ضروره النصّ بین الخلیفه والنبیّ
وإنّما صار ذلک للخلیفه خوفاً من وقوع الفتنه واضطراب الاَُمّه (۲).
فمن أجل ذلک کان بعض الصحابه یراجع عمر ویسأله أن ینصّ على من یخلفه (۳) .
تُرى، لماذا لا یکون النبیّ (صلى الله علیه وآله) أوْلى بالتفکیر فی ذلک، وبرعایه هذه المصلحه ؟!
إنّه الرحمه المهداه، بلا شکّ. ألیس من تمام الرحمه وجمالها أن یُجنّب أُمّته المحذور من الاختلاف بعده ؟!
لقد أحبّ أُمّته وحرص علیها ( عزیزٌ علیه ماعنِتّم حریصٌ علیکم بالمؤمنین رؤوف رحیم ) (۴).
وأیضاً: فقد کان (صلى الله علیه وآله) یعلم أنّنا سوف لاننتظر بعده نبیّاً یُعید نظمَ أمرنا!
لقد بصر ابن حزم بذلک ، فحاول أن یتدارکه ، فقال : وجدنا عقد الاِمامه یصحّ بوجوه : أوّلها وأصحّها وأفضلها أن یعهد الاِمام المیّت إلى إنسان یختاره إماماً بعد موته ، سواء جعل ذلک فی صحّته أو عند موته ، کما فعل رسول الله (صلى الله علیه وآله) بأبی بکر ، وکما فعل أبو بکر بعمر ، وکما فعل سلیمان بن عبد الملک بعمر بن عبد العزیز .
قال : وهذا هو الوجه الذی نختاره ، ونکره غیره ، لِما فی هذا الوجه من اتّصال الاِمامه ، وانتظام أمر الاِسلام وأهله ، ورفع مایتخوّف من الاختلاف والشغب ممّا یُتوَقّع فی غیره من بقاء الاَُمّه فوضى ، ومن انتشار الاَمر وحدوث الاَطماع (۵).
لقد لحظ ابن حزم أکثر من ثغره فی تلک النظریه ( الشورى ) ، فأظهر مهارهً فی محاوله رتقها ، بأنْ جمع بین الضرورات الدینیه والعقلیه والاجتماعیه وبین الاَمر الواقع ، لیخرج بصیغه أکثر تماسکاً .
فتَرْکُ الاَُمّه دون تعیین ولیّ الاَمر الذی یخلف زعیمها یعنی بقاء الاَُمّه فوضى ، وتشتّت أمرها ، وظهور الاَطماع فی الخلافه لا محاله.. وهذا ممّا ینبغی أن یدرکه النبیّ (صلى الله علیه وآله) فیبادر إلى تلافیه ، ولو فی مرضه الذی توفّی فیه .
وتعیین الخلیفه بهذه الطریقه سیضمن اتّصال الاِمامه ، وانتظام أمر الاِسلام .
وإذا کان أبو بکر قد أدرک ذلک فنصَّ على مَن یخلفه ، وأدرکه أیضاً عمر ، وأدرکه سلیمان بن عبد الملک ، فکیف نظنّ بالنبیّ (صلى الله علیه وآله) أنّه قد أغفل ذلک ؟!
إنّها إثارات جادّه دفعته إلى حلٍّ وحید یمکنه أن ینقذ هذه النظریه ، کما ینقذ الاَمر الواقع بعد الرسول (صلى الله علیه وآله) ، وتمثّل هذا الحلّ عنده بنصّ النبیّ على أبی بکر بالخلافه !
إذن فلا النبیّ (صلى الله علیه وآله) قد ترک هذا الاَمر للاَُمّه ، أو ترکها فوضى ، ولا کانت بیعه أبی بکر فلته !
إنّها أُطروحه متینه ، کفیله بقطع النزاع ، لو تمّت.. !
ولکنّها ـ للاَسف ـ لم تکن سوى مجازفه ، فمن البدیهی عندئذٍ أن تکون عاجزهً عن تحقیق الاَمل المنشود منها !
فلا هی تدارکت تلک النظریه وعالجت ثغراتها ، ولا هی أنقذت الاَمر الواقع !
وذلک لسبب بسیط ، وهو أنّ النصّ على أبی بکر لم یثبت ، بل لم یدّعِ وجوده أحد ، بل تسالمت الاَُمّه على عدمه .
فمن أراد أن یثبت مثل هذا النصّ على أبی بکر بالخصوص ، فعلیه أن ینفی حادثه السقیفه جملهً وتفصیلاً .
