معاداه التشیع والافتراء علیه
لقد تعرضوا لأبشع أنواع النسب ووصموا بما هم منه براء، ونسب لهم ما هو عند غیرهم، وقد یکون عند من ینسب إلیهم نفسه، وسیمر علینا بعض الذی قلناه، ونحاول ان یکون ذکر ذلک بإیجاز نظرا لطول القائمه وضخامه الحصیله عبر القرون العدیده.
وقد اشبع هذا الموضوع وکتب فیه الکثیر، ومن اجل ذلک ستکون الإشاره إلیه وجیزه. ولو ان الذین یکتبون عن الشیعه ویقیمونهم یدفعهم لذلک هدف خیر او بحث عن الحقائق، لکان فى بعض ما کتبه الشیعه بأقلامهم، وما اجابوا به السائلین وردوا به على المغرضین ما یکفى لإیضاح الحقائق وتبدید الشبهات، واناره الظلام الذى ارید له ان یغطى تاریخهم، ولکن یبدو ان الأمر ابعد ما یکون عن طلب الحقائق، بل هو محاوله مکشوفه لطمس المعالم وتشویه الحقائق ومحاصره التشیع والشیعه، واخراجهم عن الهویه الاسلامیه باى ثمن کان. وهو مطلب لم یتحقق عبر السنین فى کثیر من المحاولات، ولکن القوم ما یزالون مصرین على ذلک وباجماع غریب، تصر علیه بعض الانظمه لامور لا تخفى، وتصر علیه القاعده على اختلاف هذا الاصرار بین مستاجر لذلک، ومضلل نشا فى اجواء غذته بذلک وهو یحسن بها الظن، وماش مع التیار لا یعنیه الفحص عن مثل هذه الامور، ومترب اخذ ذلک تراثا مقدسا یصعب علیه ان یشکک فیه لئلا یوذى ضمیره الدینى الذى تربى على اخذ ذلک من المسلمات وهکذا.
اللهم الا قلیل ممن استعرضنا ممن حمله دینه وضمیره او من ادرک خطر عواقب امثال هذه الامور على الامه الاسلامیه: فهولاء ارتفعت لهم اصوات على استحیاء تدعوا لانصاف الشیعه، وتبذل محاوله لتصحیح هویتهم الاسلامیه فى نظر باقى الفرق الاسلامیه، وذلک عن طریق حمل بعض الاراء التى تنسب للشیعه على افراد او فرق (بادوا)، او ان بعض آراء الشیعه اجتهادات اخطاوا بها وینبغى ان ینصحوا بالاقلاع عنها، ویذهب بعض للدعوه الى السکوت عنهم وتکثیف الحملات الهادئه لامتصاصهم وذلک جمعا للشمل وصیانه للهیکل الاسلامى لئلا (یتصدع).
ولم ار احدا من هولاء فکر فى ان یراجع مخزونه التراثى الذى انصب على معاداه الشیعه وفحص مفرداته لیرى ما اذا کان ما یتبناه سلیما ام مجرد هوى، یاخذ صوره دین او عقیده، فکان ما هو عندهم بکل مصادره حقائق مسلمه غیر قابله للنقاش، ولا للفحص.
قلت ان هولاء الداعین لانصاف الشیعه هم قلیل جدا، لا تلبث اصواتهم ان تتلاشى بالفضاء العریض الطویل، وتذوب امنیاتهم ضمن تیار جارف عارم من الدعوه للقضاء على الشیعه وعزلهم عن الحیاه بکل ابعادها، کل ذلک فى الوقت الذى نرى فیه اهل السنه بکل تیاراتهم یحرصون على ضم فرد واحد الى صفوفهم یبذلون فى ذلک الجهد والمال. ولکنهم یحرصون وباصرار على اخراج ثلاثمائه ملیون مسلم شیعى من جسم الامه بمبررات ما انزل اللّه بها من سلطان.
