قله..
(قال: بل أنتم یومئذ کثیر ولکن کغثاء السیل، ولینزعن الله من صدور العدو. هم الذین یخطب العالم ودهم، ویتملق على باب دارهم الشرق والغرب.. وهم أذلاء فی نفس الوقت یتسکعون على أبواب الأمم الأخرى ویطلبون فتات موائد الشرق والغرب فلم یحصلوا علیه ما هو السر؟ (أمن قله نحن یومئذ)؟ (لا: بل أنتم کثره ولکن غثاء کغثاء السیل، ولینزعن من صدور العدو المهابه منکم!)
ضعفنا فی قوتنا، ومع کثرتنا نبدو قلیلین لا نساوی شیئاً أمام العالم، ولا یزن العالم لنا أی وزن حین یتخذ القرارات المصیریه بشأننا، فیقسمنا ویبیعنا ویقرر استعمارنا ونحن نرضى ونقبل بذلک لماذا؟
لأننا أمه لا تستحق الحیاه أبداً..
لماذا: یا رسول الله.. وهل فینا شیء.. وهل فینا نقص؟
نعم، ویقذفنّ الله فی قلوبکم الوهن!
الوهن، ما هو الوهن؟
الوهن: هو القوه الخائره.
قوى موجوده ولکنها خائره معنویاً… ضعیفه من الداخل.. مثلما قال زکریا لربه: (قَالَ رَبِّ إِنِّی وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّی وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَیْباً).
العظم موجود بالبدن ولکنه خائر من اثر الشیخوخه والسبب هو: هذا الضعف المعنوی الذی فسره النبی بشیئین: (حب الدنیا.. وکراهه الموت).
حب الدنیا بمعنى تحویلها إلى هدف معبود وشیء مقدس لا أن تکون الدنیا وسیله، وجسراً، ومزرعه للآخر، وساحه سباق واختبار على الخیر والتقرب إلى رضوان الله.
لهذا فالدنیا تأخذ بمجامح القلب، وتصرع الإنسان وتقوده إلى السقوط والانحطاط.. وتسد أبواب التفکیر الإنسانی فلا تدعه یفکر فی تحریر نفسه أو تحقیق هدفه الإنسانی.. وتراه یکره الموت الذی یکون طریقاً إلى الحیاه.. ویخاف الشهاده فی سبیل العقیده والکرامه والوطن.. الشهاده التی هی طریق الخلود والکرامه والرفعه وشبیه هذا المضمون.
کلام آخر للنبی محمد (صلّى الله علیه وآله).. أیضاً یقول تعلیقاً على واقع على الإسلام الیوم:
(بدأ الإسلام غریباً وسیعود غریباً فطوبى للغرباء).
فهل الإسلام یعیش فی غربه وحوالیه اکثر من ثمانمائه ملیون مسلم وتحیطه مئات الآلاف من المساجد والمآذن، والمنائر مزروعه فی أرجاء الأرض.. فی کل بلد من بلاد الدنیا یوجد مسجد ومسلمون.. وهذا على عکس ما بدأ به الإسلام حیث لم یتجاوز أتباعه ذلک الیوم العشره والعشرین.
فماذا یقصد النبی (وسیعود الإسلام غریباً) مع هذه الشعبیه المنقطعه النظیر للإسلام الیوم؟ إلا اللّهم إذا کانوا هؤلاء الکثره غیر المسلمین حقیقه وغیر المسلمین فعلاً بل اسماً فقط.
فالمقصود غربه مبادئ الإسلام وتعالیمه.. وأحکامه!!
وهذا هو الواقع فتعالیمه ومحتویاته تعیش غربه موحشه بین أبناء المسلمین.
التعاون عندهم غریب.
الأمر بالمعروف والنهی عن المنکر عاد عندهم غریباً.
التناصح والتآلف والتضامن والتحابب والتآخی وکل هذه الصفات التی أمر بها الإسلام عادت عندهم غریبه.
القرآن عاد غریباً.
لأنه.. لم یبق من الإسلام إلا اسمه ومن القرآن إلا رسمه.
ألیس یأمر القرآن بالجهاد والبذل والتضحیه.
والجهاد والبذل والتضحیه أصبحت عند المسلمین معدومه..
