آثار الإصلاح على الفرد والمجتمع

0

وأنت تجده فی الآیه أعلاه، مصداقاً للنجوى التی تحمل الخیر، فی ردیف الأمر بالصدقه والأمر بالمعروف، نصّاً ودلاله على أهمیّه العمل الإصلاحی ودوره فی المجتمع.

ولعلّ الإصلاح یتقدّم ویترتّب فی أولویات المسؤولیات وعظائم المهام فی المجتمع، حیث تعصف بالمجتمع ریح الفساد وتهدّ أرکانه وتُهدِّد کیانه وتجعله على قاب قوسین أو أدنى من شفیر الإنهیار، فلا ملاذ ولا إنقاذ إلاّ عندما یهبّ المُصلحون، یصدّون الفساد ویوقفون مدّه الأسود، وینشرون الفضیله ویبعثون فی البلاد روح النهضه والصلاح، فبعملهم یکونون قد أنجوا المجتمع، ولولا جهودهم لدُمِّرت البلاد.
یقول تعالى: (وما کانَ ربّکَ لیهلکَ القرى بِظُلمٍ وأهلُها مُصلحون) (هود/ ۱۱۷).
فالأمر لیس سیّان، وإن کان الجوهر واحداً، والأثر متحداً، بین کلمه إصلاحٍ تُطفئُ نارَ الغضبِ التی أشعلها الشیطان بین شخصین، أو کلمه إصلاح تخمد کلمه سوءِ تُشعِلُ نار الحرب التی أوقدها بین شعبین أو دولتین.. وهکذا سائر الخطوات على طریق الصُّلح، أو على طریق الإصلاح، على مستوى الفرد أو المجتمع والدوله، فلکل دورها ولکل أثرها.
وفیما یلی وقفه مع آیات القرآن، المرتبطه بعنوان الإصلاح، نتعرّف من خلالها على أهمّ الآثار المبارکه لعمل المُصلحین، إضافه إلى ما یشملهم بالعنوان العام من آثار للعمل الصالح والباقیات الصالحات، ومنها:
أوّلاً – الآثار الشخصیه والبرکات الذاتیه:
یبدأ الإصلاح بإصلاح الفرد لذاته وتزکیته لنفسه، من خلال تطهیرها من الذُّنوب والآثام والتدرُّج بها على طریق الصالحین، بالعمل الصالح والخیر النافع، للفرد والمجتمع، ولهذا کلّه على ذات الإنسان نفسهِ آثارٌ ولشخصهِ برکاتٌ، نذکر منها:
أ‌) قبول التوبه وغفران الذنوب، لقوله تعالى: (فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإنّ الله یتوب علیه إنّ الله غفور رحیم) (المائده/ ۳۹).
ب‌) ولإصلاح الذات وإصلاح الأعمال.. أثر دنیوی، وهو دفع العقوبه عن المُخطئ الذی أساء فاستغفر واعتذر، فإنّ ذلک مدعاه لدفع العقوبه عنه، بعدما علم بصلاح حاله وندمه عمّا سلف منه، قال تعالى: (وَاللّذانِ یَأتِیَانِها مِنکُم فَآذُوهُما فإنْ تابا وأصلَحَا فَاَعرِضُوا عَنهُما إنّ اللهَ کانَ تَوّاباً رَحیماً) (النِّساء/ ۱۶).
ت‌) الأجر والثواب من الله تعالى، لقوله:(.. فمن عفا وأصلح فأجرهُ على الله..) (الشورى/ ۴۰)، بل الوعد بالأجر العظیم لقوله تعالى: (إلاّ الذین تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دینهم لله فأولئک مع المؤمنین وسوف یؤتِ الله المؤمنین أجراً عظیماً) (النِّساء/ ۱۴۶).
ث‌) التنعُّم بالأمن والأمان والصحّه والإطمئنان، لقوله تعالى: (… فَمَن أمَن وأصلَح فلا خوفٌ علیهم ولا هم یحزنون) (الأنعام/ ۴۸)، وقوله: (… فمن اتّقى وأصلحَ فلا خوفٌ علیهم ولا هم یحزنون)(الأعراف/ ۳۵).
ج‌) وأخیراً، تجنیب الصالحین النار وإدخالهم الجنّات، کجزاء لصالح حالهم وفلاحهم، لقوله تعالى: (رَبََّنا وَأدخِلهُم جَنَّاتِ عَدنٍ التی وَعَدتَهُم ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِم وأزوَاجِهِم وذُرِّیّاتِهِم إنّکَ أنتَ العَزیزُ الحَکِیم * وَقِهِمُ السَّیِّئاتِ ومَنْ تَقِ السَّیِّئاتِ یَومَئِذٍ فَقَدْ رَحِمتَهُ وذلِکَ هُوَ الفَوزُ العَظِیم) (غافر/ ۸-۹).
