لماذا تجاهل ذلک النفر سنه الرسول ونقضوا نظام الحکم
التی أعلنها الرسول تعبیرا واضحا کل الوضوح عن طمعهم بملک النبوه أو الرئاسه العامه وحرصهم علیها ، ورغبتهم الجامحه بالاستیلاء على هذا المنصب ! !
فلو أن الله سبحانه وتعالى قد اختارهم للرئاسه العامه ، ولو أن الرسول کان قد أعلنهم خلفاء من بعده ، لأقروا بشرعیه وصواب الترتیبات الإلهیه ، والتزموا بها ، ولقالوا حینها بأن الرسول لا ینطق عن الهوى ، وأنه یتبع ما یوحى إلیه من ربه ، لأن الترتیبات الإلهیه وسنه الرسول اتفقت وما تهوى أنفس ذلک النفر ، وبالتالی لما کانت هنالک من حاجه لعدم الالتزام بها ، لأنها تخدم طمعهم بالرئاسه ، وحرصهم علیها ، لأنهم طالبوا إماره ، ومکلفون بالانتقال من وضع التابعین إلى وضع المتبوعین ، فالمعروف لدى الجمیع أن ذلک النفر کان قبل الإسلام مغمورا ، ولیسوا من علیه القوم ، ولا من ساداتهم ، لقد اشتهروا فقط عندما اعتنقوا الإسلام ، وعندما نال بعضهم شرف مصاهره رسول الله ، فلم یدعی أبو بکر أو عمر أو عثمان أو أبو عبیده ، أو عبد الرحمن بن عوف أو غیرهم من ذلک النفر أنه کان سید قومه فی الجاهلیه ، أو أنه کان من علیه القوم ، بل قد أقروا جمیعا بأنهم کانوا قبل الإسلام مجرد أشخاص مغمورین لا ذکر لهم ، وأن اعتناقهم للإسلام هو الذی أعطاهم الشهره بعد خمول ذکر ، وألبسهم ثوب العز بعد ذل ، لقد هیج هذا الوضع الجدید فی نفوس ذلک النفر الطمع بالإماره والحرص علیها ، خاصه وأن ذلک النفر قد أصبح فی عداد أفراد الحلقه الأولى التی تلتف حول النبی ، وبحکم هذا الوضع ، وبحکم المصاهره والصحبه فقد أصبحوا على صله دائمه بالنبی ، فذاع صیتهم ، وعلا ذکرهم ، وازداد هیجان طمعهم بالإماره من بعد النبی ، وحرصهم علیها ، لقد أحسوا بأنه لم یبق بینهم وبین ما یطمعون به إلا قاب قوسین أو أدنى وهذا ما حفز هممهم ، وضاعف جهدهم ، وسرع خطواتهم نحو ما یریدون .
لقد کانوا فی قراره أنفسهم یعلمون علم الیقین أن من اختاره الله لخلافه النبی وأعلنه رسول الله أشجع وأعلم وأقرب للنبی وأکثر عناء وأقدم سابقه وأرضى لله من أی واحد منهم ، وکانوا على یقین بأنهم لم یکن لأی واحد منهم أی دور بارز فی أیه معرکه من المعارک التی حسمت الصراع لصالح الإسلام ، بل کانوا یعلمون علم الیقین بأنهم قد ولوا یوم الزحف وفروا فی أکثر من معرکه ، وأن أی واحد منهم لم یقتل أو یجرح أو یأسر أی مشرک طوال فتره الصراع بین الکفر والإیمان ، لکنهم اعتقدوا أن الحیاه فرص ومغامره ، وأن علیهم أن یغتنموا هذه الفرصه ، وأن یخوضوا غمار هذه المغامره ! ! خاصه وأنهم قد اعتبروا أن مجرد اتباعهم للنبی وهجرتهم تبعا لهجرته ، وعدم قتالهم إلى جانب زعامتهم – زعامه البطون – تضحیه کبرى تستحق مکافأه کبرى وهی الإماره أو الرئاسه العامه من بعد النبی !! .