إذا ماذا تفید الکثره حتى لو کانت محقه إذا انهزمت أمام شرذمه قلیله من المغتصبین والمحتلین. ماذا تفید الملایین.. لو کانوا یقبلون الرضوخ لحاکم ظالم وطاغیه مستبد، ألم یقل القرآن: (وَلاَ تَرْکَنُوا إِلَى الَّذِینَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّکُمُ النَّارُ)؟! (فَقَاتِلُوا أَئِمَّهَ الْکُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَیْمَانَ لَهُمْ)!
أما إذا سیطر الظلم والظالمون على الأمه الإسلامیه.. ولم یبدر منها رفض أو معارضه للظلم.. فإن هذه الأمه لا تکون مسلمه حقاً.. ویعود الإسلام فی هذه الأمه غریباً، لأنه لو کان الإسلام یحکم حیاتها لکان وضعها ومصیرها غیر هذا الذی تعیشه الآن حتماً.
فالإسلام لا یرضى بواقع الذل والعبودیه والخضوع للظلم والأجنبی بینما بلاد المسلمین الیوم یتقاسمها الشرق والغرب ویتحکم فیها حفنه من الظالمین والأنظمه المستبده والدیکتاتوریه الحزبیه والفردیه.
فهل یعیش الإسلام مع هذا الواقع المتردی.
هل یعیش الإسلام فی قلب امرئ یقبل الخضوع لغیر الله.. ویرضى بالسکوت على الظلم والدیکتاتوریه.
(إنی معذب کل رعیه دانت بإطاعه إمام جائر وإن کانت فی نفسها تقیه).
هکذا قال الله: (الَّذِینَ یَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِیَّ الأمِّیَّ الَّذِی یَجِدُونَهُ مَکْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِی التَّوْرَاهِ وَالإِنْجِیلِ یَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَیَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْکَرِ وَیُحِلُّ لَهُمُ الطَّیِّبَاتِ وَیُحَرِّمُ عَلَیْهِمُ الْخَبَائِثَ وَیَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلاَلَ الَّتِی کَانَتْ عَلَیْهِمْ فَالَّذِینَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِی أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِکَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ). (سوره الأعراف: ۱۵۷)
الحریه هی: الرساله التی بعث بها الأنبیاء جمیعاً وهی البشاره التی بشرت بها رسالات السماء..
لأنها ـ أی الحریه ـ هی الجوهره الثمینه وأغلى نعمه منحها الله للإنسان..
وجاء الأنبیاء لیعلنوا حریه الإراده البشریه ویعلنوا.. (قلب الإنسان منطقه حره).
بل وجاء الأنبیاء وهم مزودون بوسائل لتأمین حریه الإنسان والدفاع عنها ضد الطغاه والمستکبرین ـ من أقوامهم ـ الذین أرادوا سلب حریه المستضعفین. واستعباد الفقراء والضعفاء وقهرهم بالقوه.
حتى الأنبیاء عندما یأتوا فانهم لا یکرهوا على الإیمان بالله، أو یجبروا الناس على اتباعهم، لأنه تعالى نفسه لم یشأ أن یجبر الخلق على الهدایه والطاعه: (فَمَنْ شَاءَ فَلْیُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْیَکْفُرْ). (لاَ إِکْرَاهَ فِی الدِّینِ قَدْ تَبَیَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَیِّ).
وإنما الأنبیاء یأتوا ویقنعوا الناس بالحق ویرشدوهم إلى الصراط المستقیم.. ویرفعوا عنهم الخطر العقلی والتحجیر الفکری الذین یفرضهما الطغاه على عقول الناس والسؤال المهم:
لماذا حارب الأنبیاء وحوربوا، وخاضوا کفاحاً مریراً ضد أقوامهم، وتحملوا المشاق والآلام، وواجهوا النفی والتشرید والتعذیب والتنکیل من طغاه زمانهم ونمارده عصرهم وفراعنه قومهم؟
لماذا قاوم موسى فرعون؟
وواجه إبراهیم نمرود؟
وحارب محمد (صلّى الله علیه وآله) أبا سفیان وأبا جهل وعتاه المشرکین من قریش؟
هل لأن هؤلاء الأنبیاء أرادوا أن یجبروا هؤلاء على الإیمان والهدایه..