علیه أن یکذّب بکلّ ماثبت نقله فی الصحاح من کلام أبی بکر وعمر وعلیٍّ والعبّاس والزبیر فی الخلافه..
علیه أن یهدم بعد ذلک کلّ ماقامت علیه نظریه أهل السُنّه فی الاِمامه ، فلم تُبْنَ هذه النظریه أوّلاً إلاّ على أصل واحد ، وهو البیعه لاَبی بکر بتلک
الطریقه التی تمّت فی السقیفه وبعدها !!
علیه أن ینفی ماصرّحوا به من (الاِجماع على أنّ النصّ منتفٍ فی حقّ أبی بکر) (۶) !
ولم یکن هذا الطرح منسجماً مع هذه المدرسه ومبادئها ، وإنّما هو محاوله لسدّ ثغراتها ، ومقابله للاِلحاح الذی تُقدّمه النظریه الاُخرى القائمه على أساس النصّ ، ولقطع دابر النزاع ، کما ذکر ابن حزم .
إنّه کان مقتنعاً بضروره النصّ ، ولکنّه أراد نصّاً منسجماً مع الاَمر الواقع، وإنْ لم یسعفه الدلیل !!
إقرار بقدر من النصّ :
لم یختف النصّ إلى الاَبد فی هذه النظریه ، والشورى هنا لیست مطلقه العنان ، فلیس لاَهل الحلّ والعقد أن ینتخبوا من شاءوا بلا قید .
إنّ هناک حدّاً تلتزمه الشورى ، وهذا الحدّ إنّما رسمه النصّ الثابت .
قالوا : إنّ من شرط الاِمامه : النَسَب القرشی ، فلا تنعقد الاِمامه بدونه.. وعلّلوا ذلک بالنصّ الثابت فیه ، فقد ثبت عن النبیّ (صلى الله علیه وآله) أنّه قال : «الاَئمّه من قریش» .
وقال : «قدّموا قریشاً ولا تتقدّموها» . ولیس مع هذا النصّ المسلَّم شبههٌ لمنازع ، ولا قول لمخالف (۷).
واشترطوا لهذا القرشی أن یکون قرشیّاً من الصمیم ، من بنی النضر بن کنانه ، تصدیقاً للنصّ (۸).
وقال أحمد : (لا یکون من غیر قریش خلیفه) (۹).
واستدلّوا على تواتر هذا النصّ بتراجع الاَنصار وتسلیمهم الخلافه للمهاجرین القرشیّین حین احتجّوا علیهم بهذا النصّ فی السقیفه (۱۰).
وقال ابن خلدون : ( بقی الجمهور على القول باشتراطها ـ أی القرشیه ـ وصحّه الخلافه للقرشیّ ولو کان عاجزاً عن القیام بأُمور المسلمین ) (۱۱).
وهکذا ثبت النصّ الشرعی ، وثبت تواتره ، وثبت الاِجماع علیه .
وحین تراجع بعضهم عن الالتزام بهذا النصّ ـ کأبی بکر الباقلاّنی ـ فسّر ابن خلدون سرّ تراجعه ، وردّ علیه ، فقال : لمّا ضعف أمر قریش ، وتلاشت عصبیّتهم بما نالهم من الترف والنعیم ، وبما أنفقتهم الدوله فی سائر أقطار الاَرض ، عجزوا بذلک عن أمر الخلافه وتغلّبت علیهم الاَعاجم ، فاشتبه ذلک على کثیر من المحقّقین حتّى ذهبوا إلى نفی اشتراط القرشیه ، وعوّلوا على ظواهر فی ذلک مثل قوله (صلى الله علیه وآله) : «اسمعوا وأطیعوا وإنْ ولیَ علیکم عبدٌ حبشی» (12).
قال : وهذا لاتقوم به حجّه فی ذلک ، لاَنّه خرج مخرج التمثیل ، للمبالغه فی إیجاب السمع والطاعه (۱۳).
وثبت النصّ واستقرّ ، ولا غرابه ، فهو نصّ صحیح ، بل متواتر .
وهو فوق ذاک ینطوی على فائده أُخرى ، فهو النصّ الذی یعزّز أرکان هذه النظریه ، إذ یضفی الشرعیه على الخلافه فی کافه عهودها ، ابتداءً من أوّل عهود الخلافه ! وانتهاءً بآخر خلفاء بنی العبّاس ، فهذا کلّ مایتّسع له لفظ القرشیّه هنا .
