لقد خربوا سنه رسول الله فلم تعد تدری أیا من أی ! ! !
فإذا أوجد الخلفاء من اجتهاداتهم حکما لواقعه من الوقائع ، کان الرسول قد بین لها حکما آخر ، فإن الذی یطبق هو الحکم الذی وضعه أو ارتآه الخلفاء، ومن الطبیعی أن یحتج أهل بیت النبوه ، والفئه القلیله المؤمنه العارفه بالأحکام الشرعیه ، فکان أولیاء الخلفاء یختلفون أحادیث على رسول الله فیتقربون بهذه الأحادیث المختلقه إلى الخلفاء وفی الوقت نفسه یبررون ویدعمون اجتهادات الخلفاء ، وبما أن دوله الخلافه هی المسیطره على وسائل الإعلام والمناهج التربویه والتعلیمیه ، فقد کانت تجیز هذه الاختلافات وتظهرها بمظهر الأحادیث الصحیحه وتعتمدها وساعدهم على ذلک تفشی نظریه عداله کل الصحابه ، فالذین اختلقوا هذه الأحادیث کانوا قد شاهدوا الرسول وهذه المشاهده کافیه لتجعلهم عدولا ، ولتضفی عل کل ما یصدر منهم طابع الصدق والصواب ! ! أما الأحادیث المناقضه لاجتهادات الخلفاء فقد کان یعتم علیها تعتیما تاما ، یتم تجاهلها بالکامل ، وإن ظهرت رغم ذلک ، فقد کان یتم تداولها سرا وبخوف ، أما علنا فهی موضع شک لأنها مخالفه لرأی الدوله .
ـــــــــــــــــــــ
( ۱ ) اقتبسنا هذا الفصل من کتابنا الاجتهاد بین الحقائق الشرعیه والمهازل التاریخیه . ( * )
2 – لما استولى معاویه على منصب الخلافه أصدر سلسله من المراسم ، الملکیه وعممها على کافه الولاه والعمال فی کل مکان من أرجاء مملکته فی نسخه واحده وطلب منهم تنفیذها بدقه تامه ، جاء فی أحدها أن برئت الذمه ممن روى شیئا فی فضل أبی تراب وأهل بیت النبوه ، وجاء فی آخر " لا تدعوا شیئا یروی فی فضل أبی تراب إلا وتأتونی بمناقض له فی الصحابه " ( 1 )
ـــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) شرح النهج لابن أبی الحدید ج ۳ ص ۵۹۵ و ۵۹۶ تحقیق حسن تمیم نقلا عن کتاب الأحداث للمدائنی . ( * )
وأمر الناس أن یروی فی فضل عثمان ، ثم فی فضل أبی بکر ، ثم فی فضل عمر ، ثم فی فضل الصحابه مجتمعین ومتفردین باستثناء علی بن أبی طالب ومن والاه ووعد الرواه بجوائز سنیه ، وأعطوا بالفعل عطایا تفوق حدی التصور والتصدیق ! ! فانبجست الأرض فجأه عن آلاف الرواه وفاضت الدنیا بالروایات ، التی تمدح الخلفاء ومن والاهم ، وتذم أهل بیت النبوه وعلی بن أبی طالب خاصه ومن والاهم أو وبتعبیر أدق ، تمجد دوله الخلافه ، وتبرر أفعال الخلفاء ومساعدیهم ، وتضفی علیهم طابع القداسه التامه ، وتذم أعداءهم ، وتظهرهم بمظهر المارقین الشاقین لعصا الطاعه ، المفرقین للجماعه وتهبط بمنزله علی بن أبی طالب إلى مستوى الحضیض ، وتلغی بالکامل مکانه أهل بیت النبوه ، وتتجاهل وجودهم تجاهلا تاما فتؤخرهم وتقدم الجمیع علیهم ، ولما تحقق لمعاویه ما أراد ، وجمع هذا الکم الهائل من المرویات الکاذبه ، فرض على العامه والخاصه تعلم هذه الروایات وحفظها ، وجعلها الماده الأساسیه فی الکتاتیب والمعاهد والجامعات ! ! ! " قال المدائنی فی کتابه " الأحداث " : " کتب معاویه إلى عماله بعد عام " الجماعه " أن برئت الذمه ممن روى شیئا من فضل أبی تراب وأهل بیت النبوه .