وهى مبررات لو کلف الباحثون انفسهم بالبحث عن مدارکها او صحه الاستنتاج منها لانتهوا الى انها من العواطف، لا من المدارک والادله، وان الاستنتاج منها قائم على اساس منهار، کما انهم لم یاخذوا بعین الاعتبار ما قد تنتهى الیه هذه الممارسات من نهایات خطره، اقلها دفع هولاء الى احضان دعوات هدامه تکید للاسلام، وتهیئه مواطىء لاقدام من یهمه تمزیق المسلمین لمصالحه، وبعث الشکوک فى نفوس من یقیم مضامین الاسلام بان الاسلام لیس بدین الوحده، بل هو دین التمزق، هذا بالاضافه الى ما نعتقده بان اللّه تعالى سیحجب عنا رحمته وتوفیقه. وصدق اللّه تعالى اذ یقول: (نسوا اللّه فانساهم انفسهم).
أسباب هذا الموقف ما هى؟
ولا بد ونحن بصدد تشخیص هذه المشکله ان نتساءل کما یتساءل غیرنا عن اسباب وسر هذا الموقف. للإجابه على ذلک سألخص ما عن لى من اسباب، آمل ان تکون کافیه الى حد ما لتعلیل ذلک.
فاقول:
۱ – منذ ولد التشیع فى عصر الرسول(صلى الله علیه وآله) وعرف به جماعه کانوا یسمون آنذاک بشیعه على(علیه السلام) مثل سلمان وابو ذر والمقدادبن الاسود وعماربن یاسر وغیر هولاء، ولد محاصرا لان ولادته کانت تقییم لعلىبن ابى طالب، ونتیجه تمییز له عن غیره، وذلک للنصوص والمواقف من الرسول(صلى الله علیه وآله) ازاء على(علیه السلام)، ولما جسده على(علیه السلام) من انجازات فى خدمه الإسلام والمسلمین.
اما النصوص، فمن الایات عدد یتراوح بین السبعین الى الثلاثمائه آیه من القرآن الکریم، کما ذهب لذلک عبد اللّه بن عباس وجماعه آخرون. تناولت هذه الایات جوانب مما یتصل بعلى(علیه السلام) بمفرده مره، ومع غیره مره اخرى، وقد تکفلت کتب اسباب النزول بحصر ذلک، ومن الاحادیث النبویه مئات نص علیها المعنیون بالسنه النبویه الشریفه.
اما مواقف على ففى کتب السیر منها کمیه تشد الیه القلوب والافکار. کل ذلک استدعى ان یلتف حوله جماعه من الصحابه وفضلوه على غیره، ووقف منهم الاخرون موقفا سلبیا واعتبروهم فرقه معارضه حینما صار الحکم بجانب الفئات الاخرى، وجندوا ضدهم کل ما تجنده الفئات الحاکمه ضد المعارضه عاده.
۲ – ولما کانت دیون على بن ابى طالب(علیه السلام) ثقیله من ناحیه الدماء القرشیه ابتداء من السرایا وانتهاءا بالحروب الکبیره، والتى کان عددها اعنى السرایا والحروب ثلاثه وثمانین، کان نصیب على(علیه السلام) منها الاوفر، ففى واقعه بدر فقط کان نصف القتلى بسیف على(علیه السلام) وفى واقعه احد کان عدد من قتل على یدیه ثمانیه عشر بالاضافه الى البیوتات العربیه التى وترها على(علیه السلام) بسیفه، وهى وان کانت حروب اسلامیه مع جهات کافره اى لم تحدث بسبب وتر خاص او هدف قبلى، وانما هى صراع بین کفر واسلام یقوم به مقاتلون من المسلمین مقابل مقاتلین من الکافرین، ولکن تلک الدماء لم تعصب بالاسلام کجهه معنویه بل اسندت المسوولیه عنها الى الرسول(صلى الله علیه وآله) وبیته الخاص، وحمل مسوولیاتها الکامله علىبن ابى طالب(علیه السلام)، وامتدت هذه المسوولیه لتشمل من التف حوله، فتعرض من اجل ذلک شیعه على(علیه السلام) الى انتقام یلبس وجوها شتى ابتداء من الدم المسفوک والحق المسلوب والکرامه المهدوره، وانتهاء بسیول من التهم والافتراءات علیهم.
