کیف نتعایش مع الآخر؟

0

وسبب إختیارنا هذا الموضوع هو أننا نظرنا فی ما حولنا، فوجدنا مشکلات کثیره بیننا کمسلمین، وداخل بلادنا، وبین بلادنا. الدماء التی أصبحت تُراق بیننا، والخلاف الذی أصبح محتدماً بیننا، والعالم کله یشاهدنا، کل هذا جعلنا نتقدم بدعوه إلى التعایش. إننا إذا تعلمنا أن نحیا معاً، وأن نتحدث ونتفاهم معاً، لن یحدث معنا کل هذا.
هناک مشکله فی التفاهم فی کل مکان فی العالم العربی والإسلامی. ولا أتحدث عن العدو الخارجی أو الإحتلال الآن، ولا أتحدث عن الآخر، بل عما بیننا نحن بعضنا بعضاً، وأننا لا نعرف کیف نحیا معاً. ولا أتحدث عن برنامج سیاسی، على الرغم حدیثی عن المآسی فی بلادنا، لکن موضوع التعایش والحوار، أبعَد بکثیر ممّا یحدث الآن. فی خارج بلاده بل هو داخل بیوتنا. حتى الآباء والأبناء لا توجد بینهم مساحه حوار، الأب لم یعد یتحدث مع ابنه، والأبناء أغلقوا على أنفسهم الحُجرات ولا یحدثون أهلهم. أصبحنا فی داخل البیت جزراً منفصله. فنحن کمسلمین فقدنا ثقافه التحدث والتحاور معاً. کل منّا یحیا وحده فی داخل البیوت. الإبن مُغلِق حجرته على نفسه، کأنّه فی جزیره منفصله، والأب یعطی أوامر ولا یتحاور مع الأبناء. ولیس فقط جیل الآباء والأبناء، بل حتى فی المدرسه والجامعه، لم یعد هناک حوار بین الأستاذ والتلمیذ. نحن فقدنا لغه التعایش بیننا.. الأزواج والزوجات، الطلاق فی إزدیاد، والتعاسه فی إزدیاد، والحب فی البیوت یقل، والعلاقات الزوجیه فقدت التفاهم، والخلاف یقع لأتفه الأسباب، وتجد الخصام والطلاق وتفرق العائلات وضیاع الأبناء، من أجل زرار قمیص أو ملح زائد، حتى فی الطریق، فی حادث سیاره بسیطه، لا تکون البدایه أن یتحدثوا معاً، بل خلاف، وربّما بالأیدی.
المحاکم امتلأت بالمشاکل، آلاف القضایا، لعدم قدره الناس على التعایش معاً والحدیث معاً. انظروا إلى جیل الشباب الذی لا یجد مَن یحدثه، فبدأ یشرب ویتعاطى المخدرات، ویتطرف وینحرف انحرافات فکریه وسلوکیه لأنّه وحده.
کل هذا التوصیف أرید منه أن یصل إلى کل مَن یسمعنی أنّ هناک مشکله کبیره، بدایه من البیت والشباب والأولاد مع آبائهم وأُمّهاتهم، للمدرسه، للجامعه، للأزواج والزوجات، وکل هؤلاء أخاطبهم من خلال هذه المقالات.
ولست أتحدث عن وضع بلادنا فی العراق وفلسطین فقط، بل عن الرجل وزوجته، والإبن وأبیه. حتى المساجد نختلف فیها مع بعضنا بعضاً على أدق وأبسط الأمور، وتتحول إلى قضیه کبیره وکراهیه بیننا، لعدم قدرتنا على أن نقبَل بعضنا بعضاً، وخلافات فی الفروع لیست فی ثوابت الإسلام. ومن المؤسف أن تصل هذه الخلافات إلى سباب وتجریح، ونعطی قُدوه بالمساجد التی هی رمز التآلف، وبُنیت لجمع الناس وشمل المسلمین. حتى داخل العمارات، انظُروا إلى إتحادات الملاک الآن وخلافاتهم. حتى الجیران الساکنین إلى جانب بعضهم بعضاً.. نحن فقدنا لغه الحوار والتعایش معاً.
دعوه إلى التعایش.. هیا نحیا معاً، ونتحدث معاً. وهذا هو موضوع.
