هویه الخلفاء والأئمه عند أهل السنه
ویرى أهل السنه – أیضاً – أن النبی (صلى الله علیه وآله) قد أهمل تحدید ذلک لئلا یحرج المسلمین بالتقید بنمط خاص من أنماط الحکم أو اختیار الحاکم، وذلک یرجع لتطور الزمن وأسالیب الحیاه التی اختلفت وتعددت مقارنه بما کان علیه الحال فی عهده (صلى الله علیه وآله).
ویقول الکاتب المصری المعاصر الدکتور محمد سلیم العوا فی هذا الشأن: (من الثابت تاریخیاً أن رسول الله (صلى الله علیه وآله) لم یعین للمسلمین من یقوم بأمر الدوله الإسلامیه بعد وفاته، بل لم یحدد الطریقه التی تتبع فی اختیار الحاکم بعده، وإنما أوضح للمسلمین القواعد العامه التی یجب أن یراعیها الحاکم فی سیرته.
وبین الرسول (صلى الله علیه وآله) بسیرته وأقواله المثل العلیا التی یجب التمسک بها والمحافظه علیها من جانب الحاکم والمحکومین على السواء، دون أن یتضمن ذلک الجانب من سنه الرسول، کما لم تتضمن نصوص القرآن الکریم تفصیلاً لنظام الحکم الذی یجب أن یطبق فی الدوله الإسلامیه إذ اکتفى فی هذا الصدد بالقواعد العامه فحسب) (۱).
وأضاف: إن الإمام الجوینی ذهب إلى مثل هذا الرأی عندما یقرر أن (معظم مسائل الإمامه عریه عن مسالک القطع، خلیه عن مدارک الیقین) (۲).
وبعد قول أهل السنه بعدم وجود نصوص فی تعیین من یخلف النبی (صلى الله علیه وآله) أو فی طریقه اختیاره وشروط انعقاد البیعه له، فإنهم ذهبوا للاستدلال بأقوال الصحابه وأفعالهم فی تشریع القوانین ووضع النظریات فی هذه المسائل. وهم یجمعون على کل حال على الاعتقاد بأن الإمامه الحقه تمثلت بخلافه أبی بکر، وعمر، وعثمان، وعلی، على حسب ترتیب أفضلیتهم عندهم، وسموهم بالخلفاء الراشدین. ویعتبرون أیضاً شرعیه الخلفاء ممن جاءوا بعدهم کالخلفاء الأمویین، والعباسیین، والعثمانیین، ولم یستثن من هذا الاعتبار سوى قله نادره کالخلیفه الأموی عمر بن عبد العزیز الذی عد خلیفه راشدیاً خامساً.
وبالرغم من إجماع أهل السنه بعدم وجود أی نص باستخلاف أی أحد بعد النبی (صلى الله علیه وآله)، إلا أن غالبیتهم قالوا إنه ألمح باستخلاف أبی بکر وشذ بعضهم وقالوا إنه (صلى الله علیه وآله) نص على خلافه أبی بکر، فأما القائلون بالتلمیح، فهو لاستنادهم على ما روته عائشه عندما سئلت من کان النبی (صلى الله علیه وآله) مستخلفاً لو استخلفه؟ قالت: أبو بکر، فقیل لها: ثم من بعد أبی بکر؟ قالت: عمر، ثم قیل لها: من؟ قالت: أبو عبیده بن الجراح، ثم انتهت إلى هذا (۳). وروت عائشه أیضاً أن الرسول (صلى الله علیه وآله) قال لها فی مرضه الأخیر:
(ادع لی أبا بکر وأخاک حتى أکتب کتاباً، فإنی أخاف أن یتمنى متمن ویقول قائل: أنا أولى، ویأبى الله والمؤمنون إلا أبا بکر) (۴).
وأما الشاذون بالقول بنص الرسول (صلى الله علیه وآله) باستخلاف أبی بکر کابن حزم، وابن حجر، فهو لاستنادهم إلى روایات ضعفها علماء الفریقین. ومنها ما نسب إلى النبی (صلى الله علیه وآله) أنه قال لامرأه: (إن جئت فلم تجدینی فأت أبا بکر الخلیفه من بعدی) (۵).
ومنها أیضاً: (یکون خلفی اثنا عشر خلیفه، أبو بکر لا یلبث إلا قلیلاً) (۶).
ومنها: (إنی لا أدری ما قدر بقائی فیکم فاقتدوا باللذین من بعدی أبی بکر وعمر) (۷).
ومن هذه الروایات المشکوک فی صحتها أیضاً ما نسب إلى الإمام علی (علیه السلام) أنه قال: (لما قبض رسول الله (صلى الله علیه وآله) فوجدنا النبی (صلى الله علیه وآله) قد قدم أبا بکر فی الصلاه، فرضینا لدنیانا من رضی رسول الله (صلى الله علیه وآله) لدیننا، فقدمنا أبا بکر) (۸).