لمّا تغلب معاویه بالسیف بلغه أنّ عبد الله بن عمرو بن العاص یُحدِّث أنّه سیکون ملک من قحطان ، فهبّ معاویه غضباً فجمع الناس وخطبهم قائلاً : أمّا بعد ، فإنّه بلغنی أنّ رجالاً منکم یحدّثون أحادیث لیست فی کتاب الله ولاتؤثر عن رسول الله ، أُولئک جهّالکم ! فإیّاکم والاَمانیّ التی تضلّ أهلها ، فإنّی سمعت رسول الله (صلى الله علیه وآله) یقول : «إنّ هذا الاَمر فی قریش، لایعادیهم أحد إلاّ کبّه الله فی النار على وجهه» (14).
وقفه مع هذا النصّ :
عرف المهاجرون القرشیّون الثلاثه ـ أبو بکر وعمر وأبو عبیده ـ هذا النصّ فاحتجّوا به على الاَنصار فی السقیفه ، فأذعن الاَنصار ، وعاد القرشیّون بالخلافه ، أبو بکر ، ثمّ عمر ، ثمّ مالت عن أبی عبیده ، لا لعدم کفاءته وهو القرشیّ المهاجر ، بل لاَنّه قد توفّی فی خلافه عمر ، فلمّا حضرت عمر الوفاه تأسّف علیه ، وقال : (لو کان أبو عبیده حیّاً لولّیتهُ)(۱۵).. والاَمر ماضٍ مع النصّ .
ولکن حین لم یکن أبو عبیده حیّاً کاد ذلک المبدأ ـ النصّ ـ أن ینهار ، وکاد ذلک النصّ المتواتر أن یُنسى ، کلّ ذلک على ید الرجل الذی کان من أوّل المحتجّین به على الاَنصار ، عمر بن الخطاب ! إنّه لمّا لم یجد أبا عبیده حیّاً ، قال : (لو کان سالم مولى أبی حذیفه حیّاً لولّیتُه) (۱۶).
ولمّا لم یکن سالم حیّاً ، قال : (لو کان معاذ بن جبل حیّاً لولّیتُه) (۱۷).
فهل کان سالم قرشیاً ؟! أم کان معاذ کذلک ؟!
أمّا سالم : فأصله من إصْطَخْر ، من بلاد فارس ، وکان مولىً لاَبی حذیفه(۱۸) !
وأمّا مُعاذ : فهو رجل من الاَنصار الّذین أغار علیهم القرشیّون الثلاثه فی السقیفه ، وفیهم عمر ، واحتجّوا علیهم بأنّ الاَئمّه من قریش ، وهیهات أن ترضى العرب بغیر قریش ! هذا الکلام قاله عمر فی خطابه للاَنصار فی السقیفه ، ثمّ واصل خطابه قائلاً : (ولنا بذلک الحجّه الظاهره ، مَن نازعنا سلطانَ محمّد ونحن أولیاؤه وعشیرتُه ، إلاّ مُدْلٍ بباطلٍ ، أو متجانفٍ لاِثم ، أو متورّط فی هَلَکه) (۱۹)؟!
إنّ تعدّد هذه المواقف المختلفه أضفى کثیراً من الغموض على عقیده عمر فی الخلافه ، ممّا یزید فی إرباک نظریه الخلافه والاِمامه إذا ماأرادت أن تُسایر جمیع المواقف ، من هنا اضطرّوا إلى الضرب على اختلافات عمر حفاظاً على صوره أکثر تماسکاً لهذه النظریه ، کلّ ذلک لاَجل تثبیت هذا المبدأ القائم على النصّ الشرعی : «الاَئمّه من قریش» .
واضح إذن کیف تمّ الانتصار للنصّ على الرأی المخالف !
وواضح أیضاً کیف کان قد تمّ الانتصار لمبدأ النصّ على مبدأ الشورى ، وذلک حین رأى الخلیفه ضروره النصّ على من یخلفه ، هذا بغض النظر عن السر الذی ذکرناه فی طرح نظریه الشورى !
فدخل النصّ إذن فی قمّه النظام السیاسی !
إذن ، ثبت لدینا نصّ صریح صحیح وفاعل فی هذه النظریه ، وهو الحدیث الشریف «الاَئمّه من قریش» وقد أخرجه البخاری ومسلم وأصحاب السنن والسیر بألفاظ مختلفه .
