بحث حول الصبر

0

وعندما یطرح فی الأحادیث، فمن الطبیعی أن یحرک المسلم ویبعث فی نفسه الرغبه للتعرف إلیه والسعی للاتصاف به. وللأسف، فقد تعرض هذا المفهوم ـ کغیره من المفاهیم ـ للتحریف الذی ابتلیت به أغلب المفاهیم الإسلامیه، ویمکن القول بخصوص مفهوم الصبر أنه مسخ وحرف معناه، فانقلب رأساً على عقب.  الفهم الشائع والعامی للصبر یعرَّف الصبر عاده بأنه تحمل الآلام والمرارات. وهذا التعریف والفهم یمتزج بالإبهام والغموض إلى حد کبیر بحیث یسمح لکل من یرید، أن یوجهه إلى معانٍ مختلفه، بل متضاده. فإذا طُرح مفهوم الصبر فی مجتمع ـ یعیش الظلم والقهر، ویخضع لأشکال الفساد والانحلال ـ بشکل خاطئ، یتحول إلى عامل مهم یستخدمه الظالمون والمفسدون للاستمرار فی السیطره والقمع، ویصبح عاملاً مساعداً للتخلف والرکون وبقاء حاله الفساد والانحطاط. وعندما یطلب من شعب یعانی الفقر والحرمان والتخلف أن علیک الصبر، وهو غائص فی مستنقع الضیاع والانحراف أو غارق فی المظالم التی تتسبب بها زمره الظالمین عدیمو الشرف والإنسانیه، فإن أول ما یفهم من هذه الموعظه کإجراء عملی أن علیهم تحمل المرارات والآلام والظروف القاسیه المهلکه التی تمارس وتفرض علیهم. وتکون النتیجه أیضاً أن هذا المجتمع لیس أنه لن یتحرک نحو الثوره ضد الأوضاع السیئه للتخلص والنجاه من هذا الظلام والضیاع فحسب، بل سیتوهم ویمنی نفسه بأنه مأجور ومثاب عند الله على هذا الصبر أیضاً وعلیه، ینزوی ولا یبالی بما یحدث ولا یکترث بما یحصل حوله، ویعیش حاله من الرضا والسرور ویظن ذلک فوزاً عظیماً له. ومن الواضح أنّ شیوع وانتشار مثل هذه الروحیه فی المجتمع سیعود بنفع کبیر على الطبقات الظالمه التی ترید الحفاظ على امتیازاتها. ویبقى الضرر نصیب الطبقات المستضعفه المظلومه. ومن المؤسف أنّ هذا الفهم الخاطئ المستلزم لهذه الآثار والنتائج فی المجتمع، یطغى فی عصرنا الحالی على المجتمعات الإسلامیه. کما أن طرح أی معنى آخر للصبر ـ وإنْ کان مقبولاً ومنطقیاً عند من لم یُسبق بالتعرف إلى هذا الموضع ـ یحتاج إلى الکثیر من المقدمات والأدله لأولئک الذین لم یتعرفوا إلى التعالیم والمعارف الإسلامیه بشکل صحیح. وقد یکون البحث معهم فی أغلب الأحیان لا طائل وراءه. وإذا أردنا الاطلاع على الآیات والروایات التی تناولت مفهوم الصبر بشکل جامع وشمولی، فإننا سنتعجّب بعدها من هذا التحریف النبوی الذی قد وصل إلى درجات خطره.  نظره عامه على المصادر التی تطرح الصبر إذا فهمنا معنى الصبر وتبیّن لنا وفق ما طرح ـ بوضوح ومن دون شائبه ـ فی الآیات القرآنیه والروایات المنقوله عن الأئمه (علیه السلام) سنصل إلى نتیجه تخالف کلیاً ما هو رائج وشائع بین الناس. وعندما ننطلق من الرؤیه القرآنیه والروائیه سنشاهد أن الصبر هو ذلک العمود الحدید الذی یقلب أکبر الصخور وأثقلها، ویقوم برفع الموانع والعواتق الکبرى، ویواجه المشکلات ویتجاوزها بکل سهوله محققاً النتائج الإیجابیه تماماً. وحینها سیکون مفتاحاً لکل أبواب السعاده والخیر للمجتمع المظلوم والضال. کما کان من الممکن أن یکون مفتاح أبواب الشقاء والتعاسه للمجتمع بأسره. وبفهمه فهماً صحیحاً فإنه سیغدو المانع والرادع والمقلق لکل القوى الشریره السیئه. وللتعرف إلى مفهوم الصبر ومضمونه ومیادینه التی یکون فیها الحل الوحید المفید والنافع، علینا الرجوع إلى القرآن وأحادیث أهل البیت (علیهم السلام) والوقوف علیها والتدقیق فیها. فحینها یمکن إثبات المعنى الصحیح لهذا المفهوم. أما فیما یتعلق بالقرآن الکریم، فقد أتى على ذکر الصبر والصابرین فی أکثر من سبعین آیه بشکل مباشر وصریح مع مدح هذه الصفه والمتصفین بها، کما ذکرت الآثار والنتائج القریبه لها والمواقع التی تزید وتکبر الأمل فی الذین یتمسکون بها. ولکن، لن أتعرض فی هذا البحث المختصر إلى الآیات القرآنیه وشرحها، بل سأکتفی بالتدقیق فی الروایات واستنباط المعانی والدلالات منها. وانتهاجی هذه الطریقه مردّه إلى أمرین. الأول: إن الوقوف والتدقیق فی الآیات القرآنیه التی تناولت مفهوم الصبر یستلزم الدخول فی بحث واسع ویحتاج إلى فرصه أوسع. الثانی: اعتمادنا على الروایات یساهم فی رفع النسیان والإهمال الذی تعرضت له أحادیث المعصومین حیث خلت الأبحاث والدراسات الإسلامیه الأخیره منها، ویبیّن کیفیه الاستفاده من روایات الشیعه لأولئک الذین لم یطلعوا على الدور الوضّاء والهادی للحدیث.  