وکتب إلیهم أن انظروا من قبلکم من شیعه عثمان ومحبیه وأهل ولایته والذین یروون فضائله ومناقبه ، فأدنوا مجالسهم ، وقربوهم وأکرموهم واکتبوا إلی بکل ما یروی رجل منهم واسمه واسم أبیه وعشیرته ، ففعلوا ذلک ، حتى أکثروا فی فضائل عثمان ومناقبه ، لما کان یبعثه إلیهم معاویه من الصلات والکساء والحباء والقطائع ویفیضه ، فی العرب منهم والموالی ، فکثر ذلک ، وتنافسوا فی المنازل والدنیا ، فلیس یجئ أحد مردود من الناس عاملا من عمال معاویه فیروی فی عثمان فضیله أو منقبه إلا کتب اسمه وقربه ، وشفعه ، فلبثوا فی ذلک حینا ، ثم کتب إلى عماله " إن الحدیث فی عثمان قد کثر وفشا فی کل مصر وفی کل وجه وناحیه ، فإذا جاءکم کتابی هذا ، فادعوا الناس إلى الروایه فی فضائل الصحابه والخلفاء الأولین ولا تترکوا خیرا یرویه واحد من المسلمین فی أبی تراب إلا وأتونی بمناقض له فی الصحابه مفتعله ! ! فإن هذا أحب إلی ، وأقر لعینی ، وأدحض لحجه أبی تراب وشیعته وأشد علیهم من مناقب عثمان وفضله " ، فقرئت کتبه على الناس ، فرویت أخبار کثیره فی مناقب الصحابه ، مفتعله لا حقیقه لها ، وجد الناس فی روایه ما یجری فی هذا المجرى ، حتى أشادوا بذکر ذلک على المنابر ، وألقی إلى معلمی الکتاتیب ، فعلموا صبیانهم وغلمانهم من ذلک الکثیر ، حتى رووه وتعلموه کما یتعلمون القرآن ، وحتى علموه بناتهم ونساءهم وخدمهم وحشمهم ، فلبثوا فی ذلک ما شاء الله ، فظهر حدیث کثیر موضوع ، وبهتان منتشر ، ومضى على ذلک الفقهاء ، والقضاه والولاه ، وکان أعظم الناس فی ذلک بلیه القراء المراؤون والمستضعفون الذین یظهرون الخشوع والتمسک ، فیفتعلون الأحادیث لیحظوا بذلک عند ولاتهم ویقربوا مجالسهم ویصیبوا به المال والضیاع والمنازل ، حتى انتقلت تلک الأخبار إلى أیدی الدیانین الذین لا یستحلون الکذب والبهتان ، فقبلوها ، ورووها وهم یظنون أنها حق ، ولو علموا أنها باطله لما رووها ولما تدینوا بها " انتهى النص الحرفی لما ذکره المدائنی کما روى ابن أبی الحدید" ( 1 )
قال ابن نفطویه وهو من کبار المحدثین وأئمه الجرح والتعدیل بأن أکثر الأحادیث التی وضعت فی فضائل الصحابه مفتعله ، وکان القصد منها إرغام أنوف بنی هاشم ( ۲ ) .
وخلال هذه الفتره سب معاویه أمیر المؤمنین علی بن أبی طالب وأمر الناس جمیعا بشتمه ولعنه ، وجعل ذلک سنه یجهر بها على منابر المسلمین فی کل عید وجمعه ، وما زال الخطباء فی جمیع أنحاء البلاد تعد تلک المنکره جزءا من خطبه الجمعه والعیدین حتى عام ۹۹ ه ، عندما أزال هذه المنکره عمر بن عبد العزیز وتلک حقیقه متواتره ( ۳ ) .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) شرح النهج لابن أبی الحدید ج ۳ ص ۱۵ ، وفجر الإسلام لأحمد أمین ص ۲۷۵ ، ومعالم المدرستین للعسکری ج ۲ ص ۵۳ .
( ۲ ) شرح النهج تحقیق حسن تمیم ج ۳ ص ۵۹۵ و ۵۹۷ .
( ۳ ) العقد الفرید ج ۲ ص ۳۰۱ ، وأسد الغابه ج ۱ ص ۱۳۴ ، والإصابه ج ۱ ص ۷۷ ، والغدیر للأمینی ج ۱ ص ۲۶۰ و ۲۶۵ وج ۸ ص ۱۶۴ و ۱۶۷ ، والمحلى لابن حزم ج ۵ ص ۸۶ . ( * )
قال شیخ المعتزله أبو جعفر الإسکافی : " إن معاویه حمل قوما على الصحابه وقوما من التابعین على روایه أخبار قبیحه فی علی علیه السلام ، تقتضی الطعن فیه ، والبراءه منه ، وجعل لهم على ذلک جعلا یرغب بمثله ، فاختلفوا له ما أرضاه " ( 1 ) منهم أبو هریره ، وعمرو بن العاص ، والمغیره بن شعبه ، ومن التابعین عروه بن الزبیر " .
ــــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) شرح النهج ج ۱ ص ۳۵۸ باب شرح قول أمیر المؤمنین " أما إنه سیظهر علیکم بعدی رجل رجب البلعوم . . . " . ( * )