الوزن الاجتماعی للمرأه قبل الاسلام

0

حیاه المرأه فی الأمم غیر المتمدنه
 کانت حیاه النساء فی الأمم والقبائل الوحشیه کالأمم القاطنین بإفریقیا واسترالیا والجزائر المسکونه بالأوقیانوسیه وأمریکا القدیمه وغیرها بالنسبه إلى حیاه الرجال کحیاه الحیوانات الأهلیه من الأنعام وغیرها بالنسبه إلى حیاه الإنسان.
فکما أن الإنسان لوجود قریحه الاستخدام فیه یرى لنفسه حقا أن یمتلک الأنعام وسائر الحیوانات الأهلیه ویتصرف فیها کیف ما شاء، وفی أی حاجه من حوائجه شاء، یستفید من شعرها ووبرها ولحمها وعظمها ودمها وجلدها وحلیبها وحفظها وحراستها وسفادها ونتاجها ونمائها، وفی حمل الأثقال، وفی الحرث، وفی الصید، إلى غیر ذلک من الأغراض التی لا تحصى کثره.
ولیس لهۆلاء العجم من الحیوانات من مبتغیات الحیاه وآمال القلوب فی المأکل والمشرب والمسکن والسفاد الراحه إلا ما رضی به الإنسان الذی امتلکها ولن یرضى إلا بما لا ینافی أغراضه فی تسخیرها وله فیه نفع فی الحیاه، وربما أدى ذلک إلى تهکمات عجیبه ومجازفات غریبه فی نظر الحیوان المستخدم لو کان هو الناظر فی أمر نفسه: فمن مظلوم من غیر أی جرم کان أجرمه، ومستغیث ولیس له أی مغیث یغیثه، ومن ظالم من غیر مانع یمنعه، ومن سعید من غیر استحقاق کفحل الضراب یعیش فی أنعم عیش وألذه عنده، ومن شقی من غیر استحقاق کحمار الحمل وفرس الطاحونه.
ولیس لها من حقوق الحیاه إلا ما رآه، الإنسان المالک لها حقا لنفسه فمن تعدى إلیها لا یۆاخذ إلا لأنه تعدى إلى مالکها فی ملکه، لا إلى الحیوان فی نفسه، کل ذلک لأن الإنسان یرى وجودها تبعا لوجود نفسه وحیاتها فرعا لحیاته ومکانتها مکانه الطفیلی.
کذلک کانت حیاه النساء عند الرجال فی هذه الأمم والقبائل حیاه تبعیه، وکانت النساء مخلوقه عندهم لأجل الرجال بقول مطلق: کانت النساء تابعه الوجود والحیاه لهم من غیر استقلال فی حیاه، ولا فی حق فکان آبائهن ما لم ینکحن وبعولتهن بعد النکاح أولیاء لهن على الإطلاق.
کان للرجل أن یبیع المرأه ممن شاء وکان له أن یهبها لغیره، وکان له أن یقرضها لمن استقرضها للفراش أو الاستیلاد أو الخدمه أو غیر ذلک، وکان له أن یسوسها حتى بالقتل ، وکان له أن یخلی عنها، ماتت أو عاشت، وکان له أن یقتلها ویرتزق بلحمها کالبهیمه وخاصه فی المجاعه وفی المآدب، وکان له ما للمرأه من المال والحق وخاصه من حیث إیقاع المعاملات من بیع وشراء وأخذ ورد.