لقد کانت علاقه ذلک النفر بزعامه بطون قریش وتبعیته لها علاقه وتبعیه من نوع خاص ، له القدره على اجتیاز کل المحرمات وإثبات وجوده ، ولم یستطع هذا النفر أن یتخلص من الإحساس بالتبعیه حتى بعد انتصار الإسلام وهزیمه زعامه البطون ! !
انظر إلى قول عمر عن معاویه : ( أنه فتى قریش وابن سیدها ) ( ۱ ) القرآن الکریم اعتبر أبا سفیان أحد أئمه الکفر ، والرسول الأعظم لعن أبا سفیان وابنیه یزید ومعاویه کما وثقنا ( ۲ ) وتاریخ أبی سفیان فی محاربته لله ولرسوله من الوضوح بحیث لا یخفى على أحد ، ثم إن الرسول قد حذر من بنی أمیه عامه ومن أبی سفیان وبنیه خاصه ، ومع هذا فإن عمر بن الخطاب قد قفز عن تلک الحقائق وبقی على یقینه واعترافه قبل الإسلام بأن أبا سفیان هو سید قریش ، وأن عمر وهو الخلیفه أحد تابعیه ! ! فلم یعتبر عمر نفسه ولا فی أی یوم من الأیام سیدا لقریش لأن سیدها معروف وهو أبو سفیان ، لقد کان ذلک النفر مأخوذا بحبه لقریش ، وزعامتها ، وتعصبه لهما ، وکان ذلک النفر یجهر بذلک ویجاهر به حتى فی الظروف العصیبه ، وقد وثقنا ما قاله أبو بکر وعمر فی بدر قبل بدء المعرکه ، لذلک فإن هذا النفر قد اعتبر أن مجرد إعلانه بأنه مع النبی وأنه لیس مع زعامه البطون یعتبر تضحیه کبرى تستحق مکافأه کبرى وعظمى أقلها الرئاسه من بعد النبی ، وهذا ما جذر أطماع ذلک النفر بالرئاسه بعد النبی ، وغذى حرصهم علیها ، وضاعف من جهودهم للحصول علیها ، وهون علیهم کل عسیر لبلوغها .
ــــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) البدایه والنهایه ج ۸ ص ۱۲۵ ، والاستیعاب لابن عبد البر ج ۸ ص ۳۹۷ .
( ۲ ) راجع تحذیرات الرسول ووقعه صفین لنصر بن مزاحم ص ۲۱۷ و ۲۲۰ ، ومروج الذهب للمسعودی ج ۳ ص ۱۴ ، وإمتاع الأسماع للمقریزی . ( * )
2 – شبکه هائله من العلاقات : لقد اشتد الصراع بین الکفر بکل أشکاله وبین الإیمان ، واتسع نطاق هذا الصراع حتى شمل الجمیع ،فانقسمت مجتمعات الجزیره العربیه على تعددها إلى قسمین أحدهما وهو الأقل مع النبی وثانیهما مع زعامه بطون قریش .
ومع هذا فقد نجح ذلک النفر بالاحتفاظ والمحافظه على علاقه جیده مع الجمیع ، فلم یقطعوا خیوط الاتصال مع أی طرف من أطراف الصراع ، ولا مع أیه جماعه من جماعاته ! ! وهذا ما قوى الأمل عندهم بأن الجمیع سیقبلون رئاستهم بعد وفاه النبی ، وفی حاله حدوث صراع بین ذلک النفر وبین آل محمد أصحاب الحق الشرعی بالرئاسه ، فإن الجمیع سیقفون مع ذلک النفر وسیتخلون عن آل محمد الذین أثخنوا الجمیع بالجراح ، ووتروا الجمیع ، وسیسهل على ذلک النفر تجاهل وجود الترتیبات الإلهیه ، وتجاهل النصوص الشرعیه التی رتبت عصر ما بعد النبوه ، وسیسهل على الجمیع الوقوف وراء ذلک النفر تحت مظله الإسلام ، لأن أعداء الله السابقین کلهم قد دخلوا الإسلام ، وشکلوا الأکثریه الساحقه من المجتمع الإسلامی الجدید ، فیمکن استثمار هذه الکثره الکاثره تحت مظله ( الشورى ) وهی مبدأ إسلامی ! ! !
