قاعده اللطف الإلهی التی استدل بها علماؤنا على العصمه
وقد ورد هذا المعنى صریحاً وضمناً ، فی آیات وروایات عدیده ، منها قوله تعالى:أَیَحْسَبُ الإنسان أَنْ یُتْرَکَ سُدًى. (القیامه:۳۶). وقوله تعالى: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاکُمْ عَبَثًا وَأَنَّکُمْ إِلَیْنَا لا تُرْجَعُونَ. (المؤمنون:۱۱۵).
وفی الکافی:۱/۱۶۹: (علی بن إبراهیم ، عن أبیه ، عن الحسن بن إبراهیم ، عن یونس بن یعقوب قال:کان عند أبی عبد الله علیه السلام جماعه من أصحابه منهم حمران بن أعین ، ومحمد بن النعمان ، وهشام ابن سالم ، والطیار ، وجماعه فیهم هشام بن الحکم وهو شاب فقال أبو عبد الله علیه السلام : یا هشام ألا تخبرنی کیف صنعت بعمرو بن عبید وکیف سألته ؟ فقال هشام: یا ابن رسول الله إنی اجلک وأستحییک ولا یعمل لسانی بین یدیک ، فقال أبو عبد الله: إذا أمرتکم بشئ فافعلوا. قال هشام: بلغنی ما کان فیه عمرو بن عبید وجلوسه فی مسجد البصره فعظم ذلک علی فخرجت إلیه ودخلت البصره یوم الجمعه فأتیت مسجد البصره فإذا أنا بحلقه کبیره فیها عمرو بن عبید وعلیه شمله سوداء متزر بها من صوف ، وشمله مرتد بها والناس یسألونه ، فاستفرجت الناس فأفرجوا لی ، ثم قعدت فی آخر القوم على رکبتی ثم قلت: أیها العالم إنی رجل غریب تأذن لی فی مسأله ؟ فقال لی: نعم ، فقلت له: ألک عین؟ فقال یا بنی أیُّ شئ هذا من السؤال؟ وشئ تراه کیف تسأل عنه؟ فقلت هکذا مسألتی فقال یا بنی سل وإن کانت مسألتک حمقاء ! قلت: أجبنی فیه قال لی سل: قلت ألک عین ؟ قال: نعم ، قلت: فما تصنع بها ؟ قال: أرى بها الألوان والأشخاص ، قلت: فلک أنف؟ قال: نعم قلت: فما تصنع به ؟ قال: أشم به الرائحه قلت: ألک فم ؟ قال: نعم ، قلت: فما تصنع به ؟ قال: أذوق به الطعم ، قلت: فلک إذن؟ قال: نعم ، قلت: فما تصنع بها؟ قال: أسمع بها الصوت ، قلت: ألک قلب ؟ قال: نعم ، قلت: فما تصنع به ؟ قال: أمیز به کلما ورد على هذه الجوارح والحواس.
قلت: أولیس فی هذه الجوارح غنى عن القلب ؟ فقال: لا ، قلت: وکیف ذلک وهی صحیحه سلیمه ، قال: یا بنی إن الجوارح إذا شکت فی شئ شمته أو رأته أو ذاقته أو سمعته ، ردته إلى القلب فیستیقن الیقین ویبطل الشک.
قال هشام: فقلت له: فإنما أقام الله القلب لشک الجوارح؟ قال: نعم ، قلت: لابد من القلب وإلا لم تستیقن الجوارح ؟ قال: نعم.
فقلت له: یا أبا مروان فالله تبارک وتعالى لم یترک جوارحک حتى جعل لها إماماً یصحح لها الصحیح ویتیقن به ما شک فیه ویترک هذا الخلق کلهم فی حیرتهم وشکهم واختلافهم ، لا یقیم لهم إماماً یردون إلیه شکهم وحیرتهم ، ویقیم لک إماماً لجوارحک ترد إلیه حیرتک وشکک ؟! قال: فسکت ولم یقل لی شیئاً ! ثم التفت إلی فقال لی: أنت هشام بن الحکم ؟ فقلت: لا ، قال: أمن جلسائه ؟ قلت: لا ، قال: فمن أین أنت؟ قال: قلت: من أهل الکوفه قال: فأنت إذا هو ، ثم ضمنی إلیه ، وأقعدنی فی مجلسه وزال عن مجلسه وما نطق حتى قمت .
