مراحل خلق الإنسان
انّ من أُولى البحوث التی تطرح حول الإنسان هی مسأله مراحل خلق الإنسان وانّه کیف خلق؟ومن أیّ شیء خلق؟
ولقد أجاب القرآن الکریم ـ الذی یعتبر أصحّ مصادر الفکر الإسلامی ـ عن تلک الأسئله وأوضح المسأله بصوره مفصّله، وانّ المتتبّع لآیات الذکر الحکیم التی تعرّضت للبحث فی هذه القضیه یدرک جلیاً انّ عملیه خلق الإنسان قد مرّت بثلاث مراحل، وهی:
المرحله الأُولى: التراب المتحوّل
۱٫ التراب، ۲٫ الطین، ۳٫ الطین اللازب، ۴٫ صلصال من حمأ مسنون، ۵٫ سلاله من طین ۶٫ صلصال کالفخار.
إنّ مجموع هذه الحالات الست المختلفه ترجع فی حقیقتها إلى شیء واحد، وإنّ الماده الأساسیه فی کلّ هذه الحالات هی ماده واحده، ومن أجل التعرف على متون الآیات التی تتعلّق بهذه الأُمور السته نکتفی بذکر آیه واحده لکلّ عنوان منها:
۱٫ التراب:
( إنّ مَثَلَ عِیسى عِنْدَ اللّهِ کَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُراب ثُمَّ قالَ لَهُ کُنْ فَیَکُونُ ) .( [۱])
۲٫ الطین:
( الَّذی أحْسَنَ کُلَّ شَیء خَلَقَهُ وَ بَدَأَ خَلْقَ الإنْسانِ مِنْ طین ) .( [۲])
انظر فی هذا المجال الآیه ۲ من سوره الأنعام، والآیه ۱۲ من سوره الأعراف، والآیه ۶۱ من سوره الإسراء، والآیتین ۷۱و ۷۶ من سوره ص.
۳٫ طین لازب:
( …إنّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طین لازِب ) .( [۳])
۴٫ صلصال من حمأ مسنون:
( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسانَ مِنْ صَلْصال مِنْ حَمَإ مَسْنُون ) .( [۴])
وانظر أیضاً الآیتین ۲۸ و ۳۳ من نفس السوره.
۵٫ سلاله من طین:
( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسانَ مِنْ سُلالَه مِنْ طین ) .( [۵])
۶٫ صلصال کالفخار:
( خَلَقَ الإنْسانَ مِنْ صَلْصال کَالفَخّارِ ) .( [۶])
وفی نفس المضمون الآیات ۲۶، ۲۸و ۳۳ من سوره الحجر، انّ هذه الآیات تشیر إلى الماده الأُولى التی خلق منها آدم (علیه السلام) وذریته من بنی الإنسان، ومن المسلّم انّ هذه الأُمور السته ترتبط وبصوره مباشره بالحالات المادّیه لخلق الإنسان الأوّل المتمثّل فی أبی البشر آدم(علیه السلام) وانّ القرآن الکریم ینسبها ـ و بنحو ما ـ إلى جمیع البشر حیث یقول تعالى:
( خَلَقْناکُمْ مِنْ تُراب ) أو ( خَلَقْناهُمْ مِنْ طین لازِب ) .
ولا ریب انّ الماده الأُولى لخلق الإنسان قد مرّت بتغیّرات کیفیه تمثّلت بالحالات السته التی أشارت إلیها الآیات السابقه ولم یحدث أبداً أی تغییر جوهری أو انقلاب نوعی فی تلک الماده.
ومن المعلوم أنّ القرآن الکریم لیس من کتب العلوم الطبیعیه لکی یبحث فی هذه الأُمور بصوره مفصّله، ولکنّه ولأسباب وأهداف تربویه أشار إلى تلک التحوّلات السته التی وقعت على الماده الأُولى لخلق الإنسان مذکّراً الإنسان بحقیقه مکوّناته لکی لا یغتر من جهه ولکی یرعوی المتکبّر ویعرف أنّه کیف قد تدارکته الرحمه الإلهیه ونقلته من حضیض التراب إلى أوج السمو والرفعه.