أم انهم أرادوا أن یرفعوا هؤلاء أیدیهم عن رقاب الفقراء ویخلوا سبیل المستضعفین لیقرروا مصیرهم بأنفسهم ویختاروا طریقهم بحریه..
اعتقد أن محمدا (صلّى الله علیه وآله) خاض اکثر من ثمانین حرباً وغزوه مع أعدائه وکافح وناضل وضحى.. من اجل تأمین الحریه للمجتمع.. ومن أجل إناره الطریق للناس.. وتوضیح طریق الخیر والهدایه.. لمن شاء ویؤمن ویتبع الحق.. ومن أبى إلا النکوص.. فما علیه من الآخرین.. ولا یحق له أن یمنع غیره من الهدایه أو یمنع الهدایه من الناس.
النبی حارب طغاه قومه لأنهم أرادوا أن یبقوا على جهل الناس وجاهلیتهم، ویکرسوا عباده الأصنام والأوثان، وذلک للمحافظه على مصالحهم وامتیازاتهم التی کانوا یحصلون علیها عن هذا الطریق.
لذلک فإنّ النبی أوّل ما جاء.. لم یقم بتحطیم الأصنام وإزالتها. وإنما حارب الرموز الاجتماعیه وعقلیه التشبث بالأحجار والتقدیس للأصنام.
حارب أبا سفیان.. لأنه کان یستعبد الفقراء والمساکین عن طریق هذه الأصنام.
حارب أبا جهل لأنه کان یعتقد بأن عقیده التوحید ونبذ الأصنام تضر بزعامته وتضر کبریائه.
حارب أمیه بن خلف وعمه أبا لهب ورؤساء مکه لأنهم أبوا أن یخضعوا لدین یساوی بین العبد وسیده، ویآخی بین الفقیر والغنی. ولا یدع فرقاً بین بلال الحبشی وسیده القرشی وبین سلمان الفارسی وأبی بکر العربی.. وبین الصهیب الرومی وبین أبناء هاشم انه دین المساواه والأخوه والحریه بین بنی الإنسان.
(لا فضل لعربی على أعجمی ولا لأبیض على أسود… کلکم لآدم وآدم من تراب).
(إِنَّ أَکْرَمَکُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاکُمْ).
لهذا فأول من التف حول النبی ودعوته کانوا هم الفقراء والعبید والمستضعفون.
ولأنهم وجدوا فی الإسلام ملجأ للخلاص من العبودیه والظلم، ووجدوا فی رساله النبی طریقاً للحریه والشعور بالکرامه.. لقد شهدت رمضاء مکه فی الهاجره إنسان یتلوى من الألم لسانه یتدلى عطشاً، والسیاط تنهال على جسده من کل جانب.. ومع هذا یظل ینادی (أحد.. أحد).
إنه بلال مؤذن الرسول.
إنه صوره مشرقه من صمود المستضعفین فی وجه المستکبرین لقد کان سیده (أمیه بن خلف) لا یطلب منه اکثر من أن یشتم محمداً (صلّى الله علیه وآله) ودینه، وکان یقنع منه لو فعل ذلک بلسانه دون قلبه.
ولکن بلالاً الحبشی کان یفضل أن یموت تحت التعذیب حتى على أن یستنکر باللفظ دیناً نفذ نوره إلى قلبه، أو ینسى تحت وطأه الألم ـ فضل رجل هداه إلى طریق الحق والحریه.
فأراد أن یسجل صوره جمیله لتحدی الطغاه والمستکبرین الذین مهما استطاعوا أن یسلبوا الطعام والماء عن الإنسان أو یسحقوا منه حریته.. أو یسلبوا منه قدرته على أن یقول کلمه الرفض: لا.. فی وجه الطغاه.
إن الإسلام یقوم على کلمه واحده: هی کلمه التوحید.
وکلمه التوحید قائمه على شعارین.
أحدهما: شعار الرفض.
لا إله..
أی لا للخضوع لأی شیء ولأیه قوه.
لا للخضوع لأصنام البشر والحجر والحدید والورق.
لا للخضوع للمال والشهوه والغرائز والأهواء.
لا للخضوع للأهل والعشیره والزوجه والولد والبیئه والمجتمع بالباطل.