ومن هنا فقد أخذ ذلک النفر یبنی وینمی علاقاته مع الجمیع :
أ – کان بحکم الصحبه والمصاهره والهجره واعتناق الإسلام محسوبا على النبی والذین آمنوا ، وکانت حکومه النبی حکومه عدل إلهی ، فهی لا تعاقب على النوایا ، ولا تجرم إلا ما یقع من الأفعال ، کان النبی على علم بنوایا ذلک النفر ، ولکن هذه النوایا لم تترجم إلى أفعال کامله خلال حیاه النبی ، وإذا صدرت من ذلک النفر مقاطع من أفعال فقد کانت مغطاه بالشبهات التی تقیم من العقوبه ، لقد اکتفى النبی بوصفهم وصفا دقیقا وتحذیر الناس منهم ، لقد أکد الرسول أن هذا الحی من قریش ( ۱ ) سیحمل الناس على سنه فارس والروم ( ۲ )
ـــــــــــــــــــــ
( ۱ ) رواه البخاری کتاب بدء الخلق علامات النبوه ج ۲ ص ۲۸۰ ، ومسلم کتاب الفتن ج ۱۸ ص ۴۱ .
( ۲ ) رواه الطبرانی مجمع الزوائد ج ۷ ص ۲۳۶ .
ولن یدعوا لله فی الأرض عبدا صالحا إلا فتنوه ( ۱ ) ، وعندما حذر الرسول منهم طالب المسلمین باعتزالهم قائلا : ( لو أن المسلمین اعتزلوهم ) ( ۲ ) ووضح الرسول الصوره فأکد أن قسما من أصحابه المحسوبین علیه سیحدثون من بعده أحداثا (۳) وأنهم سیرتدون منذ اللحظه التی یموت فیها النبی (۴) وأنهم من الهالکین لأنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى ولن ینجو منهم غیر النادر ( ۵ )
ـــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) رواه أحمد وقال الهیثمی أحمد والبزار ورجاله رجال الصحیح ، الفتح الربانی ج ۲۳ ص ۲۴۰ .
( ۲ ) صحیح البخاری ج ۲ ص ۲۸۰ ، وصحیح مسلم ج ۱۲ ص ۱۴ ، والفتح الربانی ج ۳ ص ۳۹ ، ومعالم الفتن ج ۱ ص ۳۰۳ .
( ۳ ) صحیح البخاری ج ۱ ص ۱۴۱ ، وصحیح مسلم ج ۱۵ ص ۱۵۹ ، وکنز العمال ج ۱۴ ص ۴۱۸ .
( ۴ ) صحیح البخاری تفسیر سوره الأنبیاء ج ۳ ص ۱۶۰ ، وصحیح مسلم ج ۱۷ ص ۹۴ .
( ۵ ) صحیح البخاری ج ۴ ص ۱۴۲ کتاب الدعوات باب الصراط . ( * )
ومن المؤکد أن رسول الله قد نصح ذلک النفر ، وحذرهم من مغبه ما یضمرون لأنهم إن نقضوا أول عروه من عرى الإسلام ، فستنقض تبعا لها کافه عرى الإسلام ، ومن المؤکد أن ذلک النفر لم یقدر نصیحه رسول الله حق قدرها لأنهم کانوا موقنین أن الرسول بشر یتکلم فی الغضب والرضى ، ولا ینبغی أن یحمل کلامه على محمل الجد ! ! !