وکان على المرأه أن تطیع الرجل، أباها أو زوجها، فی ما یأمر به طوعا أو کرها ، وکان علیها أن لا تستقل عنه فی أمر یرجع إلیه أو إلیها، وکان علیها أن تلی أمور البیت والأولاد وجمیع ما یحتاج إلیه حیاه الرجل فیه، وکان علیها أن تتحمل من الأشغال أشقها کحمل الأثقال وعمل الطین وما یجری مجراهما ومن الحرف والصناعات أردیها وسفسافها، وقد بلغ عجیب الأمر إلى حیث أن المرأه الحامل فی بعض القبائل إذا وضعت حملها قامت من فورها إلى حوائج البیت، ونام الرجل على فراشها أیام یتمرض ویداوی نفسه، هذه کلیات ما له وعلیها، ولکل جیل من هذه الأجیال الوحشیه خصائل وخصائص من السنن والآداب القومیه باختلاف عاداتها الموروثه فی مناطق حیاتها والأجواء المحیطه بها یطلع علیه من راجع الکتب المۆلفه فی هذه الشۆون.
حیاه المرأه فی الأمم المتمدنه
نعنی بهم الأمم التی کانت تعیش تحت الرسوم الملیئه المحفوظه بالعادات الموروثه من غیر استناد إلى کتاب أو قانون کالصین والهند ومصر القدیم وإیران ونحوها.
تشترک جمیع هذه الأمم، فی أن المرأه عندهم، کانت ذات استقلال وحریه، لا فی إرادتها ولا فی أعمالها، بل کانت تحت الولایه والقیمومه، لا تنجز شیئا من قبل نفسها ولا کان لها حق المداخله فی الشۆون الاجتماعیه من حکومه أو قضاء أو غیرهما.
وکان علیها: أن تختص بأمور البیت والأولاد، وکان علیها أن تطیع الرجل فی جمیع ما یأمرها ویرید منها. وکانت المرأه عند هۆلاء أرفه حالا بالنسبه إلیها فی الأمم غیر المتمدنه، فلم تکن تقتل ویۆکل لحمها، ولم تحرم من تملک المال بالکلیه بل کانت تمتلک فی الجمله من إرث أو ازدواج أو غیر ذلک، وإن لم تکن لها أن تتصرف فیها بالاستقلال، وکان للرجل أن یتخذ زوجات متعدده من غیر تحدید وکان لها تطلیق من شاء منهن، وکان للزوج أن یتزوج بعد موت الزوجه ولا حق لها فی الغالب، وکانت ممنوعه عن معاشره خارج البیت غالبا.
ولکل أمه من هذه الأمم مختصات بحسب اقتضاء المناطق والأوضاع: کما أن تمایز الطبقات فی إیران ربما أوجب تمیزا لنساء الطبقات العالیه من المداخله فی الملک والحکومه أو نیل السلطنه ونحو ذلک أو الازدواج بالمحارم من أم أو بنت أو أخت أو غیرها.
وکما أنه کان بالصین الازدواج بالمرأه نوعا من اشتراء نفسها ومملوکیتها، وکانت هی ممنوعه من الإرث ومن أن تشارک الرجال حتى أبنائها فی التغذی، وکان للرجال أن یتشارک فی أکثر من واحده منهم فی الازدواج بمرأه واحده یشترکون فی التمتع بها، والانتفاع من أعمالها، ویلحق الأولاد أقوى الأزواج غالبا.
وکما أن النساء کانت بالهند من تبعات أزواجهن لا یحل لهن الازدواج بعد توفی أزواجهن أبدا، بل إما أن یحرقن بالنار مع جسد أزواجهن أو یعشن مذللات، وهن فی أیام الحیض أنجاس خبیثات لازمه الاجتناب، وکذا ثیابها وکل ما لا مستها بالبشره.
ویمکن أن یلخص شأنها فی هذه الأمم: أنها کالبرزخ بین الحیوان والإنسان یستفاد منها استفاده الإنسان المتوسط الضعیف الذی لا یحق له إلا أن یمد الإنسان المتوسط فی أمور حیاته کالولد الصغیر بالنسبه إلى ولیه غیر أنها تحت الولایه والقیمومه دائما.
حال المرأه عند الأمم القدیمه
 کانت الأمم المذکوره آنفا أمما تجری معظم آدابها ورسومهم الخاصه على أساس اقتضاء المناطق والعادات الموروثه ونحوها من غیر أن تعتمد على کتاب أو قانون ظاهرا لکن هناک أمم أخرى کانت تعیش تحت سیطره القانون أو الکتاب، مثل الکلده والروم والیونان.