فهو موضوع یمس کل إنسان منّا، فهو داخل البیوت والشباب، وداخل مصانعنا وشرکاتنا وجامعاتنا والبحث العلمی، کیف نعمل معاً؟ فکره فریق العمل، العمل الجماعی فکره منعدمه. فنحن لا نعرف کیف نعمل معاً. ففی بلد مثل نیوزیلندا، تجد شرکه یدیرها الجیل السابع من الأبناء.. تَخیَّل! وهذا یعنی أنّ الجَدّ السابع قد أسّس الشرکه، والتی أخذت تنمو وتتناقل إلى الجیل السابع. أما نحن، فالأب یموت وقد أقام شرکه فی یوم ما، ثمّ یموت فیختلف الإخوه. ویقسمون الشرکه إلى ستین مصنعاً وتتفتت الشرکه. أمّا الشرکات فی أوروبا الآن، فتندمج مع الشرکات الکبرى لمزید من القوه، ونحن نتفتت، فلیست لدینا هذه الثقافه.
إنّ فکره الحوار والتعایش غیر موجوده حتى فی المدرسه. ولا توجد ماده فی المدارس تسمَّى ماده التعایش أو فنّ الحوار والإتصال، ولا فی الجامعه.. کیف نتعامل مع الآخرین ونکْسَبهُم، کیف أوجد مساحه مشترکه بینی وبین الآخرین، کیف أتعامل مع الناس، وکیف أتعایش؟
ولا أعلم خطبه جمعه تحدثت فی الموضوع، ولا أعرف آباء وأُمّهات یقصُّون على أولادهم قصه قبل النوم عن کیف یتعایشون ویتحاورون معاً، ولا أعرف ألعاباً موجوده فی بلادنا تُعلِّم العمل الجماعی کما فی البلاد الأخرى، ولا کیف یلعب الأطفال لعبه جماعیه. نحن فاقدون هذه الثقافه، على الرغم من أن دیننا ممتلئ بها والمشکله وصلت حتى إلى المسلمین فی الغرب. والمواطن الغربی، منذ مئه عام، إذا أراد معرفه معلومه عن الإسلام، بصرف النظر عما إذا کان سیُسلم أم لا، ولم یکن هناک إنترنیت ولا فضائیات، ولا مسلمون فی الغرب، فکان تُؤتَى بها من أناس یُسَمَّون المستشرقین.
المستشرقون أناس درسوا الإسلام وعادوا إلى الغرب، یحکون له عن الإسلام. لکن، للأسف، أغلب المستشرقین تحدَّثوا عن الإسلام خطأ، وعرضوا الإسلام بأنّه انتشر بالسیف، فخاف المواطن الغربی من الإسلام، وظللنا هکذا سنین طویله، حتى أصبح المسلمون بالآلاف، بل بالملایین، ذهبوا وعاشوا فی الغرب، فحمدنا الله لأنّ الصوره عن الإسلام ستتحسن وسیُحترَم الإسلام، وسیعرف الغرب الإسلام من مصادره الحقیقه، لأنّه لن یحتاج إلى المستشرقین، لکن، للأسف، حتى هذه لم تحدث. انعَزَل المسلمون فی الغرب على أنفسهم، وانغلَقوا، ولم یتعایشوا مع المجتمع حتى یحترم الإسلام، ویعرف الصوره الحقیقیه للإسلام. هؤلاء نحدثهم من خلال هذه المقالات، کیف یندمجون فی المجتمع الغربی، من دون أن یَفقدوا إسلامهم أو هویتهم مع الإعتذار والإفتخار بأنّهم مسلمون.
المقالات تحدّث کل هؤلاء، تقول لإخواننا فی العراق وفلسطین: کفَى دماءً، وتقول للأزواج والزوجات: تحدّثوا معاً، وتقول کیف نتعلم فن الحوار مع بعضنا بعضاً کأزواج، وتقول للشباب: کیف تتحدث مع أبیک وأُمّک، وتقول للأهالی: کیف تَسمَعون لأولادکم، وتُعلم الناس فی الشرکات والمصانع کیف نصبح متعایشین مع بعضنا بعضاً، کیف أوجِد معک مساحه مشترکه، کیف نعمل معاً؟ وسنضرب الأمثله على ذلک.
فالکلام لیس موجَّهاً فقط إلى مَن لدیهم خلافات ومشکلات، لکنّه موجه إلى عموم شبابنا. فأی شاب یرید أن ینجح فی الحیاه، هناک مهاره أساسیه لابدّ من أن یتعلمها، تُسمَّى فن التعامل مع الناس ومع الآخر، وکیف إذا کان لدیّ دائرتی وفکری، ولدیک دائرتک وفکرک، وإذا ظللنا على بُعد ستبقى الدائرتان بعیدتین، ولکی أنجح لابدّ من أن أبحث عن مساحه مشترکه فی المنتصف بینی وبینک، وستبقَى فی دائرتی جزئیه أنت غیر موافق علیها، وستظل جزئیه فی دائرتک أنا غیر موافق علیها، لکن ستبقى أیضاً منطقه فی المنتصف نظل نتوسع فیها، ونکسب فیها نحن الإثنین.