لقد وثقنا ذلک أکثر من مره ، ولأنهم کانوا یعتقدون أن الرئاسه العامه أمر دنیوی ، وأن ذلک النفر أعلم بشؤون الدنیا ومصلحه المسلمین من الرسول نفسه ! ! لقد أقنعوا أنفسهم بذلک فمضوا نحو غایتهم ، کان قلب النبی الشریف یذوب أسى ، ولکن ماذا کان بإمکانه أن یفعل غیر ما فعل ! !
ب – فی الوقت نفسه الذی ارتبط فیه ذلک النفر مع النبی والذین آمنوا برابطه الإسلام ، احتفظ ذلک النفر مع زعامه بطون قریش بروابط الدم والقربى والتعاطف ، فکانت مواقفهم متعاطفه مع بطون قریش ، وکانوا یجهرون بذلک التعاطف علنا أنظر إلى قول عمر مخاطبا رسول الله أمام الأنصار والمهاجرین قبل معرکه بدر ( یا رسول الله إنها والله قریش وعزها والله ما ذلت منذ عزت ، والله ما آمنت منذ کفرت ، والله لا تسلم عزها أبدا ، ولتقاتلنک فاتهب لذلک أهبته ) ( ۱ ) عمر مع النبی ، والنبی وأتباعه فی حاله حرب مع قریش ، والنبی یتأهب لأول مواجهه عسکریه مع قریش ، وما قاله عمر تثبیط للنبی وأصحابه عن مواجهه قریش ومدح لقریش وتعصب لها فی وقت غیر ملائم ، ومن الطبیعی أن تسمع قریش بما قاله أبو بکر وعمر ، ومن الطبیعی أن قریشا ستشعر بالارتیاح لموقف الرجلین وتعاطفهما معها .
لما فتح رسول الله مکه أتاه ناس من قریش فقالوا : یا محمد إنا حلفاؤک وقومک وإنه لحق بک أرقاؤنا ، لیس لهم رغبه فی الإسلام ، وإنما فروا من العمل فارددهم علینا . فشاور الرسول أبا بکر فی أمرهم فقال صدقوا یا رسول الله ! فقال لعمر ما ترى ؟ فقال مثل قول أبی بکر ! فقال الرسول : ( یا معشر قریش لیبعثن الله علیکم رجلا منکم امتحن الله قلبه للإیمان فیضرب رقابکم على الدین ) ( ۲ ) وأشار إلى الإمام علی بن أبی طالب .
هذه المواقف سقناها على سبیل المثال .
وعندما کانت قریش تتفقد قتلاها وجرحاها وأسراها ، وتتعرف بدقه على من قتل أو جرح أو أسر أی واحد منهم لتنتقم وتثأر حسب العاده الجاهلیه الضاربه الجذور فی النفس العربیه ، کانت زعامه بطون قریش دائما تکتشف أن ذلک النفر لم یلوث یده بقطره دم واحده من أبنائها فکان شعورها بالارتیاح من ذلک النفر یزداد یوما بعد یوم !
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) مغازی الواقدی ط أکسفورد ج ۱ ص ۴۸ – ۴۹ ، وإمتاع الأسماع للمقریزی ص ۷۴ – ۷۵ ، ومعالم المدرستین للعسکری ج ۱ ص ۱۷۱ .