طرق انعقاد الخلافه
تنعقد الخلافه أو الإمامه عند أهل السنه بإحدى الطرق التالیه:
۱ – إختیار أهل الحل والعقد
وأهل الحل والعقد هم بمثابه أعضاء مجلس الشورى الذی یمثل الأمه فی عملیه اختیار الخلیفه، ولم یشترط فی ذلک عدد معین منهم، فضلاً عن الإجماع، ویذهب معظم علماء أهل السنه إلى تجویز انعقاد البیعه للخلیفه ولو بمبایعه شخص واحد له من أهل الحل والعقد.
یقول الجوینی: (.. فإذا لم یشترط الإجماع فی عقد الإمامه لم یثبت عدد معدود، ولا حد محدود، فوجه الحکم بأن الإمامه تنعقد بعقد واحد من أهل الحل والعقد) (۹). ویقول القرطبی: (فإن عقدها واحد من أهل الحل والعقد، فذلک ثابت ویلزم الغیر فعله. (وهذا) خلافاً لبعض الناس حیث قالوا: لا تنعقد إلا بجماعه من أهل الحل والعقد، ودلیلنا أن عمر عقد البیعه لأبی بکر ولم ینکر أحد من الصحابه ذلک!) (۱۰).
وقال عضد الأیجی: (بل الواحد والاثنان من أهل الحل والعقد کاف، لعلمنا أن الصحابه مع صلابتهم فی الدین اکتفوا بذلک کعقد عمر لأبی بکر) (۱۱) وقال آخرون: (أقل ما تنعقد به الإمامه منهم خمسه یجتمعون على عقدها، أو یعقدها أحدهم برضا الأربعه استدلالاً بأن عمر جعل الشورى فی السته لیعقد لأحدهم برضا الخمسه) (۱۲).
۲ – عهد من الخلیفه السابق:
وفی هذه الطریقه یجوز للخلیفه أن یعهد بالخلافه لمن شاء لیجعله خلیفه بعده، فتنعقد الإمامه بذلک.
فیقول التفتازانی على سبیل المثال: أن هذا الاستخلاف یعد بمنزله الشورى، ودلیله على ذلک عهد أبی بکر بالخلافه إلى عمر (۱۳). ویدخل فی ذلک أیضا العهد إلى مجموعه من أهل الحل والعقد لیختاروا واحداً منهم إماماً. واستدل على ذلک من فعل عمر عندما عهد بالخلافه إلى سته.
ویرى بعض العلماء من أهل السنه أن شرعیه خلافه یزید قد اعتبرت انطلاقاً من هذا الأساس (الشرعی) المستنبط من فعل الصحابه لأنها کانت أیضا " بعهد من أبیه معاویه بن أبی سفیان وهو صحابی لا یجوز نقده ، ثم کانت ( خلافه یزید ) بمبایعه من بعض الصحابه ورضاهم کعبد الله بن عمر وهو أیضا " لا یجوز نقده ، بل یجب الاقتداء بما فعله ورضی به !
3 – الغلبه والقهر :
وتکون هذه الطریقه بأخذ الخلافه بالقوه کما فی حال الانقلاب العسکری .
ویقول التفتازانی : ( وتنعقد الإمامه بالقهر والاستیلاء ، فإذا مات الإمام وتصدى للإمامه من یستجمع شرائطها من غیر بیعه ( أهل الحل والعقد ) أو استخلاف ( بعهد من الإمام السابق ) وقهر الناس بشوکته ، انعقدت الخلافه له ) (۱۴) .
ویقول الشربینی: ( والطریق الثالث [ یکون ] باستیلاء شخص متغلب على الإمامه جامع للشروط المعتبره فی الإمامه على الملک بقهر وغلبه بعد موت الإمام لینظم شمل المسلمین .
أما الاستیلاء على [ إمامه الخلیفه ] الحی ففیه أمران : فإذا کان هذا الخلیفه الحی متغلبا "(بمعنى أنه وصل إلى الخلافه عن طریق الغلبه والقهر ) انعقدت إمامه المتغلب علیه ، وإن کان إماما " ببیعه أو بعهد من الإمام السابق لم تنعقد إمامه المتغلب علیه ) (۱۵) .
____________
(۱) محمد سلیم العوا، فی النظام السیاسی للدوله الإسلامیه، ص ۷۱٫
(۲) عبد الملک الجوینی، غیاث الأمم، ص ۷۵٫
(۳) صحیح مسلم، کتاب فضائل الصحابه، باب فضائل أبی بکر، ج ۵ ص ۲۴۷٫
(۴) المصدر السابق، ص ۲۴۸٫
(۵) ابن حجر الصواعق المحرقه، ص ۲۰٫
(۶) المصدر نفسه، ص ۲۰٫
(۷) المصدر نفسه، ص ۲۰٫
(۸) ابن الجوزی: صفوه الصفوه.
(۹) عبد الملک الجوینی، الإرشاد، ص ۴۲۴٫
(۱۹) تفسیر القرطبی، ج ۱ ص ۲۶۰٫
(۱۱) الأیجی، المواقف، ص ۴۰۰٫
(۱۲) الماوردی، الأحکام السلطانیه، ص ۷٫
(۱۳) التفتازانی، شرح المقاصد، ص ۲۷۲٫
( 14 )المصدر نفسه .
( ۱۵ ) الشربینی ، مغنی المحتاج ، ج ۴ ص ۱۳۱ – ۱۳۲