ضروره التخصیص فی النصّ :
۱ ـ إنّ قراءهً سریعه فی تاریخنا السیاسی والاجتماعی توقفنا على حقیقه أنّ النصّ المتقدّم «الاَئمّه من قریش» بمفرده لایحقق للاِمامه الاَمل المنشود منها فی حراسه الدین والمجتمع .
وأوّل من لمس هذه الحقیقه هم الصحابه أنفسهم منذ انتهاء عصر الخلفاء الاَربعه ، ثمّ أصبحت الحقیقه أکثر وضوحاً لدى من أدرک ثانی ملوک بنی أُمیّه ـ یزید بن معاویه ـ ومَن بعده .
ففی صحیح البخاری : لمّا کان النزاع دائراً بین مروان بن الحکم وهو بالشام ، وعبد الله بن الزبیر وهو بمکّه ، انطلق جماعه إلى الصحابی أبی برزه الاَسلمی رضی الله عنه فقالوا له : یاأبا برزه ، ألا ترى ماوقع فیه الناس ؟! فقال : إنّی أحتسب عند الله أنّی أصبحتُ ساخطاً على أحیاء قریش ، إنّ ذاک الذی بالشام والله إنْ یقاتل إلاّ على الدنیا ، وإنّ الذی بمکّه والله إنْ یقاتل إلاّ على الدنیا (۲۰) !!
۲ ـ وأهمّ من هذا أنّه ثمّه نصوص صحیحه توجب تضییق دائره النصّ المتقدّم..
لقد حذّر النبیّ (صلى الله علیه وآله) من الاغترار بالنسب القرشی وحسب ، وأنذر بأنّ ذلک سیؤدّی إلى هلاک الاَُمّه وتشتّت أمرها !
ففی صحیح البخاری عنه (صلى الله علیه وآله) أنّه قال : «هَلَکَهُ أُمّتی على یَدَی غلمهٍ من قریش» (21) .
کیف إذن سیتمّ التوفیق بین النصّین : «الاَئمّه من قریش» و «هَلَکه أُمّتی على یدی غلمه من قریش» ؟!
ألیس لقائل أن یقول : ماهو ذنب الاَُمّه ؟! إنّها التزمت نصّ النبیّ (صلى الله علیه وآله)
«الاَئمّه من قریش» فقادها هذا النصّ إلى هذا المصیر حین ذُبح خیار الاَُمّه بسیوف قریش أنفسهم !
ألیس النصّ هو المسؤول ؟!
حاشا لرسول الله (صلى الله علیه وآله) أن یضع أُمّته على حافه هاویه ، وهو الذی کان قد استنقذها من الهاویه .
إنّهم أرادوا أن یحفظوا الرسول بحفظ جمیع الصحابه وإضفاء الشرعیه حتّى على المواقف المتناقضه تجاه القضیّه الواحده ، فوقعوا فی مافرّوا منه !
بل وقعوا فی ماهو أکبر منه حین صار النصّ النبویّ هو المسؤول عمّا آل إلیه أمر الاَُمّه من فتن ، ثمّ هَلَکه !
فهؤلاء الغلمه إنّما یکون هلاک الاَُمّه على أیدیهم عندما یملکون أمر الاَُمّه ، لکنّ الاَُمّه إنْ رضیت بهم فإنّما کان اتّباعاً للنصّ الاَوّل «الاَئمّه من قریش» فهل یکون هذا إلاّ إغراء ؟!
حاشا لرسول الله أن یکون ذلک منه ، وإنّما هو من علامات التهافت فی هذه النظریه التی أغضت عن کلّ ماورد فی السُنّه ممّا یفید تخصیص ماورد فی حقّ قریش .
نوعان من التخصیص :
ورد فی السُنّه نوعان من التخصیص فی أمر قریش ؛ تخصیص سلب ، وتخصیص إیجاب .
۱ ـ تخصیص السلب : ثمّه نصوص صریحه تستثنی قوماً من قریش ، فتبعدهم عن دائره التکریم ، ناهیک عن التقدیم : قال ابن حجر الهیتمی : فی الحدیث المرویّ بسندٍ حَسَن أنّه (صلى الله علیه وآله) قال : «شرّ قبائل العرب : بنو أُمیّه وبنو حنیفه وثقیف» .
قال : وفی الحدیث الصحیح ـ قال الحاکم : على شرط الشیخین ـ عن أبی برزه رضی الله عنه أنّه قال : ( کان أبغض الاَحیاء ـ أو الناس ـ إلى رسول الله بنو أُمیّه ) (۲۲) .