( ۲ ) المستدرک للحاکم ج ۲ ص ۱۳۸ ونحوه فی صحیح مسلم ج ۴ ص ۲۹۸ ، وکنز العمال ج ۱۳ ص ۱۷۴ ، وآیات الغدیر لأبی محمد الکورانی ص ۱۶۱ . ( * )
کانت زعامه بطون قریش ومن والاها یحقدون على محمد وعلى آله وعلى أتباعه المخلصین ولکنهم لم یکونوا یحقدون على ذلک النفر ، بل ولم یکرهوه ، وعلى العکس کانوا یحسون بالارتیاح والرضا من مواقفه المتعاطفه معهم ، ولم یکن لدیهم ما یمنع من رئاسه ذلک النفر للأمه بعد وفاه النبی ، بل إن رئاسه ذلک النفر أحب إلیهم من رئاسه الإمام علی الذی فتک بهم فتکا ذریعا أثناء حرب الکفر مع الإیمان ، وأحب إلیهم من رئاسه أی واحد من ذریه النبی أو من صلب علی ! ! لکن زعامه بطون قریش وأولیاءها السابقین لیسوا على استعداد لقیاده مبادره بهذا الخصوص ، أو قیاده الخروج على الترتیبات التی أعلنها النبی ، هم على استعداد لتأیید ذلک النفر إن نجح أو کان نجاحه ممکنا . وهذا ما زاد طمع ذلک النفر بالرئاسه ، وأنعش أمله بإمکانیه الحصول علیها . لأن زعامه بطون قریش وأولیاءها السابقین یشکلون أکبر شریحه من شرائح المجتمع الإسلامی الجدید .
ج – أما المجموعه أو الشریحه الثانیه من شرائح المجتمع الإسلامی الجدید التی اعتمد ذلک النفر على تأییدها له عند تجاهله لسنه الرسول والترتیبات الإلهیه المتعلقه بمن یخلف الرسول وعند استیلائه على منصب الخلافه فهم المنافقون ، لأن الله ورسوله قد وضعا معیارا دقیقا لمعرفه المؤمن من المنافق ، فالمؤمنون یحبون الإمام علیا ویقبلون بولایته أما المنافقون فیکرهون الإمام علیا ویبغضونه ولا یقبلون بولایته وقد شاع هذا المعیار فی المجتمع الإسلامی الجدید ، لذلک کنت ترى الجمیع یحبون الإمام علیا ویقبلون بولایته أو یتظاهرون بذلک ، ولکن التظاهر کان ینکشف ، ویظهر المنافقون ، قال الرسول الأعظم : ( لا یحب علیا إلا مؤمن ولا یبغضه إلا منافق ) ( ۱ )
وقال أبو سعید الخدری کنا نعرف المنافقین نحن معاشر الأنصار ببغضهم علی بن أبی طالب ( ۲ )
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) صحیح الترمذی ج ۲ ص ۳۰ ، وصحیح النسائی ج ۲ ص ۲۷ ، وخصائص النسائی ص ۲۷ ، وصحیح ابن ماجه ص ۱۲ ، ومسند أحمد بن حنبل ج ۱ ص ۸۴ و ۹۵ و ۱۲۸ ، وتاریخ بغداد ج ۲ ص ۲۵۵ ، وحلیه الأولیاء ج ۴ ص ۱۸۵ وقال هذا حدیث صحیح ، وکنز العمال ج ۶ ص ۳۹۴ .
( ۲ ) صحیح الترمذی ص ۲۹۹ ، ومسند أحمد ج ۶ ص ۲۹۲ . ( * )
وأکد أبو ذر الغفاری وجود هذا المعیار واستعماله فقال : ( ما کنا نعرف المنافقین إلا بتکذیبهم لله ولرسوله ، والتخلف عن الصلوات والبغض لعلی بن أبی طالب ) ( ۱ )
وأکد جابر بن عبد الله الأنصاری وجود هذا المعیار بقوله : ( ما کنا نعرف المنافقین إلا ببغض علی بن أبی طالب ) ( ۲ ) .