هناک کلمه جمیله لأحد العلماء، یقول: "الآن استطعت أن أرى بوضوح، لأنی صعدت على أکتاف الجمیع یوم استمعت لآراء الجمیع". إنها دعوه إلى التعایش، ستعلّمک أداه من أدوات النجاح فی الحیاه، هی کیف نتعایش مع بعضنا بعضاً. فالمشکله أنّ هناک دماء وهناک خسائر وبلاداً تضیع وأُمّهات یفقدن أولادهنّ، وأزواجاً یتطلقون، ومحاکم، وهناک شباب ضائع، وهناک شباب یرید النجاح، ولا یملک أدوات النجاح، فأتینا لنقول: هذه دعوه إلى التعایش.
هدف المقالات شیئان:
– الهدف الأوّل: غرس فکره التعایش، والقدره على التعامل مع الناس، والإنفتاح على الناس والتفاهم معهم والتحاور معهم، وغرس فکره التعایش فی قلب وعقل کل مسلم.
– الهدف الثانی هو مساعدتک: من خلال هذه المقالات على إکتساب المهارات الأساسیه، وکأنّک تأخذ تدریباً: کیف أتعایش مع الآخر؟ وکیف تکسب الناس؟ إذا فعلت کذا ابنک یقترب منک، إذا فعلتِ کذا تتفاهمین مع زوجک. سنعطی الأدوات التی سیفتح بها الله علینا من خلال الماده الموجوده معنا، وتفهم کیف تبحث عن مساحه مشترکه بینک وبین الناس، ولا یکون هناک بُعد.
ستبحث عن طریقه لتخلق مساحه مشترکه بنیه التقارب، وبنیه التآلف مع جارک أو زمیلک فی العمل، وسنتفق هنا على مصطلحات. فعندما أقول کلمه "الآخر"، یعتقد الناس أننی أتحدث عن الغرب. وأنا أقول لکم إنّ علماء النفس أقرّوا أنّه أوّل ما یُفطم الطفل، یصرخ لإنفصاله عن الأُم، معنویاً وجسدیاً ونفسیاً، ثمّ یسکن صراخه، لأنّ هذه أوّل مرّه یتعایش مع الإطار من حوله، ویبدأ یتعایش مع أُمّه بطریقه جدیده. فالتعایش فی علم النفس یبدأ مع "الآخر" الذی هو الأُم. حتى "الأُم" هی "آخَر" فی علم النفس. والقرآن، فی الحقیقه، عندما تحدث عن "الآخر"، تحدث عنه فی أمر غریب جدّاً، وهو بین الإخوه. وأنا أرید أن أسألکم: هل یعرف أحد، ما هو أوّل درس علّمه الله للبشریّه؟ هو کان درس التعایش. ستنزلون الأرض ولابدّ أن تتعلموا کیف تعیشون مع الآخر. والآیه تقول عن ابنی آدم عندما نزلا إلى الأرض: (وَاتْلُ عَلَیْهِمْ نَبَأَ ابْنَیْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ یُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ…) (المائده/ ۲۷). کلمه آخر جاءت فی القرآن، على الرغم من أنهما أخوان، لکن اعتبر الثانی "آخر" لأنهم مختلفان عن بعضهما بعضاً فی التفکیر. قال: (… لأقْتُلَنَّکَ قَالَ إِنَّمَا یَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِینَ) (المائده/ ۲۷). الأوّل رفض التعایش وحسد الثانی، والثانی قال: (… إِنَّمَا یَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِینَ)، لا تحسدنی طالما هی نعمه من الله تبارک وتعالى. ولکونی لدیّ بترول فی أرضی، فهذه نعمه من الله تبارک وتعالى، لا تحسدنی علیها وتفرض التعایش وتحاول أخذها، ثمّ تطالبنی بالتعایش: (لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَیَّ یَدَکَ لِتَقْتُلَنِی مَا أَنَا بِبَاسِطٍ یَدِیَ إِلَیْکَ لأقْتُلَکَ إِنِّی أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِینَ) (المائده/ ۲۸). الآیات تَحکی عن أوّل علاقه لأخوین من أُم واحده وعائله واحده، من جنس واحد، من لون واحد، من دین واحد، ولم یعرفا کیف یتعایشان معاً، وقتل أحدهما الآخر.