والثانیه: شعار التسلیم. للقوه المطلقه والکمال المطلق.
إلا الله: رمز الحریه والحق والفضیله والکمال المطلق والجمال الدائم.
وشرط الإیمان ـ فی الإسلام ـ أن تکفر بالطاغوت أولاً .. أن ترفض الخضوع للحاکمیات الأرضیه، وآلهه البشر، والأنظمه الطاغوتیه والدیکتاتوریه.
(فَمَنْ یَکْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَیُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَکَ بِالْعُرْوَهِ الْوُثْقَى).
الآیه بکاملها (المعروفه بآیه الکرسی) هی آیه الحریه.. وهذه الفقرات منها..تأکید على حریه الإنسان المطلقه.
حریه الفکر والعقیده.. حریه النظام السیاسی والاجتماعی والاقتصادی حریه ابداء الرأی والمعارضه فی وجه الطغاه والظالمین.
الآیه هکذا: (لاَ إِکْرَاهَ فِی الدِّینِ..)
أی لیس لأحد الحق على أن یکره الإنسان على عقیده معینه أو یجبره على سلوک طریقه معینه. (قَدْ تَبَیَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَیِّ).
أی الطریقه الوحیده لحریه الإنسان العقائدیه وتحقیق حریه العقل والفکر هی: الاقتناع وأن لا یقبل الإنسان عقیده ما إلا عن اقتناع ووعی، وإلا عن دلیل ومنطق.
إذا کان أمام الإنسان طریقان.
طریق الغی وطریق الرشد.
فهو حر فی أن یسلک أیاً منهما، وهو یتحمل مسؤولیه هذا الاختبار، ولا مسؤولیه بدون حریه.. والمسؤولیه هی ثمن الحریه طبعاً.
وهذا ما رسمته الشریعه الإسلامیه فی قوله تعالى: (إِنَّا هَدَیْنَاهُ السَّبِیلَ إِمَّا شَاکِراً وَإِمَّا کَفُوراً، إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْکَافِرِینَ سَلاَسِلَ وَأَغْلاَلاً وَسَعِیراً).
أما لو لم یکن أمام الإنسان إلا طریق واحد.. وهو مجبر على سلوک هذا الطریق.. فإن الإنسان فی هذه الحاله یفقد حریته وکرامته الإنسانیه.
إن النبی نوح والنبی لوط.. لم یشاءا أن یجبرا زوجتیهما على أن یکونا مؤمنین یعنی توفیر الحریه الکافیه للإنسان فی ظل الإسلام.
حریتهم ومسؤولیتهم الإنسانیه.. وتذکیرهم بهذه النعمه العظیمه والجوهره الثمینه التی وهبها الله لهم.
هکذا شرح الإمام علی (علیه السلام) مهمه الأنبیاء فی کلماته..
(بعث أنبیاءه لیذکروهم منسی نعمته ویثیروا لهم دفائن العقول).
وخاطب علی (علیه السلام) الإنسان بهذه الکلمه، وذکره بهذه النعمه.. نعمه الحریه فی قوله: (لا تکن عبد غیرک، وقد خلقک الله حراً).
وقال: (من أصبح مهموماً لسوى فکاک رقبته، فقد هون علیه الجلیل ورغب من ربه فی الربح الحقیر).
أی المقصود أن یکون طموحک الأساسی فی الحیاه تحقیق حریتک، ونیل سیاده النفس وکرامه الشخصیه، وتحریرها من قیود الشهوات والأهواء والأغلال الاجتماعیه والسیاسیه.
إن الإمام علی لا یوصی الإنسان بشیء آخر غیر الحریه ولا یذکر هدفاً آخر لخلق الإنسان إلا الحریه.
ماذا یعنی هذا؟
ألا یعنی أننا بعیدون جداً عن دین الإسلام، ورساله محمد (صلّى الله علیه وآله) ومنهج علی (علیه السلام) فی الحیاه.. نحن الذین نرضى بالعبودیه للطغاه والشهوات النفسیه.. ونخضع فی حیاتنا إمام طاغیه مستبد أو نظام دکتاتوری.
نحن ـ بعد هذه الحاله ـ هل یصح أن نسمی أنفسنا مسلمین ومن أتباع محمد (صلّى الله علیه وآله) رسول الحریه..