فأنت تلاحظ أن ذلک النفر یلتقی مع المنافقین بکراهیتهم لولایه علی بن أبی طالب ، لم یصرح ذلک النفر أنه کان یبغض علی بن أبی طالب ، ولکنه عملیا کان مستعدا لارتکاب أی شئ مقابل إبعاد الإمام علی عن ولایه المسلمین ، کان مستعدا لقتل الإمام ، وقد هددوه بالقتل فعلا فی ما بعد ، کان مستعدا لحرق الإمام علی وهو حی وقد شرعوا بحرقه فعلا ، کما سنوثق ذلک لکنهم لم یکونوا مستعدین أبدا لقبول ولایته ! ! ومن یفعل ذلک لا یمکن إلا أن یکون مبغضا للإمام علی وحاقدا علیه ، کان المنافقون على علم تام بموقف هذا النفر من ولایه الإمام علی ، وکان المنافقون یتابعون بمنتهى الرضا والإعجاب مشاکسات ذلک النفر لرسول الله ، ومعارضاته ومزاوداته ومعصیته لرسول الله ، وکراهیه ذلک النفر لرئاسه آل محمد عامه وللإمام علی خاصه ، فظن المنافقون – وبعض الظن إثم – بأن ذلک النفر منهم ، لذلک أحب المنافقون ذلک النفر من المهاجرین حبا عظیما ! ! لقد جمعهم البغض المشترک للإمام علی والکراهیه التامه لرئاسته ، ولم یصدف طوال التاریخ أن امتنع أی منافق عن بیعه أحد من ذلک النفر ، أو أن خرج علیه ، أو تلکأ عن طاعته ، لقد اعتبر المنافقون أنفسهم من فریق ذلک النفر نفسه ، وهذا یفسر استعانه بعض خلفاء النفر بالمنافقین والفجار وإشراکهم فی أمرهم ( ۳ )
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) المستدرک على الصحیحین ج ۳ ص ۱۲۹ وقال هذا حدیث صحیح على شرط الشیخین ، وکنز العمال ج ۶ ص ۳۹ ، والریاض النضره للطبری ج ۲ ص ۲۱۴ .
( ۲ ) الاستیعاب لابن عبد البر ج ۲ ص ۴۶۴ ، ومجمع الزوائد ج ۳ ص ۱۲۳ وقال رواه الطبرانی فی الأوسط ورواه البزار .
( ۳ ) کنز العمال ج ۵ ص ۳۱ و ۷ وج ۴ ص ۶۱۴ وقال رواه ابن شیبه والبیهقی . ( * )
لذلک کان ذلک النفر على ثقه تامه بأن المنافقین عن بکره أبیهم سیؤیدون مطلب ذلک النفر بالرئاسه من بعد النبی ، وسیبارکون تجاهل ذلک النفر للترتیبات الإلهیه وإبطال مفاعیل سنه الرسول المتعلقه بمن یخلفه بعد موته ، وهذا ما غذى أطماع ذلک النفر بالرئاسه من بعد النبی ! ! والمنافقون لم یکونوا أقلیه بل کانوا شریحه کبرى من شرائح المجتمع الإسلامی الجدید ، فکانوا مقدسین بین أهل المدینه ، ومن حولها ، وقد مردوا على النفاق وقویت شوکتهم ، ولما استولى ذلک النفر على منصب الخلافه بعد موت النبی ، استعان بهم ، وتقاسم معهم منافع ملک النبوه ! !
د – الیهود : کانت علاقه ذلک النفر مع الیهود علاقه ودیه أیضا وصفحه ذلک النفر بیضاء مع الیهود ، فخلال المعارک التی جرت بین الیهود والمسلمین لم یصدف أن أی واحد من أفراد ذلک النفر قد قتل أو جرح أو أسر أی یهودی ! ! وأبعد من ذلک فإن بعض أفراد ذلک النفر کان یغشى الیهود فی یوم دراستهم طلبا للعلم ! ! قال الیهود لعمر بن الخطاب یوما ( ما من أصحابک أحد أکرم علینا منک لأنک تأتینا . . . ) ( ۱ )
لقد قال عمر للرسول شخصیا ( إنی مررت ( بأخ لی ) من بنی قریظه فکتب لی جوامع من التوراه ألا أعرضها علیک ؟ قال الراوی فتغیر وجه رسول الله . . . ) ( ۲ )
وقال عمر للرسول یوما : ( جوامع من التوراه أخذتها من ( أخ لی ) من بنی زریق فتغیر وجه الرسول فقال عبد الله بن زید لعمر بن الخطاب أمسخ الله عقلک ! ! ألا ترى الذی بوجه رسول الله ! ! ) ( ۳ ) . . الخ .