المفهوم الإجمالی للصبر بناءً على مجموع الروایات التی وصلتنا، یمکننا أن نعرّف الصبر بهذا النحو: هو مقاومه الإنسان المتکامل (السالک طریق الکمال) للدوافع الشریره المفسده والمنحطه. وکمثال على ذلک یمکننا أن نشبّه هذا الأمر بشخص یرید تسلق جبل. فأثناء تسلقه للوصول إلى القمم العلیا یوجد موانع مصاعب، قسم منها یتعلق بهذا المتسلَّق وینبع من نفسه، والقسم الآخر یرجع إلى العوامل الخارجیه، فیعملان معاً على الحد من حرکته. أما ما یرجع إلى الإنسان نفسه، فهو طلب الراحه والخوف أو الیأس من الوصول إلى الهدف، والأهواء المختلفه التی تعمل على منعه من الاستمرار فی التسلّق والصعود، حیث تنخفض حراره الاندفاع والبواعث بسبب استمرار تلک الأفکار والوساوس. أما فیما یرجع إلى العوامل الخارجیه، فهناک الصخور الضخمه والذئاب والأشواک وقطاع الطرق وأمثالها. کل منها یهدد الإنسان ویمنعه من متابعه مسیره. ومثل هذا الشخص الذی یواجه هذه المتاعب والمصاعب إمّا أن یقرر عدم مواصله السیر بسبب المخاطر والآلام والمشاق، وإما أن یصبح الأمر عنده معاکساً، حیث یزداد عزمه قوه وثباتاً، ویقرر أن یقاوم جمیع الموانع الداخلیه والخارجیه، وبالاعتماد على عامل المثابره والتحمل، یدفع هذه الموانع من طریقه ویواصل المسیره. هذا الثانی هو الذی یعنی الصبر. والإنسان فی حقیقه حیاته المحدوده فی هذا العالم وفی الواقع، قد جُعل فی طریق ـ یمتد من بدایه حیاته الدنیا وحتى وفاته ـ ولیسلکه ویطویه نحو الوصول إلى أعلى منزل من منازل الإنسانیه. ولأجل تحقق هذا الهدف، ولکی یقترب من هذا المنزل، خلق لأجله کل ما یعینه علیه. وکل هذه الوظائف الملقاه على عاتقه والتکالیف التی کلف بها تعد وسائل القرب والمراحل السیر نحو الهدف المنشود. ولم یکن ذلک المجتمع الإسلامی، الذی یعد أول هدف للدین الإلهی والأنبیاء العظام إلا لأجل بناء ذلک الإنسان الواصل وصناعته. فهم (صلوات الله علیهم) کانوا یریدون إیجاد المناخ المناسب لتمکین الإنسان من سلوک هذا الطریق بیسر للوصول إلى تلک الغایه. إنّ هذه الغایه یمکن التعبیر عنها بکلمات قلیله، فهی تعنی ارتقاء الإنسان وتکامله وتفجّر ینابیع الاستعدادات والقابلیات المودعه فیه. وهذا ما یعبّر عنه فی دیننا أیضاً بتعبیرات مختلفه من قبیل “التخلّق بالأخلاق الإلهیه، والقرب من الله و…”. وبالطبع یوجد فی هذا الطریق، الذی هو طریق صعب ملیء بالمتاعب، موانع وحواجز کثیره، على الإنسان أن یقطعها ویجتازها. وإنّ کل مانع منها یکفی لوحده لإیقاف هذا المتسلِّق نحو قمّه الکمال والرقی ومنعه من متابعه سیره. فمن جانب باطن الإنسان یوجد کل تلک الصفات والخصال السیئه والرذیله، بالإضافه إلى العوامل الخارجیه الدنیویه التی تجلب المتاعب والآلام وتعتبر مجموعه من الأشواک والعقبات فی هذا الطریق. الصبر هنا یعنی مواجهه ومقاومه کل هذه الموانع بإراده صلبه وعزم راسخ یضع کل هذه العقبات جانباً. وکما ذکرنا، فإنّ جمیع التکالیف الإسلامیه الفردی منها والاجتماعی تُعد وسائل ولوازم هذا الطریق للوصول إلى المقصد الإنسانی. وبناءً علیه یکون کل واحد منها بذاته مقصداً وهدفاً قریباً ینبغی تحقیقه للوصول إلى الغایه النهائیه. فالذی یرید السفر إلى مدینه بعیده، فإن الأماکن التی تقع فی مسیره، وکذلک إعداد اللوازم ومتطلبات السفر، هی بمثابه الأهداف والمقاصد القریبه التی ینبغی الوصول إلیها کمقدمه نحو الهدف النهائی والأساسی. ففی نفس الوقت التی تعتبر تلک المقدمات وسیله للوصول، هی أیضاً غایه ونتیجه لتحقیق مقدمات أخرى. وما أرید أن أصل إلیه من هذا الکلام، هو أن الوصول إلى کل واحد من هذه الأهداف القریبه یتطلب شرطاً أساسیاً أیضاً، وهو الصبر الذی یعد کالحربه الحاده القویه التی تمزق کل ما یمنع من الوصول إلى المطلوب. وکما أن على طریق الهدف النهائی یوجد موانع کثیره، کذلک هناک موانع عدیده (داخلیه وخارجیه) تقف عائقاً أمام الأهداف القریبه وتشکل العقبه المواجهه لتطبیق کل واحد من التکالیف والوظائف الإسلامیه. ومن جمله العوامل المؤدیه إلى الرکود والخمود فیما ینبع من نفس الإنسان هناک الکسل وروحیه القیام بما هو سهل فقط، وحب النفس والغرور، والحرص وحب الرئاسه والجاه، والتکاثر بالأموال والشهوات وغیرها من الصفات والخصال الخسیسه. ومما ینبع من العوامل الخارجیه هناک الأجواء والبیئه المعیقه وغیر المناسبه والمشاکل وتبعات بعض الأنظمه الاجتماعیه الحاکمه. فکل واحده من هذه العقبات تؤثر فی منع الإنسان من أداء التکالیف الإلهیه البناءه، سواء منها التکالیف الفردیه کبعض العبادات أو التکالیف الاجتماعیه کضروره السعی لإعلاء کلمه الحق. إن ما یبطل تأثیر العوامل السلبیه، ویضمن القیام بکل التکالیف الإلهیه واستمرار السیر على الطریق الصحیح، هو المقاومه الإنسانیه، أو مواجهه الإنسان للموانع المذکوره. هذه المقاومه أو المواجهه هی التی تعنی الصبر.  