کانت المرأه عندهم طفیلیه الوجود تابعه الحیاه فی المجتمع (المجتمع المدنی والبیتی) زمام حیاتها وإرادتها بید رب البیت من أبیها إن کانت فی بیت الأب أو زوجها إن کانت فی بیت الزوج أو غیرهما. یفعل بها ربها ما یشاء ویحکم فیها ما یرید، فربما باعها، وربما وهبها، وربما أقرضها للتمتع، وربما أعطاها فی حق یراد استیفائه منه کدین وخراج ونحوهما، وربما ساسها بقتل أو ضرب أو غیرهما، وبیده تدبیر مالها إن ملکت شیئا بالازدواج أو الکسب مع إذن ولیها لا بالإرث لأنها کانت محرومه منه، وبید أبیها أو واحد من سراه قومها تزویجها، وبید زوجها تطلیقها.
فقد کان الاجتماع المدنی وکذا الاجتماع البیتی عندهم متقوما بالرجال، والنساء تبع لهم، ولذا لم یکن لها استقلال فی إراده ولا فعل إلا تحت ولایه الرجال، لکنهم جمیعا ناقضوا أنفسهم بحسب الحقیقه فی ذلک، فإن قوانینهم الموضوعه کانت تحکم علیهن بالاستقلال ولا تحکم لهن إلا بالتبع إذا وافق نفع الرجال، فکانت المرأه عندهم تعاقب بجمیع جرائمها بالاستقلال، ولا تثاب لحسناتها ولا یراعى جانبها إلا بالتبع وتحت ولایه الرجل.
وهذا بعینه من الشواهد الداله على أن جمیع هذه القوانین ما کانت تراها جزء ضعیفا من المجتمع الإنسانی ذات شخصیه تبعیه، بل کانت تقدر أنها کالجراثیم المضره، مفسده لمزاج المجتمع مضره بصحتها غیر أن للمجتمع حاجه ضروریه إلیها من حیث بقاء النسل، فیجب أن یعتنی بشأنها، وتذاق وبال أمرها إذا جنت أو أجرمت، ویحتلب الرجال درها إذا أحسنت أو نفعت، ولا تترک على حیال إرادتها صونا من شرها کالعدو القوی الذی یغلب فیۆخذ أسیرا مسترقا یعیش طول حیاته تحت القهر ان جاء بالسیئه یۆاخذ بها وإن جاء بالحسنه لم یشکر لها.
ان الاجتماع کان متقوما عندهم بالرجال هو الذی ألزمهم أن یعتقدوا ان الأولاد بالحقیقه هم الذکور، وأن بقاء النسل ببقائهم، وهذا هو منشأ ظهور عمل التبنی والالحاق بینهم، فإن البیت الذی لیس لربه ولد ذکر کان محکوما بالخراب، والنسل مکتوبا علیه الفناء والانقراض، فاضطر هۆلاء إلى اتخاذ أبناء صونا عن الانقراض وموت الذکر، فدعوا غیر أبناءهم لأصلابهم أبناء لأنفسهم فکانوا أبناء رسما یرثون ویورثون ویرتب علیهم آثار الأبناء الصلبیین، وکان الرجل منهم إذا زعم أنه عاقر لا یولد منه ولد عمد إلى بعض أقاربه کأخیه وابن أخیه فأورده فراش أهله لتعلق منه فتلد ولدا یدعوه لنفسه، ویقوم بقاء بیته.
حال المرأه عند العرب
وقد کانت العرب قاطنین فی شبه الجزیزه، وهی منطقه حاره جدبه الأرض والمعظم من أمتهم قبائل بدویه بعیده عن الحضاره والمدنیه، یعیشون بشن الغارات، وهم متصلون بإیران من جانب، وبالروم من جانب، وببلاد الحبشه والسودان من آخر.