والذی ورد فی ذمّ آل الحَکَم ـ أبو مروان ـ خاصّه کثیر ومشهور .
فهل یصحّ أن تُسند الاِمامه إلى شرّ قبائل العرب ، وأبغض الناس إلى رسول الله (صلى الله علیه وآله) ؟!
ومن دقائق النصّ الاَوّل إقرانه بنی أُمیّه ببنی حنیفه ، وبنو حنیفه هم قوم مسیلمه الکذّاب !!
فإذا أصبح هؤلاء هم الحکّام فی الواقع فعلینا أن نشهد أنّ هذا الواقع منحرف عن النصّ ، بدلاً من أن نسعى لتبریره وإخضاعه للنصّ .
۲ ـ تخصیص الاِیجاب : الحدیث الذی میّز قریشاً بالاصطفاء على سائر القبائل لم یقف عند دائره قریش الکبرى ، بل خصّ منها طائفهً بعینها، فقال (صلى الله علیه وآله) : «إنّ الله اصطفى کنانه من وُلد إسماعیل ، واصطفى قریشاً من کنانه ، واصطفى من قریش بنی هاشم ، واصطفانی من بنی هاشم»(23).
وهذا تقدیم لبنی هاشم على سائر قریش ..
ساق ابن تیمیّه هذا الحدیث الصحیح ، وأضاف قائلاً : وفی السنن أنّه شکا إلیه العبّاسُ أنّ بعض قریش یحقّرونَهم ! فقال (صلى الله علیه وآله) : «والذی نفسی بیده لایدخلون الجنّه حتّى یحبّوکم لله ولقرابتی» وإذا کانوا أفضل الخلائق ، فلا ریب أنّ أعمالهم أفضل الاَعمال.. ففاضلهم أفضل من کلّ فاضل من سائر قبائل قریش والعرب ، بل وبنی إسرائیل وغیرهم (۲۴).
ولیس المقام مقام تفضیل وحسب ، بل إنّ قریشاً لا یصحّ لها إیمان مالم تحبّ بنی هاشم حُبّین : لله ، ولقرابه الرسول !
فهل یصحّ أن تکون قریش کلّها سواء فی حقّ التقدّم والاِمامه ، وفیها بنو هاشم الّذین رفعهم النصّ إلى أعلى منزله ، وفیها بنو أُمیّه الّذین خفضهم النصّ إلى أردى الرتب ؟!
إذا کان الواقع قد آل إلى هذه الحال ، فعلینا أن نشهد أنّه واقع منحرف عن النصّ ، لا أن نسعى إلى تبریره .
نتیجه البحث :
ممّا تقدّم یبدو بکّل وضوح أنّنا هنا قد أخفقنا فی تحقیق نظریه منسجمه متماسکه فی موضوع الاِمامه ، وأنّ السبب الحقیقی لهذا الاِخفاق هو متابعه الاَمر الواقع والسعی لتبریره وجعله مصدراً رئیساً فی وصف النظام السیاسی .
وتلک الوجوه المتناقضه کلّها من المستحیل أن تجتمع فی نظریه واحده ، فتکون نظریه منسجمه وذات تصوّر واضح ومحدّد ومفهوم .
هذا کلّه ، وبقدر مایثیره من شکوک حول صلاحیه هذه النظریه ، فإنّه یرجّح الرأی الآخر الذی یذهب إلى اعتماد النصّ الشرعی فی تعیین خلیفه الرسول .
إلى هذه النتیجه أیضاً خلص الدکتور أحمد محمود صبحی وهو یدرس نظریه الاِمامه ، إذ قال : (أمّا من الناحیه الفکریه فلم یقدّم أهل السُنّه نظریه متماسکه فی السیاسه تُحدّد مفاهیم البیعه والشورى وأهل الحلّ والعقد ، فضلاً عن هوّه ساحقه تفصل بین النظر والتطبیق ، أو بین ماهو شرعی وبین ما یجری فی الواقع .
لقد ظهرت نظریات أهل السُنّه فی السیاسه فی عصر متأخّر بعد أن استقرّ قیام الدوله الاِسلامیه على الغَلَبه.. کما جاء أکثرها لمجرّد الردّ على الشیعه.. والتمس بعضها استنباط حکم شرعی من أُسلوب تولّی الخلفاء الثلاثه الاَوائل .