موقع الصبر وأهمیته فی الروایات عند الرجوع إلى بعض الأحادیث التی تدور حول الصبر نجدها تحکی وتدل على أهمیه الصبر فی الإسلام والشرائع الإلهیه کافه، حیث یمکننا أن نلخص التعبیر عن هذه الأهمیه بهذه الجمله وهی أنه کان وصیه جمیع الأنبیاء والأولیاء والقاده الحقیقیین لأتباعهم وخلفائهم وکل من یسیر على دربهم. إذا أخذنا بعین الاعتبار حاله الأب الرحیم والمعلم الشفیق الذی أمضى عمره فی السعی والجهاد متحملاً لکل الآلام فی سبیل تحقیق الهدف الذی یصبو إلیه، نرى أنّه فی اللحظه التی یودع فیها هذه الحیاه الدنیا، وعندما تصبح یده عاجزه عن متابعه العمل والسعی وبذل الجهد للوصول إلى الهدف الذی صرف عمره من أجله، فإنه یعهد إلى وارثه لأجل المضی به وإکمال المسیر نحوه ویوصیه بما یمکّنه من بلوغ ذلک المقصد الأسمى. فما هی هذه الوصیه الأخیره الذی ینطق بها إلى وارثه الذی أوکل إلیه أمر هذه المهمه الخطره؟ إنه لن یقول له إلا ما هو عصاره تجاربه کافه، وسیقدم له ثمره سعیه العلمی والعملی، ساعیاً لتبیین ذلک فی جمله تختصر المطلوب، ضمن وصیه تختزن بداخلها کل المعارف والإدراکات القیّمه لتتحول إلى هاد ومرشد دائم لذلک التلمیذ الوارث، وکأن النقطه النهائیه فی حیاه الأول تصبح نقطه بدایه تکامل وارتقاء للتالی. بعد هذه المقدمه نرى أن آخر وصیه للأنبیاء والأولیاء والشهداء والصالحین وبناه المجتمع الإلهی السامی وآخر هدیه فکریه قدموها لخلفائهم هی الوصیه بالصبر.وننتقل الآن إلى محطه نتوقف فیها عند حدیثین مرویین عن أهل البیت (علیهم السلام) فی موضع الصبر. الحدیث الأول عن أبی حمزه الثمالی قال: قال أبو جعفر (علیه السلام): “لمّا حضرت الوفاه أبی علیاً بن الحسین ضمّنی إلى صدره وقال: “یا بنی، أوصیک بما أوصانی به أبی حین حضرته الوفاه ـ وبما ذکر أنّ أباه أوصاه ـ یا بنی، اصبر على الحق وإن کان مرّاً”(۱).وفیما یتعلق براوی الحدیث فهو أبو حمزه الثمالی من خواص الأتباع الخلّص لأهل البیت (علیهم السلام)، وکان من العناصر الأساسیه فی جبهه الدفاع عن التشیع. لذا ما نقله عن الإمام الباقر (علیه السلام) صحیح معتبر. لقد خلَفَ الإمام الباقر (علیه السلام) أباه الإمام السجاد (علیه السلام) حاملاً أمانه الحفاظ على میراثه ومتابعه طریقه ومشروعه. وکان وجوده (علیه السلام) استمراراً لوجود أبیه (علیه السلام) الذی کان بدوره استمراراً لوجود الإمام الحسین بن علی (علیه السلام). فکل واحد من أفراد سلسله الإمامه کان یمثّل استمرار مشروع السابق له، وکانوا جمیعاً استمراراً لوجود النبی الأکرم (صلى الله علیه وآله وسلم). لقد کانوا جمیعاً نوراً واحداً ونهجاً واحداً یرمون تحقیق هدف واحد. وإذا عدنا إلى الحدیث نجد من عباره “یا بنی، أوصیک بما أوصانی به أبی حین حضرته الوفاه” أن المشار إلیه هو الإمام الحسین (علیه السلام) الذی نعلم جمیعاً أین کان وبأیه حاله، حین حضرته الوفاه. ففی تلک الأجواء الشدیده لیوم عاشوراء ووسط بحر الآلام والمصائب وفی هذه الظروف الدمویه التی خیمت على کربلاء، والأعداء یحاصرون معسکر الإمام الحسین (علیه السلام)، نجده یستفید من فرصه صغیره قبل أن یحمل حملته الأخیره على معسکر الأعداء، فیرجع من ساحه القتال إلى معسکره ویعقد لقاءاً قصیراً مع أفراد أسرته الذی من المفترض أن یواصلوا ثورته ویتابعوا نهضته، ویتحدث من ولده وخلیفته علی بن الحسین (علیه السلام) لمده قصیره، لکنّها مهمه جداً وملیئه بالفائده، وهذا ما یُعبّر الناس عنه بالوداع الأخیر. والإمام ـ کما ینبغی أن نعلم ـ معصوم لا یقع تحت تأثیر العواطف إلى درجه أن یضیّع هذه الفرصه الأخیره من حیاته بکلام غیر مهم مقتصراً فی وصیته على المسائل الشخصیه أو العاطفیه. فهذا لا ینسجم مع الوصایا التی وردتنا من الأئمه العظام (علیه السلام) ولا یشبهها!! والإمام المعصوم (علیه السلام) یعلم أنّ فی هذه الساعات الحساسه الباقیه من عمره، ینبغی أن یودع هذه الأمانه التی سعى جاهداً من بدایه إمامته لحفظها، متحملاً کلّ الآلام والمصائب العظمى، کما فعل مؤسس الثوره الإسلامیه رسول الله (صلى الله علیه وآله وسلم) وأمیر المؤمنین (علیه السلام) والإمام الحسن (علیه السلام) من قبله. ولهذا، علیه أن یعهد بهذا الحمل إلى شخص یأتی من بعده ذی قوه متین ثابت