الصحوه الإسلامیّه والربیع العربیّ خریف المشاریع الأمریکیّه
کیف لا؟! وقد دفعت الإداره الأمریکیّه من جرّاء احتلالها للعراق على مدى سنوات طوال أثماناً باهظه لا قِبَل لها بها، إن على صعید الموارد المالیّه والإعدادات الحربیّه والعسکریّه واللوجستیّه، وإن على صعید الموارد البشریّه من قتلىً وجرحى ومعوّقی حربٍ، نفسیّین وجسدیّین، وإن على صعید السمعه السیّئه والملطّخه عالمیّاً، حتى باتت أمریکا الیوم ـ بزعمائها وحکّامها ورؤوس نظامها ـ أکثر بلدٍ تکرهه شعوب العالم کلّه وتنفر منه وتشکّک فی مصداقیّته، وتسیء الظنّ بکلّ مشروعٍ من مشاریعه أو مبادرهٍ تأتی من ناحیته.
فهل یکون ـ بعد هذا کلّه ـ انسحابها من العراق انتصاراً لها ولسیاساتها، وهی قد عجزت عن تحقیق ثمراتٍ حقیقیّه ملموسهً على الساحه الدولیّه أو الإقلیمیّه، أو حتّى المحلّیّه، فی الداخل العراقیّ؟!! فقد بلغ من عجزها أنّها فشلت فی أن تجعل النظام الحاکم فی العراق نظاماً تابعاً لها، أو على الأقلّ مستعدّاً للسیر فی رکابها!!! فکیف نرضى بأن نقبل ـ والحال هذه ـ قول من یقول بأنّ الانسحاب الأمریکیّ من العراق ما هو إلّا "استراتیجیّه یقوم بها المنتصر الشریف عندما یحقّق أهدافه الشریفه التی لم یُرِد منها إلّا خدمه البشریّه؟!!"
أولیس فی هذا تسخیف للعقول واستهزاء بها، لا بل، استحمار لها؟!!
فکیف إذا انضمّ إلى ذلک کلّه، فشل ذریع آخر، طویل الأمد، ومسیره مکلّله بالخیبه والخساره من ألفها إلى یائها، فی أفغانستان، وعجز وتخبّط أمریکیّ واضح هناک، حیث بات ظاهراً لکلّ أحد أنّ المستنقع الأفغانیّ استطاع أن یغرق الجیش الأمریکیّ وأن یحطّم عنفوانه وعنجهیّته مع حلفائه وأصدقائه، وهو ـ هذا الجیش ـ لم یفعل ولم ینجز شیئاً حقیقیّاً لحدّ الآن فی أفغانستان.. سوى ما یُقال ـ على ذمّتهم ـ: من أنّ الجیش الأمریکیّ اغتال بن لادن، وسارع إلى إخفاء جثّته، ودفنها فی أعماق محیطٍ ما!!
وکیف أیضاً إذا انضمّ إلى ذلک کلّه مشهد مسرحیّ درامیّ آخر، بطله هذه المرّه: رؤوس العماله فی البلدان العربیّه، ممّن تسمّیهم الإداره الأمریکیّه فی العلن بالأصدقاء، وهم فی الواقع لیسوا سوى صنیعتها التی هی ربّتهم، وزرعتهم أذناباً وأدواتٍ وعیوناً لها فی المنطقه العربیّه والإسلامیّه.. نعم، ها هم بین من سقط، وبین من یتداعى للسقوط، واحداً تلو الآخر، غیر مأسوفٍ علیهم حتى من "صدیقتهم الکبیره" أمریکا!
فهل هذا أیضاً یُعدّ انتصاراً آخر للسیاسات الأمریکیّه فی المنطقه والعالم؟؟!!! ومتى سمعنا عن خلافٍ حقیقیّ جرى بین حسنی مبارک ـ مثلاً ـ وبین أقلّ موظّفٍ فی البیت الأبیض؟!!!