ولذلک کانت العمده من رسومهم رسوم التوحش، وربما وجد خلالها شئ من عادات الروم وإیران، ومن عادات الهند ومصر القدیم أحیانا.
کانت العرب لا ترى للمرأه استقلالا فی الحیاه ولا حرمه ولا شرافه إلا حرمه البیت وشرافته، وکانت لا تورث النساء، وکانت تجوز تعدد الزوجات من غیر تحدید بعدد معین کالیهود، وکذا فی الطلاق، وکانت تئد البنات ابتداء بذلک بنو تمیم لوقعه کانت لهم مع النعمان بن المنذر، أسرت فیه عده من بناتهم، والقصه معروفه فأغضبهم ذلک فابتدروا به، ثم سرت السجیه فی غیرهم، وکانت العرب تتشأم إذا ولدت للرجل منهم بنت یعدها عارا لنفسه، یتوارى من القوم من سوء ما بشر به، لکن یسره الابن مهما کثر ولو بالدعاء والالحاق حتى أنهم کانوا یتبنون الولد لزنا محصنه ارتکبوه، وربما نازع رجال من صنادیدهم وأولی الطول منهم فی ولد ادعاه کل لنفسه. وربما لاح فی بعض البیوت استقلال لنسائهم وخاصه للبنات فی أمر الازدواج فکان یراعی فیه رضى المرأه وانتخابها، فیشبه ذلک منهم دأب الأشراف بإیران الجاری على تمایز الطبقات.
وکیف کان فمعاملتهم مع النساء کانت معامله مرکبه من معامله أهل المدنیه من الروم وإیران کتحریم الاستقلال فی الحقوق، والشرکه فی الأمور العامه الاجتماعیه کالحکم والحرب وأمر الازدواج إلا استثناء، ومن معامله أهل التوحش والبربریه، فلم یکن حرمانهن مستندا إلى تقدیس رۆساء البیوت وعبادتهم، بل من باب غلبه القوی واستخدامه للضعیف.
وقد أودعت هذا الحرمان والشقاء فی نفوس النساء ضعفا فی الفکره بصور لها أوهاما وخرافات عجیبه فی الحوادث والوقائع المختلفه ضبطتها کتب السیر والتاریخ.
یستنتج من أحوال المرأه فی المجتمع الانسانی من أدواره المختلفه قبل الاسلام وزمن ظهوره:
أولا: انهم کانوا یرونها إنسانا فی أفق الحیوان العجم، أو إنسانا ضعیف الإنسانیه منحطا لا یۆمن شره وفساده لو أطلق من قید التبعیه، واکتسب الحریه فی حیاته، والنظر الأول أنسب لسیره الأمم الوحشیه والثانی لغیرهم.
وثانیا: انهم کانوا یرون فی وزنها الاجتماعی انها خارجه من هیکل المجتمع المرکب غیر داخله فیه، وإنما هی من شرائطه التی لا غناء عنها کالمسکن لا غناء عن الالتجاء إلیه، أو أنها کالأسیر المسترق الذی هی من توابع المجتمع الغالب، ینتفع من عمله ولا یۆمن کیده على اختلاف المسلکین.
وثالثا: انهم کانوا یرون حرمانها من عامه الحقوق التی أمکن انتفاعها منها إلا بمقدار یرجع انتفاعها إلى انتفاع الرجال القیمین بأمرها.
ورابعا: ان أساس معاملتهم معها فیما عاملوا هو غلبه القوی على الضعیف، وبعباره أخرى قریحه الاستخدام، هذا فی الأمم غیر المتمدنه، وأما الأمم المتمدنه فیضاف عندهم إلى ذلک ما کانوا یعتقدونه فی أمرها: انها انسان ضعیف الخلقه لا تقدر على الاستقلال بأمرها، ولا یۆمن شرها، وربما اختلف الأمر اختلاطا باختلاف الأمم والأجیال.

Leave A Reply

Your email address will not be published.