القدم لیخلفه. فنراه یأتی إلیه لیوصیه بأهم وصیه، تساعده على حمل وحفظ هذه الأمانه. ماذا کانت تلک الوصیه المهمه والنفیسه؟! نجد الإمام علیاً بن الحسین (علیه السلام) ـ الذی، وإن لم تکن حاله شهادته کشهاده أبیه الحسین (علیه السلام)، إلاّ أنّه کان یعیش فی ظروف مشابهه ـ یکشف النقاب عن تلک الوصیه التی أوصاه بها أبوه (علیه السلام) ویعیدها على مسامع ولده الإمام الباقر (علیه السلام) کوصیه أخیره له. ویذکر ضمن ذلک أن هذه الوصیه قد نقلها أبوه (علیه السلام) عن أبیه أمیر المؤمنین (علیه السلام). هذه الوصیه التی انتقلت عبر السلسله الطاهره للإمامه، وکان کلّ إمام یوصی بها الإمام الذی بعده، هی الصبر: “یا بنی، اصبر على الحق وإن کان مرّاً”. إنها تطلب منه أن لا یتردد أثناء سلوک طریق الحق، ولا یعیر اهتماماً للموانع والعقبات. وإذا تم تشخیص العمل المطلوب فی هذا الطریق فلا یرفع یده عنه، طالبه منه التحمّل والاستمرار.. ومن الواضح فی ساحه المواجهه بین الحق والباطل أنّه لا وجود للراحه واللذه والعیش الهنیء، وإنّما المحن والبلاءات والمصاعب “وإن کان مُرّاً”. هذه هی الوصیه التی انتقلت من إمام إلى آخر. وشاهدنا کیف کان الأئمه (علیهم السلام) یعملون بها ثابتین علیها حتى آخر لحظات حیاتهم، متقبّلین لکلّ العواقب التی تحملها إلیهم، وکانوا حقاً مصداقاً بارزاً لهذا البیت الشعری الجمیل:  سأصبر حتى یعلم الصبر أننی         صبرت على شیء أمرّ من الصبروإذ تبیّن لنا من کلّ ما ذکرناه فی الحدیث الأول، أهمّیه الصبر وموقعه فی التعالیم الإلهیه کجوهر نفیس ومیراث غال طبّقه الأئمه (علیه السلام) طوال حیاتهم، ننتقل إلى الحدیث الثانی المروری عن أهل البیت (علیهم السلام) وقد ورد فی کتاب فقه الرضا (علیه السلام) هکذا: “نروی أنّ فی وصایا الأنبیاء صلوات الله علیهم اصبروا على الحق وإن کان مّراً”. وهنا یبدأ الإمام حدیثه بقوله “نروی”، وهذا یدل على أنّه میراث نُقل لأهل البیت (علیهم السلام)، وهم قد سمعوه من آبائهم وأسلافهم، وهم ینقلونه بدورهم ویوصون به غیرهم. وجمله “أنّ فی وصایا الأنبیاء” تعنی أنّ وصیه الأنبیاء (علیهم السلام) لورثتهم وأتباعهم وحمله أمانتهم وإلى تلامیذ مدرسه الوحی هو هذا الدرس: “اصبروا على الحق وإن کان مُرّاً”. وهی عین الجمله التی نقلها أتباع الأئمه المعصومین (علیهم السلام) دون زیاده أو نقصان. ولعل هذه الجمله هی أقصر ما دل على أهمیه الصبر، وفی نفس الوقت لها مغزى ودلاله کبیره تفوق غیرها. وبعد هذا الاستعراض لأهمّیه الصبر، ننتقل للتعرّف إلى موقع هذه الخصله النفسیه ودورها داخل مجموع المعارف الدینیه بحیث إنها استحوذت على هذا القدر من الاهتمام عند أولیاء هذا الدین وأئمته.  موقع الصبر داخل التعالیم الإسلامیه قبل الدخول مباشره فی الحدیث عن موقع هذا المفهوم، أرید أن أبیّن المقصود من “الموقع” داخل المفاهیم والتعالیم الدینیه.أول شیء هو أنّ الدین یمثل مجموعه المعارف والأحکام الحقوقیه والأخلاقیه. وهو یقوم على أسس فکریه یعبّر عنها بالرؤیه الکونیه التی یحملها عن العالم والإنسان. کذلک یتضمّن الأصول العملیه التی تنبع من تلک الرؤیه، وتبیّن طریقه تعامل الإنسان وسلوکه (الأیدیولوجیه العملیه). ثم یحدّد العلاقات الضروریه للإنسان، أی علاقته بالله وبنفسه وبغیره من البشر، وبالموجودات الأخرى فی إطار تلک الأصول العملیه، ویتضمّن وفق ذلک، مجموعه من الأوامر والتعالیم الأخلاقیه التی تؤدّی إلى التکامل الواقعی على أساس السعی والجدّ، وذلک للنجاح فی المجالات المختلفه للحیاه الإنسانیه المحتاجه فی مسیرتها التکاملیه إلى مثل هذه الأوامر والتعالیم. ولاشکّ أنّه فی مثل هذا المذهب الاجتماعی توجد مسائل فردیه (أی ما یرتبط بشکل مباشر بمصالح الفرد الشخصیه)، وقضایا اجتماعیه ترتبط بالجماعه البشریه وجماعه المسلمین. وإذا رجعنا إلى نقطه البحث الأساسیه، نسأل: ما هو دور الصبر وأثره ضمن هذه المجموعه من المعارف والمقررات التی تشکل الدین؟ وبعباره أخرى، ما هو دور الصبر فی تکوین الإنسان الذی آمن بالدین، بمعنى ما یجب الاعتقاد فیه من أصول وعقائد، والتزام بمقرراته وتعالیمه فی العمل، وامتلاک الخصائص الأخلاقیه التی دعا إلیها هذا الدین؟ فی الأشکال الهندسیه ـ مثلاً ـ نجد أن للأضلاع والزوایا والانحرافات تأثیراً أساسیاً فی الشکل والتکوین. فما هو موقع الصبر وتأثیره فی الشکل الهندسی للإیمان. وکمثال نقدُمه، إذا أخذنا حافله نقل الرکّاب التی صنعت لهذا الغرض، فهذه الحافله إنّما تقطع المسافات الطویله وتوصل الرکّاب مع حوائجهم إلى المکان المطلوب بأمان لأنّ فیها وسیله أساسیه وهی المحرک. وهذا المحرک یحصل على قوه الدفع من خلال الوقود. فإذا جئنا إلى الصبر، یمکننا أن نعتبره محرکاً لطائره التکامل التی هی فی موضعنا الدین الإلهی، أو الوقود الذی یدفع هذا المحرک. فلو لم یکن الصبر موجوداً، لم یکن بالإمکان فهم منطق الدین الحق والسامی، ولما حازت معارفه التی تمثّل أرقى المعارف الإنسانیه فی العالم على موقعها هذا. کما أنّه من دون الصبر، لن یبقى الأمل وانتظار ذلک الیوم الذی ینتصر فیه هذا الدین، ولفقد المؤمنون به الثبات والقوه اللازمه. ولتوقف العمل بالتعالیم الدینیه التی لا تریدها الغرائز البشریه الطاغیه. وإذا فُقد الصبر یصبح الحدیث عن الجهاد فی سبیل الله وإعلاء کلمه الدین کلاماً لا معنى له. وهذا الاجتماع العالمی الذی هو الحج حیث یلتقی الناس من الأماکن البعیده فإنّه سیتحول إلى مکان ساکن وخال، والحناجر المناجیه فی ظلمات اللیالی ستخمد، وتفقد ساحه جهاد النفس بریقها وتنکمش عروق الحیاه الاقتصادیه فی المجتمع الإسلامی حیث یبتعد الناس عن الإنفاق فی سبیل الله. فلولا وجود الصبر، لکانت کل القیم العملیه والأخلاقیه للإسلام کالتقوى والأمانه والصدق والورع تودع فی عالم النسیان. وخلاصه ما نرید ذکره أنه بدون شیء اسمه الصبر فی الثقافه الإسلامیه لبقی کل شخص بعیداً عن الإنسانیه والدین اللذین یتطلبان السعی والعمل وبذل الجهد، وهی أمور لا تتحقق من دون شرط أساسی، هو الصبر. فالدین هو العمل، والعمل بالصبر. وإنما ینفخ فی تلک التعالیم والمقررات الدینیه الروح والقوه ویجعل قطارها یتحرّک إنما هو الصبر. وبالبیان الذی تقدّم، نستطیع أن نفهم مغزى ومفاد هذا الإلهام الإلهی الذی وصلنا عبر الأئمه المعصومین (علیهم السلام) ـ باختلاف یسیر فی بعض الألفاظ من راوٍ إلى آخر ـ “الصبر من الإیمان بمنزله الرأس من الجسد”(۲). فالرأس له خصوصیه بالنسبه للجسد فی أنّه أساس وعماد الحیاه، ومن دونه لا یبقى أیّ معنى للجسد ـ بینما إذا فقد الجسد أیّ عضو آخر من أعضائه الظاهریه کالید والرجل و… فإنّه یبقى حیاً. لکن الرأس الذی هو مرکز القیاده والأوامر للأعصاب إذا فُقد وأُصیب بشلل تُصاب کلّ أعضاء البدن الأخرى بالشلل. ومن الممکن أن تبقى هذه الأعضاء حیّه ولکن لن تقدر على القیام بأیّ عمل أو تأثیر. وعندها لن یکون هناک أیّ فارق بین حیاتها وموتها. نحن نرى الأهمیّه الکبرى للأدوار التی تؤدیه الأعضاء کالعین الید والرجل.. وهذا ما نلمسه بشکل واضح، ولکن کل ذلک إنّما هو بفضل وجود الرأس.. وهکذا الأمر بالنسبه للصبر. فعندما یُفقد الصبر، لن یبقى التوحید ثابتاً، وکذلک النبوه وبعثه الأنبیاء، فإنها لن تُحقق ما تصبو إلیه، ولن تتمکن من تأسیس وبناء المجتمع الإلهی الإسلامی، واستعاده حقوق المستضعفین. بل إنّ الصلاه والصیام وسائر العبادات ستفقد الأساس والقاعده التی تحتاجها. وعلیه نجد أنّ الصبر یهب تلک الاعتقادات والغایات الدینیه والإنسانیه روح التحقق. ولو لم یثبت النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) فی بدایه البعثه على القول الحق، ولو لم یقف ثابتاً فی مواجهه تلک الموانع والصعاب التی وقفت سداً أمام الإسلام، فمن المعلوم أن الإسلام لم یکن لیتجاوز أربعه جدران، أی بیت النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) نفسه. أما شعار “لا إله إلا الله” فکان مصیره الزوال والانحسار. إن الشیء الذی حفظ الإسلام هو الصبر. ولو لم یصبر أولیاء الله وأنبیاؤه العظام لم یکن لیصلنا أی شیء عن التوحید. فالعامل الذی صان النداء الإلهی، وجعل حبل التوحید متماسکاً وثیقاً، والذی سیحفظه إلى یوم القیامه أیضاً هو صبر حمله رایات هذا الفکر. فإذا لم تترافق المعتقدات والآمال البشریه مع صبر المعتقدین والمنادین بها، فإنّها لن تتجاوز اللسان، وتزول على أثر تلاطم أمواج حوادث التاریخ. وهکذا یتضح مفهوم “الصَبر من الإیمان بمنزله الرأس من الجسد”. وقد أشار أمیر المؤمنین “علیه السلام” إلى ذلک فی خطبته القاصعه فی تحلیله لثوره المستضعفین وانتصارهم على الطغاه، فیقول: “حتى إذا رأى الله جد الصبر منهم على الأذى فی محبته، والاحتمال للمکروه من خوفه، جعل لهم من مضائق البلاء فرجاً، فأبدلهم العزّ مکان الذلّ، والأمن مکان الخوف. فصاروا ملوکاً حکماً، وأئمه أعلاماً، وبلغت الکرامه من الله لهم ما لم تبلغ الآمال إلیه بهم”(۳).