وإنّ الهوّه الساحقه بین تشریع الفقهاء وبین واقع الخلفاء ، فضلاً عن تهافت کثیر من هذه الآراء وإخفاقها فی استنباط قاعده شرعیه ، هو ما مکّن للرأی المعارض ـ القول بالنصّ ـ ممثّلاً فی حزب الشیعه) (۲۵).
____________
(۱) الاَحکام السلطانیه ـ للفرّاء ـ : ۱۰ ، الاَحکام السلطانیه ـ للبغوی ـ : ۲۵ ـ ۲۶ .
(۲) الفِصَل ۴ : ۱۶۹ ، تاریخ الاَُمم الاِسلامیه ـ للخضری ـ : ۱ : ۱۹۶ .
(۳) الکامل فی التاریخ ۳ : ۶۵ .
(۴) التوبه ۹ : ۱۲۸ .
(۵) الفِصَل ۴ : ۱۶۹ .
(۶) شرح المقاصد ۵ : ۲۵۵ ، ومصادر أُخرى .
(۷) الاَحکام السلطانیه ـ للماوردی ـ : ۶ .
(۸) الاَحکام السلطانیه ـ للفرّاء ـ : ۲۰ ، الفِصَل ۴ : ۸۹ ، مآثر الاِنافه ۱ : ۳۷ ، مقدّمه ابن خلدون : ۲۱۴ فصل ۲۶ .
(۹) الاَحکام السلطانیه ـ للفرّاء ـ : ۲۰ .
(۱۰) الفِصَل ۴ : ۸۹ .
(۱۱) المقدّمه : ۲۱۵ .
(۱۲) والخوارج أیضاً احتجّوا بهذا حین لم یجدوا بینهم قرشیاً یسندون إلیه الزعامه فیهم !
(۱۳) مقدّمه ابن خلدون : ۲۱۴ ـ ۲۱۵ فصل ۲۶ .
(۱۴) صحیح البخاری ـ کتاب الاَحکام ـ باب ۲ | ۶۷۲۰ .
(۱۵) مسند أحمد ۱ : ۱۸، الکامل فی التاریخ ۳ : ۶۵، صفه الصفوه ۱ : ۳۶۷ ، سیر أعلام النبلاء ۱ : ۱۰٫
(۱۶) الکامل فی التاریخ ۳ : ۶۵ ، صفه الصفوه ۱ : ۲۸۳ ، طبقات ابن سعد ۳ : ۳۴۳ .
(۱۷) مسند أحمد ۱ : ۱۸، صفه الصفوه ۱ : ۴۹۴، طبقات ابن سعد ۳ : ۵۹۰، سیر أعلام النبلاء ۱ : ۱۰٫
(۱۸) سیر أعلام النبلاء ۱ : ۱۶۷ .
(۱۹) راجع : الکامل فی التاریخ ۲ : ۳۲۹ ـ ۳۳۰ ، الاِمامه والسیاسه : ۱۲ ـ ۱۶ .
(۲۰) صحیح البخاری ـ الفتن ـ باب ۲۰ | ۶۶۹۵ .
(۲۱) صحیح البخاری ـ الفتن ـ باب ۳ | ۶۶۴۹ ، فتح الباری بشرح صحیح البخاری ۱۳ : ۷ ـ۸٫ ومما یثیر الدهشه أن تجد هذه الاَحادیث وأکثر منها فی آل أبی سفیان وآل مروان ، تجدها فی کتاب (البدایه والنهایه) لابن کثیر تحت عنوان (إخباره (صلى الله علیه وآله) لما وقع من الفتن من بنی هاشم بعد موته) !! ۶ : ۲۵۵ ـ ط. دار التراث العربی ـ سنه ۱۹۹۲ م ، و ۶ : ۲۲۷ ـ ط . مکتبه المعارف ـ سنه ۱۹۸۸ م . علماً أنّه وضعها وفق ترتیبه التاریخی فی أحداث العهد الاَموی!! ولعل المتهم فی هذا ناسخ أمویّ الهوى غاضه ذکر بنی أُمیه فی هذا العنوان فقلبه على بنی هاشم !
(۲۲) تطهیر الجنان واللسان : ۳۰ .
(۲۳) صحیح مسلم ـ کتاب الفضائل ـ | ۱ .
(۲۳) صحیح مسلم ـ کتاب الفضائل ـ | ۱ .
(۲۴) ابن تیمیّه ، رأس الحسین : ۲۰۰ ـ ۲۰۱ مطبوع مع استشهاد الحسین ـ للطبری .
(۲۵) الزیدیه : ۳۵ ـ ۳۷٫