المرحله الثانیه: مرحله التصویر
اعتبر القرآن الکریم مرحله تصویر آدم هی المرحله الثانیه من مراحل خلق الإنسان حیث قال سبحانه: ( وَلَقَدْ خَلَقْناکُمْ ثُمَّ صَوّرناکُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِکَهِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلاّ إبْلیسَ لَمْ یَکُنْ مِنَ السّاجِدینَ ) .( [۷])
ولکن لابدّ من بیان المراد من التصویر الذی تتحدّث عنه الآیه والذی جاء ذکره بعد الخلق لنعرف ما هی حقیقته؟
إنّ توضیح هذا الأمر یتوقّف على بیان المراد والمقصود من الخلق الوارد فی الآیه، لأنّ لفظ«الخلق» یطلق تاره ویراد منه الإیجاد، وتاره أُخرى یراد منه التقدیر، کما تقول العرب: «خلق الخیاط الثوب»، وهذا المعنى الثانی وإن کان صحیحاً فی محلّه إلاّ أنّه بالنسبه إلى هذه الآیه غیر صحیح، لأنّ المراد منه هو الإیجاد والخلق، والشاهد على ذلک انّه قد جاء بعد جمله ( خَلَقْناکُمْ ) جمله ( ثُمَّ صَوَّرْناکُمْ ) ، ومن المعلوم أنّ التصویر یناسب الخلق من الماده الأُولى ولا یناسب معنى القیاس والتقدیر العلمی الذی قد یصدق حتّى مع عدم وجود الماده.
وحینئذ لابدّ من معرفه المراد من التصویر ماهو؟
إنّ مفهوم التصویر هو نفس مفهوم التسویه الذی ورد فی آیه أُخرى حیث قال تعالى:
( وَ إذْ قالَ رَبُّکَ لِلْمَلائِکَهِ إنّی خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصال مِنْ حمإ مَسْنُون * فَإذا سَوَّیْتُهُ وَ نَفَخْتُ فیهِ مِنْ رُوحی فَقَعُوا لَهُ ساجِدینَ ) .( [۸])
المرحله الثالثه: مرحله نفخ الروح
المرحله الثالثه من المراحل التی مرّت بها عملیه خلق الإنسان هی عملیه نفخ الروح أو النفس فی البدن، وفی الحقیقه انّ هذه المرحله هی أهمّ المراحل، لأنّ من خلال هذه المرحله امتاز الإنسان عن غیره وجعلت له أفضلیه على غیره، لأنّ هذه المرحله جعلت منه موجوداً مرکباً من عدّه أبعاد، فمن جهه هو موجود متعقّل مفکّر یمتلک فکراً وعقلاً یوصله إلى مصاف الملائکه، ومن جهه أُخرى جهّز بمجموعه من الغرائز والمیول النفسیه التی إن لم تخضع للسیطره والموازنه والرقابه العقلیه فانّها تجمح به لتلقیه فی قعر الذلّ والسقوط والانحدار.
ولقد أشار القرآن الکریم إلى هذه المرحله بقوله سبحانه:
( فإذا سَوَّیْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِیهِ مِنْ رُوحی فَقَعُوا لَهُ ساجِدینَ ) .
وبهذا المضمون وردت الآیه ۷۲ من سوره ص.
والنکته الجدیره بالذکر هنا والتی تنفع لرفع التوهّم الذی قد یحصل من خلال ظاهر الآیه، وهی : إنّ من الثابت قطعاً أنّ اللّه سبحانه لیس بجسم ولا روح لکی ینفخ فی الإنسان منها، وإنّما عبّر عنها بهذا الأُسلوب وأضافها إلیه لغرض بیان عظمه الروح الإنسانیه کما أضاف سبحانه الکعبه المشرّفه إلیه، وقال جلّ شأنه:
( …أنْ طَهِّرا بَیْتِیَ للطَّائِفینَ… )( [۹]) .( [۱۰])
[۱] . آل عمران: ۵۹٫
[۲] . السجده: ۷٫
[۳] . الصافات: ۱۱٫
[۴] . الحجر: ۲۶٫
[۵] . المؤمنون: ۱۲٫
[۶] . الرحمن: ۱۴٫
[۷] . الأعراف: ۱۱٫
[۸] . الحجر:۲۸ـ ۲۹٫
[۹] . البقره: ۱۲۵٫
[۱۰] . منشور جاوید:۱۱/۱۸ـ ۲۴ و ج۴/۱۹۹ـ ۲۰۳٫