ثانیاً – آثار الإصلاح فی المجتمع:
على المجتمع أن یعمل على دعم حرکه الإصلاح فیه، من قِبَل الأفراد وسائر الجماعات، لأنّ فی ذلک صلاحه وفلاحه، بل وجوده وبقاءه، حیث إنّ وجود المُصلحین ونجاحهم فی عملهم یعمّ سائر مرافق المجتمع بالبرکه والآثار الطیِّبه، وفیما یلی أهم هذه الآثار:
۱- إشاعه جوّ الصُّلح والخیر والوئام بین أفراد المجتمع، بدلاً من البغضاء والتقاطع والتقاتل، وبذا یعیش المجتمع بعیداً عن کثیر من الصراعات لیحتفظ بطاقاته للبناء والتقدّم، قال تعالى: (… والصُّلحُ خَیر) (النِّساء/ ۱۲۸)، وهو شعار ینبغی أن یرفع فی کل مکان من هذا العالم، لیکون دلیلاً للمحبّه وطریقاً للسلام.
۲- تأصیل روح الأخوّه بین المؤمنین، ممّا یُعمِّق إرتباطهم وتعاونهم على البرّ والتقوى ویبعدهم عن الإثم والعدوان، وفی ذلک یقول تعالى: (إنّما المؤمنون إخوهٌ فأصلحوا بین أخویکم…) (الحُجرات/ ۱۰)، وبذلک تُحقن الدِّماء وتُحفظ الأرواح بعیداً عن الفتن والحروب.
۳- بسط العدل وإقامه القسط، لأنّ الصُّلح فرصه لوقف العدوان وبذلک یعمّ القانون المجتمع فینعم بالعداله، قال تعالى: (.. فأصلحوا بینهما بالعدل وأقسطوا…) (الحُجرات/ ۹). وفی الإصلاح: ردّ للحقوق المسلوبه إلى أصحابها وإرجاع الحقِّ إلى أهله وبسط القِسط وإقامه للعدل.
۴- نشر الإیمان وإنتشار أجواء الطاعه للرّحمان، لأنّ الإختلاف موئل وموطن للشیطان، والصُّلح والإئتلاف یسدّ الطریق علیه وهو طریق إلى القُرب من الله تعالى وتصفیه النفوس وتطهیرها من الأحقاد والآثام ومعصیه الله، یقول تعالى: (… فاتّقوا الله وأصلحوا ذات بینکم وأطیعوا الله ورسوله إن کنتم مؤمنین) (الأنفال/ ۱).
إنّ الفساد مرتع خصب للشیطان ومجال واسع للذنوب والآثام، حیث السرقه والرشوه وغصب حقوق الناس والترف والسرف.. وکل ما یبعد عن الله تعالى، ولذلک فإنّ تشدید الإصلاح وتوسیع حرکته بالشکل الذی یُضیِّق على الفاسدین المنافذ ویسدّ علیهم الأجواء یجعل مساحه المعصیه ضیِّقه وأبواب الجنّه مفتوحه، بالعمل الصالح والبناء.
۵- إنّ الله تعالى یدفع البلاء عن البلاد بالإصلاح وبوجود الناس المُصلحین، أفراداً وجماعات، إذ لولاهم لعمّ الفساد وأُهلِکَ الحَرثُ والنسلُ، وفی ذلک یقول تعالى: (وما کان ربّک لیُهلکَ القرى بِظُلمٍ وأهلُها مُصلحون) (هود/ ۱۱۷).
۶- بل لولا جهود المُصلحین وإراده ربّ العالمین، لطغى الفاسدون وامتدّوا بآثارهم لیُخرِّبوا ویُدمِّروا کل شیء على الأرض.. من برٍّ وبحر وأرض وسماء، فهم فاسدون مُفسدون.. ولکنّ الله تعالى یُوفِّق المُصلحین لکی لا تفلح جهود المفسدین ولا تثمر خطواتهم، والمُصلحون یعملون من أجل وعی الناس وحثِّهم لمکافحه الباطل وفساده، یقول تعالى: (ولا تُفسدوا فی الأرض بعد إصلاحها ذلکم خیرٌ لکم) (الأعراف/ ۸۵).
ویقول تعالى: (ظهر الفساد فی البرّ والبحر بما کسبت أیدی الناس) (الرُّوم/ ۴۱).
ویقول تعالى: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض) (البقره/ ۲).

Leave A Reply

Your email address will not be published.