واقل تلک التهم کان لاخراجهم عن حظیره الاسلام، ثم کل ذلک بید الحکام القرشیین الذین امتد حکمهم مددا طویله، وقل انها عملیه اسقاط على الشیعه جاءتهم من الموتورین.
۳ – فى خلال ذلک تبلورت نظریه الشیعه فى الحکم، ومن هو احق به، واتضح الطابع السیاسى من هذه الناحیه فشکل صراعا فکریا فى المیدان، نشطت له اقلام الطرفین، وحشدت امکانات الفریقین الفکریه لتکون تیارین متصارعین، احدهما یدافع (تیار الشیعه) وآخر یهاجم (تیار الحاکمین) والقاعده المحکومه التى هى فى الغالب على دین ملوکها وهى الطرف الاقوى، بل لا نسبه بین الوسائل عند الطرفین، وکان من جمله تلک الوسائل الاقلام التى جندت ووقفت بضراوه لشن حرب لا هواده فیها، انعدمت فیها امانه التاریخ، واختفت مسوولیه الکلمه، بل وغاب الحرف الکریم، وابدل کل ذلک بسباب لا یقبله النهج المسلم، ولا القلم الشریف، ووصل الامر الى درجه من الاسفاف یاسى لها کل مسلم غیور.
وکان حصیله ذلک ان تراکم خزین کبیر من الافتراءات على الشیعه، وامتد منذ الایام الاولى حتى الان، بل ربما کان الان اکثر عنفا وضراوه بسبب شریانین دافقین من المال والحقد، یمدان الاقلام ویرفدان النار بالوقود حتى لا تنطفىء، واللّه وحده هو المسوول ان یتولى المسلمین برحمته فینجیهم من هذه النار.
۴ – حصلت قناعه تامه فى الساحه الاسلامیه بان الحکم تکرس عند فریق السنه وساعد على هذا التکریس عوامل جغرافیه وعرقیه وعقیدیه فى تفصیل طویل لا نرید الالمام به هنا، وانما مجرد اشاره لذلک، ومن الواضح ان یستقطب الحکم کل الطاقات الا النادر، وهذا ما حصل بالفعل، حیث استاثر انصار الحکم بالساحه وابعد عنها الشیعه بمختلف الوسائل، وادت القناعه بتکریس الحکم عند السنه، الى معاداه الشیعه من قبل (الانتهازیین).
۵ – عرف عن الفکر والفقه الشیعى تمسکه الحرفى بالنصوص وعدم اخضاعه النص لاعتبارات اخرى کتقییده بالمصلحه، وکاخضاعه لراى المذهب اذا اصطدم براى المذهب، ومودى ذلک ان لا مجال لمن یمد عینیه الى (حصیله) او ان یقفز على مفاد النصوص الى هدف من هذه الاهداف، فى حین اتسع مدلول النص فى الطرف الثانى لیفتح آفاقا امام الطموحات التى ترید لها منفذا لتلج منه لمصلحتها ولو على حساب الدین.
فانکفاء الناس عن الفکر الشیعى لهذا السبب، بالاضافه لاسباب اخرى، ثم تطور الابتعاد عنه الى مهاجمه له تحت ستار الجمود وعدم مسایره روح النص، وهو زعم من ورائه المصلحه، وان غطى بثوب آخر.
واجتمع من وراء هذا التیار رصید کبیر کون تراثا لیس من السهل الخروج عنه، وعمل انصار هذا التراث على مهاجمه ما یعارضه حتى ولو الافتئات على الحقائق.
هذه مجرد امثله ونماذج لعوامل متعدده ادت الى هذه الحصیله الضخمه من الافتراءات على الشیعه، وکان لا بد مع ما ذکرناه من ان یتضاءل نشاط الشیعه الفکرى والاجتماعى بفعل الضربات المتلاحقه على مختلف الاصعده.