فلماذا تکره الأقلیه الیهودیه رئاسه هذا النفر بعد موت النبی ستفضل أی واحد من أفراد ذلک النفر على الإمام علی ، لأن الإمام علیا هو الذی شتت جمعهم ، وهزمهم ! ! کان ذلک النفر یسعى لحشد تأیید کافه السکان ، لیتعاطفوا مع تطلعاته ومخططاته ! !
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) کنز العمال ج ۳ ص ۳۵۳ .
( ۲ ) مسند الإمام أحمد بن حنبل ج ۳ ص ۴۶۹ .
( ۳ ) مجمع الزوائد ج ۱ ص ۱۷۴ . ( * )
هـ – الأعراب : لقد تمکن ذلک النفر من إقامه علاقه خاصه مع الأعراب ، فکانت الأعراب تؤید تجاهل الترتیبات الإلهیه وإبطال مفاعیل السنه النبویه المتعلقه بمن یخلف النبی ، وکانت الأعراب تؤید رئاسه ذلک النفر للأمه بعد موت النبی ! !
أنظر إلى قول عمر : ( ما هو إلا أن رأیت أسلم فأیقنت بالنصر ) ( ۱ ) قال عمر هذا الکلام وهو فی سقیفه بنی ساعده ، وهو بحاجه ماسه إلى مؤیدین له ، فکیف عرف أن هذه القبیله التی لا تسکن المدینه ستکون من المؤیدین له إن لم تکن هنالک علاقه أو اتفاق مسبق معها ! ! ثم ما هی مصلحه هذه القبیله باندفاعها الذی وصل إلى درجه التهور فی تأییدها ذلک النفر ( ۲ )
قال ابن الأثیر ( فجاءت أسلم فبایعت ) ( ۳ )
وروى الطبری : ( إن أسلم أقبلت بجماعتها حتى تضایق بهم السکک فبایعوا أبا بکر ) ( ۴ )
قال الزبیر بن البکار : ( فقوی بهم أبو بکر ) ( ۵ )
قال المفید : ( إن القبیله کانت قد جاءت لتمتار من المدینه ) ( ۶ )
ولما تمکن أفراده من الوصول إلى منصب الرئاسه العامه للأمه ، لذلک کان تجاهلهم لسنه الرسول المتعلقه بنظام الحکم وعدم التزامهم بالترتیبات الإلهیه
لقد حسمت الأعراب الموقف ، وأجبرت المترددین على الاعتراف بالأمر الواقع وزفت أبا بکر زفا إلى مسجد رسول الله . . . فصعد على منبر رسول الله فبایعه الناس وشغلوا عن دفن الرسول حتى کانت لیله الثلاثاء ( ۷ )
فهل کان وجود الأعراب ، وتأییدهم ، وزفهم لأبی بکر ، وقول عمر : ( ما هو إلا أن رأیت أسلم فأیقنت بالنصر ) ولید الصدفه أم ثمره تخطیط واتفاق مسبق ! !
ـــــــــــــــــــ
( ۱ ) تاریخ الطبری ج ۳ ص ۴۵۸ وط أوروبا ج ۱ ص ۱۸۴۳ .
( ۲ ) المصدر السابق .
( ۳ ) ابن الأثیر ج ۲ ص ۲۲۴ .
( ۴ ) تاریخ الطبری ج ۲ ص ۴۵۸ وط أوروبا ج ۱ ص ۱۸۴۳ .
( ۵ ) شرح النهج ج ۶ ص ۲۸۷ .
( ۶ ) الجمل للمفید ص ۴۳ .
( ۷ ) الموفقیات ص ۵۷۸ ، والریاض النضره للطبری ج ۱ ص ۱۶۴ ، وتاریخ الخمیس ج ۱ ص ۱۸۸ ، والمراجعات ج ۱ ص ۱۶۹ . ( * )