قال: فضحک أبو عبد الله علیه السلام وقال: یا هشام من علمک هذا ؟ قلت: شئ أخذته منک وألفته ، فقال: هذا والله مکتوب فی صحف إبراهیم وموسى). انتهى .
ومعنى کون اللطف قاعده عقلیه: أن العقل یدرک بقطع النظر عن نصوص الدین أنه یستحیل على العلیم الحکیم القدیر عز وجل ، أن یترک مخلوقاته بدون هدایه بل إن من أفعال الله الثابته ، بمقتضى صفاته ، أنه یلطف بعباده فیبعث الأنبیاء والأوصیاء لهدایتهم ، وهذا معنى قولهم: یجب اللطف على الله تعالى. وتعبیرهم وإن کان ثقیلاً وکأنه یفرض شیئاً على الله تعالى ، لکنه یعنی أن ذلک مما یدرکه العقل من قوانین فعله تعالى .
ومعنى کونها قاعده شرعیه: أن القرآن والسنه یدلأن على أن الله لطیف بعباده ، فلا یترکهم بدون أنبیاء وهدایه ، کما نبهت إلى ذلک آیات القرآن ، وأحادیث النبی وأهل بیته صلى الله علیه وآله ، وبینت حدودها وتفاصیلها التی لایدرکها العقل وحده .
وینبغی الإلفات إلى أن الشرع قد ینبه العقل البشری إلى بعض الأمور المرکوزه فیه فیصل الیها ، فتکون من المدرکات العقلیه ولایضر بذلک أن الشرع ألفته الیها وأثار فیه کامنها. وقد قلنا فی العقائد الإسلامیه:۱/۲۶: (سمى الله عز وجل القرآن الکریم: الذکر ، ووصف عمل النبی صلى الله علیه وآله بأنه تذکیر ، واستعمل ماده التذکیر فی القرآن للتذکیر بالله تعالى ، والتذکیر بالیوم الآخر ، والتذکیر بالفطره والمیثاق .
ووصف أمیر المؤمنین صلى الله علیه وآله عمل الأنبیاء علیهم السلام بأنه مطالبه الناس بالإنسجام مع میثاق الفطره ، فقال علیه السلام فی خطبه طویله فی نهج البلاغه:۱/۲۳،یذکر فیها خلق آدم علیه السلام وصفته: (فأهبطه إلى دار البلیه ، وتناسل الذریه. اصطفى سبحانه من ولده أنبیاء ، أخذ على الوحی میثاقهم ، وعلى تبلیغ الرساله أمانتهم ، لما بدل أکثر خلقه عهد الله إلیهم فجهلوا حقه واتخذوا الأنداد معه ، واجتالتهم الشیاطین عن معرفته ، واقتطعتهم عن عبادته ، فبعث فیهم رسله وواتر إلیهم أنبیاءه، لیستأدوهم میثاق فطرته، ویذکروهم منسی نعمته ، ویحتجوا علیهم بالتبلیغ ، ویثیروا لهم دفائن العقول ، ویروهم آیات المقدره من سقف فوقهم مرفوع…). انتهى .
وعلى هذا یمکن أن نعتبر قاعده اللطف عقلیه ، لأن العقل البشری یدرک بقطع النظر عن الدین ، أن هذا الخالق العظیم سبحانه لایمکن أن یترک خلقه سدى ، بل یجب بمقتضى حکمته أن یعرفهم ما یریده منهم لتحقیق هدفه السامی فیهم .
وقد ذکر أبو الفتح الکراجکی رحمه الله فی کنز الفوائد ص۱۹۵ أن لأفلاطون کتاباً إسمه (کتاب اللطف) ونقل عنه قوله: (نقل الطبع عسیر الإنتزاع) ، وقد یکون موضوع الکتاب اللطف الإنسانی ، ولکنه على أی حال من جوِّ اللطف الإلهی .