فوسائل الاعلام بید غیرهم من صحافه وکتاب ومذیاع مسموع او منظور، ومناهج التعلیم هى الاخرى کذلک هجوم على الفکر الشیعى واشاده بالمقابل له، وفرص الحیاه مفتوحه امام حمله الفکر السنى ومغلقه امام حمله الفکر الشیعى، بل حتى مع المتعاطفین معهم. اللهم الا نشاط فردى ضئیل هنا وهناک یشکل جهد المقل، ولولا عنایه اللّه تعالى بفکر آل محمد، لذهبت حتى هذه البقیه الباقیه. ۶ – ولو قدر للقارىء ان لا یعتبر ما ذکرناه من الاسباب مبررا او معللا لهذا الهجوم المتواصل على الشیعه عبر القرون فلا یبقى الا عامل واحد یتلخص بان محاصره التشیع منذ ایامه الاولى من قبل الحکام، کانت دوافعه سیاسیه، تستهدف اقصاءهم باقصاء ائمتهم عن الحکم، وکان لا بد من خلق مبررات کما اشرنا سابقا، ومن اهم تلک المبررات هى المبررات العقائدیه، ومع طول الزمن نشا جیل تغذیه وسائل الاعلام والتربیه بغض الشیعه (لانحرافهم عن الدین)، واخذ هذا الجیل یشکل رافدا یتوالد وتتوارثه الاجیال، وهى معتقده بصحه ما ینسب الى الشیعه من انحراف، فیحملها دینها وحرصها على اسلامها ان تقف موقفا سلبیا من الشیعه، خصوصا مع وجود اقلام تواصل الحمله وتمد النار بالوقود تمشیا مع التیار السائد، وحرصا على مصالحها ومکانتها التى ربما تتعرض الى الضیاع لو قالت کلمه الحق، وصححت المسار، وربما تعرضت للاخطار لو أقدمت على إنصاف الشیعه، ولیس موقف أهل الشام من النسائى ببعید عن الاذهان، عندما سألوه عن المقارنه بین علی ومعاویه، فقال:
وهل یصل معاویه الى ان یکون رأسا برأس مع علی، فضلا عن ان یفضل علیه، فوطوه ورضوه حتى مات.
ولکن مع ذلک تبقى امانه التاریخ ومسؤولیه الکلمه وقول کلمه الحق کلها داعیه لحمله الفکر وأهل الدین ان یصدعوا بالحق، ویضعوا النقاط على الحروف، ویدفعهم الشعور بمصلحه الأمه الإسلامیه، ورفع شانها، ووحده کلمتها، الى ان یستسهلوا الصعب ویشتروا وجه اللّه تعالى والدار الاخره، والمکاسب الناتجه من وحده المسلمین لو تحققت، فذلک امل یداعب کل نفس خلت من اوضار العصبیه، واخلصت للّه تعالى، وهو وان یکن امرا عسیر المنال، فان کل مکسب لا یحصل بدون تخطى العقبات، وخوض الصعاب، لا سیما ان الحقائق ظهرت بفضل انتشار وسائل الاعلام، وتوفر مصادر المعرفه عن الفکر الشیعی، واختلاط المسلمین بعضهم ببعض.
ان کل ذلک کان لتبدید الظلام والتعرف على الواقع، افلا یکفى مرور أربعه عشر قرنا على دعوى وجود قرآن خاص للشیعه للعثور على نسخه منه، واذا تعذر الحصول على نسخه واحده منه فها هى مصادر أحکام الشیعه، وکتب فقه الشیعه میسره ویمکن التعرف على مدارکها فهى واضحه، ذلک لمن کان له قلب او القى السمع وهو شهید.
اذ خلاصه هذا الوجه الأخیر، هو ان معاداه الشیعه والافتراء علیهم هی حرکه ناتجه عن قوه الاستمرار فى حرکه من أرادوا إبعادهم عن الساحه.