کلّا.. وألف کلّا.. فالعلاقه لم تکن یوماً علاقهً ندّیّهً متکافئه حتى نتحدّث عن وجود أو عدم وجود خلاف، وإنّما هی دائماً علاقه السیّد الأمریکیّ المطلق الید بالأذناب والأدوات والأتباع الذین لا یملکون من أمرهم سوى هزّ الرؤوس بالسمع والطاعه، وإن کانوا أمام شعوبهم یمتلکون کلّ الوسائل والطرق التی تمکّنهم من القمع والإفساد والإجرام والابتذال..
ولا زالت بعض فلول هذه الزمره من الأذناب (الحکّام العرب) تنتظر نفحهً من نفحات نسیم الربیع العربیّ والإسلامیّ أن تهبّ علیها، بدءاً من العرش السعودیّ المهترئ الذی هو سبب کثیرٍ من المحن فی عالمنا العربیّ والإسلامیّ، ووصولاً إلى کلّ دول الخلیج، التی تحکمها عشائر البداوه والجهل والتخلّف "العربیّ". هؤلاء هم "أصدقاء" أمریکا والغرب، وهؤلاء هم الیوم من تلعنهم إرادات الشعوب، فأنّى لنا بأن نصدّق التفاهات التی تقول: إنّ المشروع الأمریکیّ الحالم بشرقٍ أوسط جدید قادم لا محاله!!!
إنّ هذه الصحوه الإسلامیّه والعربیّه التی نعیشها مؤخّراً، هی دون شکّ ولا ریب، إحدى أکبر مصادیق الفشل الأمریکیّ فی المنطقه، لیس لأنّها تکفّلت بإخراج هذه المنطقه بعیداً عن عباءه السیّد الأمریکیّ وحسب، بل لأنها أیضاً استطاعت أن تقلب کلّ مفاعیل الخطاب المذهبیّ ـ الطائفیّ، الذی لطالما کانت تراهن علیه المشاریع الأمریکیّه، استطاعت أن تقلبه رأساً على عقب. فإنّ من یراجع الأبحاث والتقاریر التی تنتجها غرف التخطیط الأمریکیّه والتی تُنشر وتوزّع بشکلٍ سنویّ، سیخرج بقناعهٍ مفادها: أن الکیان الصهیونیّ وصاحبه الأمریکیّ، لم یستوعبا جیّداً روحیّه الدین الإسلامیّ، وکلّیّه الشأن الإسلامیّ، حیث رکّزا على المذاهب الإسلامیّه وکیفیّه زرع الطائفیّه والاقتتال، دون أن ینتبها إلى أنّ لهذا الدین روحیّهً عامّهً قادرهً فی کلّ عصرٍ وزمان على لمّ شتات المذاهب والفرق، وهذه الروحیّه العامّه للدین الإسلامیّ الرافض لکلّ أشکال الظلم والاضطهاد والاستضعاف هی التی امتزجت فی الوجدان الشعبیّ والجماهیریّ العربیّ مؤخّراً فأدّت إلى ولاده هذا الربیع العربیّ الذی نعیش حالیّاً فی ربوعه.
لکنّ الذی ینبغی أن نعلمه جیّداً هو أنّ هذه النقله المفصلیّه فی المنطقه، یجب أن لا تسکرنا عن حقائق أنّ النزاع الاستراتیجیّ لا یتوقف بشکلٍ نهائیّ، وأنّه إذا وقع فشل ما فی نقطه جغرافیّه معیّنه فإنّ أمریکا ستسعى دائماً إلى خلق نخبٍ جدیده فی تلک النقطه، لیستمرّ مشروعها.
وهذا لیس تهویلاً ولا تخویفاً، ولا ینبغی أیضاً أن یوقعنا فی الیأس والقنوط، کلّا.. فهذه هی طبیعه الصراعات الاستراتیجیّه، وهذا هو حالها.. ونحن من جهتنا علینا أن نستمرّ فی العمل وبذل الجهد على قاعده: أن لا یوجد شیء مستحیل أمام إراده الشعوب، وأنّ انتصار الخیر على الشرّ لهو أمر محتوم، وسنّه قطعیّه لا تبدیل لها.