هذه سنّه تاریخیه وخالده إلى الأبد، على هذا النحو. والصبر سیبقى على هذا الأساس سرّ ورمز تحقق المعتقدات الفردیه والاجتماعیه للدین فی أهدافه القریبه والبعیده.  مواطن الصبر من خلال تفسیر الصبر والذی اختصرناه بهذه الجمله القائله بأنّه المقاومه لکل العلل والعوامل الموجوده للشر والفساد والانحطاط، یمکننا أن نمدد دائره الصبر والمواطن التی تتطلب التحلی والتمسک بها. ومن الواضح فی القرآن والأحادیث الشریفه أنّ الصابر المتمسک بالصبر قد وُعد بأجر عظیم فی الدنیا والآخره. ومن جهه أخرى لاشکّ بأنّ الذین یقفون مقابل حمَله نداء الحق والعدل من الأبطال طلیعه جیش الإسلام، والذین یلوثون أنفسهم فی طاعه أربابهم النفعیین فی ساحه هذه المعرکه، والذین یحاربون دعوه الحق من أجل تحصیل المال والزاد والجاه، والذین یصدون عن الحق ویعارضونه انطلاقاً من أهوائهم، إنّ کلّ هؤلاء یشترکون مع الصّابرین على طریق الحق باسم ولفظ الصبر. هؤلاء قد یطلق علیهم لفظ الصابرین، ولکنهم بعیدون کلَّ البعد عن معنى الصبر. لأنّ کفاحهم وتحملّهم، لا یصبّ فی طریق تکامل الإنسان، بل على العکس من ذلک، إنّهم لا یواجهون الأمور الباعثه على الشر والفساد والانحطاط، بل یقفون مقابل تجلّیات وإشراقات التکامل والسمو الإنسانی ـ لذا فهم خارج دائره مفهوم الصبر بالاصطلاح القرآن والروائی. لأنّ میدان ومواطن الصبر الواقعی الحقیقی هو میدان تکامل الإنسان. فهناک، حیث الهدف الحقیقی لخلق الإنسان، والمقصد النهائی للإنسانیه، وصیروره المخلوق عبداً حقیقیاً لله، وظهور الطاقات والاستعدادات الکامنه من خلال التحرّک والسعی، هناک یتجلى معنى الصبر وموطنه، حیث ینبغی المقاومه والثبات مقابل الدوافع والعوامل المانعه من هذا السعی والتحرّک. تلک العوامل الذاتیه أو الخارجیه التی تعرضنا لذکرها، والتی غالباً ما تترافق فی تأثیرها وتکون مصداقاً لمکائد الشیطان. وعندما نرید أن نسلک الجاده الخطره لأداء التکلیف الشرعیه، ونتعرّض للمضایقات والموانع المختلفه، کالموانع السلبیه والموانع الإیجابیه وغیر المباشره، کما فی مثال المتسلِّق السابق، فإنَّه أثناء تسلّقه قد تکون مشاهده المناظر الخلابه أو رفقه صاحب موسوس سبباً فی إلقاء الحمل على الأرض، وتبدّل العزم على الصعود إلى الخمود والإخلاد إلى ذلک المکان الجمیل. وأحیاناً أخرى یکون المرض أو الانشغال بمریض أو تذکر أمور محزنه ومؤمله، باعثاً على فتور العزیمه وعدم مواصله السیر. وهذا الأخیر مانع من نوع آخر وهو غیر مباشر. هذه الأنواع الثلاثه من الموانع تقف على طریق تکامل الإنسان. فإذا اعتبرنا أن الواجبات الدینیه وسائل هذا المسیر، والمحرمات هی حرکه انحرافیه فیه، وأن الحوادث المره والمؤلمه فی الحیاه تؤدّی إلى عدم الاستقرار النفسی وفتور العزیمه، یمکن أن نقسّم الموانع عندئذٍ على هذا النحو: أ ـ العوالم المانعه التی تؤدّی إلى ترک الواجبات. ب ـ العوامل التی تدفع نحو فعل المحرمات وارتکاب الذنوب. ج ـ والعوامل التی تجلب حاله عدم الاستقرار وعدم الثبات الروحی. أمّا الصبر، فإنّه یعنی المقاومه وعدم الاستسلام فی مواجهه هذه العوامل الثلاثه، التی لاشکّ بأنّها تقف وراء الفساد والشر والسقوط. وبهذا التوضیح یمکننا أن ندرک عمق هذا الحدیث الذی ینقله أمیر المؤمنین (علیه السلام) عن رسول الله (صلى الله علیه وآله وسلم): “الصبر ثلاثه: صبر عند المصیبه، وصبر على الطاعه، وصبر عن المعصیه”. وفی کل مورد من هذه الموارد الثلاثه، عندما تحدث الأمور والحوادث المؤلمه والمرّه فی الحیاه، وعندما یطلب من الإنسان القیام بتکلیف ما، وعندما یدعوه أمر ما إلى ارتکاب معصیه ما، فعندها یأتی دور ظهور قوه وبطوله الروح. ولکی یتضح معنى هذا المصطلح الإسلامی بشکل کامل نأتی على شرح کل واحد من هذه الأمور الثلاثه:  الصبر على أداء التکلیف أمام کل تکلیف أو واجب یوجد أنواع مختلفه من المصاعب والموانع. وهذا یعود إلى طبیعه الجهد المطلوب لأداء ذلک الواجب، وإلى روحیه طلب الراحه فی الإنسان. فمن الواجبات والتکالیف الفردیه الشائعه کالصلاه والصوم وما هو مطلوب کمقدمه لها، إلى الواجبات المالیه والإنفاقات والحج والوظائف الاجتماعیه المهمه والواجبات التی تتطلب بذل النفس والنفیس وترک زخارف الحیاه، کل هذه الواجبات لا تنسجم مع طبع البشر، الذی وإن کان طلباً للرقی والکمال، إلاّ أنّه محب للراحه والسهوله. وهذا الوضع موجود بالنسبه لجمیع قوانین وأنظمه العالم سواء کانت سماویه أم وضعیه، صحیحه أم سقیمه. وفی الأصل، رغم أنّ القانون لا یمکن الاستغناء عنه بالنسبه للإنسان، وعلى هذا الأساس