وهذا لیس موضوع ترَف، بل فی ألف باء الوجود وألف باء الحیاه. کیف نتعایش مع بعضنا بعضاً فی الحیاه، بدایهً من یوم الولاده، وکل مَن هو مختلف عنک هو آخر؟ کیف إذن تتعایش مع الآخرین، بدایه من أبیک وأُمّک؟ فهما "آخر"، وحتى زوجتک وابنک وأخوک، هم آخرون.
وهذا هو معنى الدعوه إلى التعایش. واعلموا أنّ المتعایش قادر على التفاهم مع الناس والتحاور معهم وهو واثق بنفسه، إنسان قوی ومنفتح وحضاری. أمّا غیر القادر على التحاور مع الناس فهو إنسان ضعیف ومهزوزه ثقته بنفسه، ولذلک، لأنّ الإسلام دین قوی جدّاً ومنفتح على العالم وصاحب رساله عالمیه، ینفتح على الثقافات الأخرى، ویتعامل معها لأنّه قوی وغیر مهزوز، ولانّه بما فیه من عناصر القوه محافظ على هویته، وفی الوقت نفسه منفتح على الآخرین.
وهناک نقطه مهمه جدّاً لابدّ أن أذکرها، وهی أنّه لیس معنَى التعایش أن تفقد نفسک أو تفقد شخصیتک. ولا أرید أن یعتقد أحد أنی أتحدث من أجل أن نُمیِّع شخصیات شبابنا ویصبحوا بلا شخصیه. فلیس معنى التعایش أن أذوب. أعلم أنک ستقول: کیف سأنفتح وأتعامل مع الناس من دون أن أفقد شخصیتی؟ لیس معنى التعایش للمسلمین فی الغرب أن تفقد إیمانک وتفقد هویتک الإسلامیه وتقول: أنا تعایشت مع الغرب. لا. إن معنى کلمه "تعایش" أنّ هناک طرفین، فإذا أصبحا طرفاً واحداً فلن یکون هناک معنى للتعایش، فإذا ذابا لن یکون هناک تعایش. وبالتالی، لا یصلح أن تجعل شبابنا نسخه من ثقافه أخرى وهی ثقافه الغرب، وبالقوه، هم مختلفون، ثمّ تقول لی: "نتعایش". لا یصلح أن تحتل أرضی ثمّ تقول لی "نتعایش".
فلا أرید أن یفهم أحد هذا الکلام خطأ. فأنا أدعو إلى التعایش، لکن التعایش لیس هو الذوبان، بل یعنی أنّ هناک طرفین یحترمان بعضهما بعضاً، ویتعاملان مع بعضهما بعضاً. نعم، نرید التعایش ودیننا یأمرنا به، وهو أوّل درس للبشریه، ونرید أن نعلِّم شبابنا مهارات التعایش، وهذا هو هدف المقالات. وأیضاً کیف نتعامل ونعمل معاً، کیف نقبَل بعضنا بعضاً ونحترم بعضنا بعضاً. لکن لیس معنى هذا أن أفقد شخصیتی.
ولهذا، سیکون الکلام کله یحکی لنا قصص التعایش من تاریخنا، ولماذا من تاریخنا؟ لأقول للشباب: انظُر، هویتک عظیمه، انظر.. إنّ إسلامک عظیم. تعایش وجذرک ثابت فی الأرض. فلا أرید أن یزاید أحد على هذا الکلام أو یقول إن دعوه إلى التعایش هی أن نفقد قیمنا. لا، إنّ هذا عکس ما أرید قوله. وأنا أقول إنّ المسلم صاحب رساله عالمیه، انفتح على العالم کله، وأنا معتز بشخصیتی، والنبی (ص)، یُعلِّمنا ویقول لنا: "المؤمن الذی یخالط الناس ویصبر على أذاهم خیر من الذی لا یخالطهم ولا یؤذونه". ومعنى "یخالط" هو التعایش. والذی لا یخالط الناس هو الذی ینغلق على نفسه، ثمّ یقول: الحمد لله لم یقترب منی أحد.. لیس هذا الأحسن، بل الأحسن هو الذی یخالط الناس ویصبر علیهم حتى لو أرادوا أن یُفقدوه شخصیته. لا، علیک أن تتمسّک بشخصیتک. لکن فی الوقت نفسه قل: أنا قادر على أن أتعایش معک، وأتفاهم معک، وأوجد مساحه مشترکه بینی وبینک، على الرغم من أنی مختلف معک.

Leave A Reply

Your email address will not be published.