یقرّ به، لکنه بشکل عام لا یراه حلواً ولا یستسیغه. وحتى تلک القوانین الوضعیه المتعارفه فی العالم، والتی لها نتائج جلیه وواضحه من الناحیه الإیجابیه، والکلّ یعلم عواقب مخالفتها ـ کقوانین السیر ـ فإنها لا تخرج عن هذه القاعده التی ذکرناها. ومع أنّ آلاف الحوادث الدامیه والمأساویه تقع بسبب التساهل فی مخالفه هذه القوانین، وعلى مرأى معظم الناس، لکننا قلما نجد سائقاً لا ینزعج من الوقوف عند الضوء الأحمر أو عندما یجد إشاره تمنعه من اختصار الطریق من خلال المرور فی هذا الشارع. مثل هذا الوضع موجود بالنسبه للقوانین الآخره أیضاً. فالتکالیف الدینیه ـ رغم أنها شُرّعت على أساس الفطره الأصیله للإنسان وطبق الحاجات الواقعیه له، وهی وسیله لتکامله ورقیّه ـ عندما تنزل إلى ساحه العمل تُقترن بالصعوبه والمتاعب بغض النظر عن حجمها. الصلاه ـ مثلاً ـ التی لا تتطلب من الإنسان سوى بضع دقائق، بالإضافه إلى ترک المشاغل الضروریه أو غیر الضروریه، وتحصیل المقدّمات الضروریه کاللباس والمکان.. کل هذه الأمور مخالفه للطبع والمیول النفسانیه. وفی أثناء الصلاه، فإنّ تحصیل حضور القلب والتوجّه إلى أفعالها وأذکارها، وطرد کل الخواطر والواردات وکل ما یشغل عن الله، وإقفال أبواب الروح على الأفکار الطارئه، هی بمثابه شروط لازمه لکمال الصلاه وتحقق آثارها. وهی لهذا عمل ملیء بالمشقه یستلزم قوه ورأسمالاً کبیراً. وإذا جئنا إلى الصوم، نجد أنه یتطلب أیضاً الامتناع عن الأکل والشرب لساعات عده، مع مجاهده شهوه الأکل، وعدم الاعتناء بمطالب البطن والفرج، وهذه أعمال صعبه، تحتاج إلى قوه مقاومه وتحمّل. وعندما تتیبس الشفاه، وتعصر البطن الخالیه فی یوم صیفی حار، ینبغی امتلاک رأسمال کاف مع إراده وعزم ـ وهکذا فی الحجّ الذی یتضمّن عناء السفر والبعد عن الأهل والدیار والالتحاق بمجموعه من الغرباء وصرف مبالغ من المال ـ کل هذه اللوازم ینبغی أن لا تترافق مع نیه الرغبه بالسیاحه أو التجاره. بل إنّ الهدف یکون “حج بیت الله” فقط. وهذا أمر صعب. وکذلک فی الأمر بالمعروف والنهی عن المنکر، والجهاد فی سبیل الله. ولعلّنا لا نحتاج إلى إیضاح صعوبه ومتاعب هذه الفرائض. فالعقبات التی تقف فی طریقها معلومه للجمیع. إنّ إعلان کلمه الحق وإیصالها إلى أهل الباطل، والاستعداد لتحمّل کل المرارات والآلام عند مواجهه سلطان البغی الذی یشهر سیفه ویرفع سوطه، والوقوف فی وجه الذئاب المفترسه التی یلمع من عیونها بریق السیوف الحاده الذی ینفذ إلى أعماق القلب، إنّ هذه المقاومه لیست بالأمر السهل سواء بالنسبه لأمّه أو فرد، بل هی من أشدّ الأعمال وأخطرها. هذا هو حال الواجبات والتکالیف الإسلامیه. فهی ملازمه للمحن والمصاعب والآلام، رغم أنّها بحدّ ذاتها تتضمن المواد اللازمه والأکثر فائده وضروره لصلاح البشریه وسعادتها. ولاشکّ أن الأمر سیکون بالنسبه للذین عرفوا الطریق الصحیح والمستقیم لذیذاً، لأنه فی سبیل الله ونحو الهدف المقدس والسامی للإنسانیه. فبالنسبه لهؤلاء تتحول کل المرارات والآلام إلى شیء عذب وقابل للتحمّل. فنفس الصلاه التی ذکرنا فیها تلک الشروط، هی لذیذه وحلوه عند أهل الله الذین تذوقوا حلاوتها واستعذبوها. لها نرى الرسول الأکرم (صلى الله علیه وآله وسلم) عندما کان یحین موعد الصلاه یقول لبلال المؤذن: “أرحنا یا بلال”. وهکذا فی الجهاد فی سبیل الله، فهو عند أصحاب القلوب القویه کأمیر المؤمنین (علیه السلام)، یبعث فیهم النشاط والحیویه، ویرونه طریقاً للسعاده والثبات. وفی خطبه له (علیه السلام)، فی نهج البلاغه یوضح أمیر المؤمنین (علیه السلام) ملامح تلک الروحیه العالیه والمدهشه، فیقول: “ولقد کنّا مع رسول الله (صلى الله علیه وآله وسلم) نقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وأعمامنا، ولا یزیدنا ذلک إلا إیماناً وتسلیماً ومضیاً على اللقم وصبراً على مضض الألم”. بعد هذا العرض، نطرح السؤال التالی وهو: ما الذی یجب فعله لمواجهه هذه المشقات والمصاعب الموجوده عند القیام بالتکالیف الدینیه؟ فهل یمکن ترک الصلاه لأنّها صعبه، أو نترک تحصیل حضور القلب ومنع الواردات والخواطر لأنّه أمر صعب! وکذلک فی سائر التکالیف من جهاد وحجّ وأمر بالمعروف ونهی عن المنکر وغیرها من التکالیف الاجتماعیه التی تتلازم مع التعب والمشقه، فهل یصح أن نقف مکتوفی الأیدی أمام القلب للأهواء وطلب الراحه والسهوله؟ هنا یأتی جواب الإسلام قائلاً لا یصح ذلک بل یجب الصبر، الصبر على الطاعه. ویجب علینا أن نواجه تلک الوساوس التی تظهر أثناء الصلاه وترید أن تخرج القلب عن حاله الحضور وتنسیه أنّه قائم فی محراب العباده، وعلینا أنّ نصبر على ذلک حتى نوصل الصلاه إلى کمالها وتُحقِّق ثمرتها. وفی مقابل الأهواء الکثیره والقویه التی تدفع الإنسان للإفطار أثناء صیام یوم طویل وحار من شهر رمضان، علینا بالصبر والمواجهه. وعندما ندخل إلى ساحه المواجهه مع العدو الذی یکشر عن أنیاب العداء یرید أن یجرعنا کأس الموت الأحمر یجب أن نسارع، ونبتعد عن کلّ ما یذکرنا بلذات الدنیا وحلاوه الحیاه والأبناء والأعزاء والمشاغل المادیه والمصالح الخاصّه، وکلّ ما من شأنه إحداث التزلزل وضعف الإراده. یجب علینا أن نبعد کل هذه العوامل المانعه للاستمرار والتقدم نحو تحقیق الانتصار. عندما نقول یجب الصبر، یعنی أن لا نسمح بتسلل الخوف إلى قلوبنا من جراء تهدید ورعید الظالم الذی یؤدی إفساده وطغیانه إلى فساد الأمّه وانحطاطها، بل علینا أن نلقی من على سطح الصبر العالی سطل فضائحه وذلته. عندما نقول یجب الصبر، أی یجب مواجهه إغواء الشیطان الذی یظهر بألف لون ولون لمنعنا من الإنفاق والعطاء، من خلال تذکیرنا بحاجاتنا الخاصه وإشغالنا بمصالحنا وحب التکاثر وجمع الأموال، وبالتالی لمنعنا من القیام لأداء وظائفنا المالیه (کالخمس والزکاه والصدقه..)، وجعل إضاءه بیوتنا أولى من إشعال شمعه فی المسجد. علینا أن نقاوم، وأن تکون مقاومتنا بکل ما ینبغی علینا القیام به. ففی ساحه القتال یجب الصمود والثبات، وفی میدان جهاد النفس ینبغی الاستقامه، وفی محل آخر یجب عدم الاعتناء بالفقر ووساوسه. هذه المقاومه هی الصبر. فالصبر لیس الاستسلام وتکبیل الأیدی وأسرها بالأحداث الیومیه والغفله عما یجری.  الصبر على الطاعه فی حیاه الأئمه (علیه السلام) فی الزیارات التی یزار بها الأئمه (علیه السلام) نجد أنّ من جمله الخصال الوارده التی یتم الترکیز علیها هی الصبر “صبرتَ، احتسبت..”، نتوجه إلى الإمام قائلین إنک قد صبرت واحتسبت عند الله، ونهضت فی سبیل الله، وحملت الأمانه مع وجود کل تلک المشقات والمصاعب وأدّیتها.. حقاً، لقد کانت مسؤولیه هدایه الناس وبیان الحقائق المکتوبه ومواجهه الطغاه ومحاربه الظلم والفساد مسؤولیه ملیئه بالمصاعب والآلام التی تحتاج إلى صبر ومقاومه. وبالیقین، لو کان صبر الإمام بأن یبقى حزیناً ومغموماً لما یرى من الأوضاع السیئه فی زمانه، ویحترق قلبه لما یجری على الإسلام والمسلمین، وهو جلیس البیت مع تجرع الآلام والغصّات، دون أن یتحرک لأجل القضاء على الفساد وتغییر الأوضاع القائمه وإصلاح المجتمع والنهوض به، لم یکن لیعد ذلک من جمله فضائله ومفاخره. لأنّ هذه الأمور یمکن أن تکون فی أی شخص، وخصوصاً فی الأفراد الضعفاء واللامسؤولین. إن هذه الفضیله إلى وردت فی الزیارات. وهی خصله بارزه فی حیاه الإمام (علیه السلام) والتی ینبغی أن تکون بالنسبه لنا درساً ملهماً، بحیث نکرره دائماً، هی الصبر على وظیفهٍ عَجِز الناس عن حملها وأدائها، هی الصبر على الطاعه وأداء التکلیف.  نظره إلى القرآن إذا نظرنا إلى عشرات الآیات التی تتحدّث عن الصبر والصابرین، نجد أنّ الصبر على الطاعه یأتی ضمن أقسام الصبر. فقوله تعالى مثلاً: {إن یکن منکم عشرون صابرون یغلبوا مائتین وإن یکن منکم مئه یغلبوا ألفاً بإذن الله}. فی هذه الآیه یرینا الله أن الصبر لیس هو إلا المقاومه والثبات فی مواجهه العوامل الصعبه والشاقه التی تعترض المجاهد فی ساحه الحرب والقتال لثنیه عن الاستمرار. وهذا المعنى فی الآیه شدید الوضوح. أما والصّابرون الذین أشیر إلیهم فی هذه الآیه فهم الذین لا تمنعهم بوارق السیوف وتهدیدات الأعداء من القیام بتکالیفهم، کما لا یمنعهم ذکر الأبناء والأحبه والحیاه الهانئه والمریحه من الجهاد والقتال، ولا تتزلزل أقدامهم فی هذه الطاعه. ونأتی إلى آیه أخرى حیث یقول تعالى: {ربَنا أفرغ علینا صبراً وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الکافرین}. فذکر فیها تلک الفئه المؤمنه التی تتجه نحو میدان القتال للقیام بواجبها، وقد أعدّت نفسها وتجهزت لمواجهه ذلک العدو القوی، طالبه من الله تعالى أن یهبها روح الثبات والمقاومه لمواجهه الموانع التی تقف حائلاً أمام الاستمرار، والوصول إلى الثمره التی هی الانتصار. وهناک آیات عدیده فی مجال الصبر على الطاعه یتطلب بحثها تفصیلاً ومجالاً أوسع.  الصبر عن المعصیه فی کل إنسان یوجد میول طبیعیه ورغبات تدفعه للقیام بأعمال والامتناع عن أخرى. وهی فی الحقیقه سبب للاندفاع وبذل الجهاد فی مراحل الحیاه الإنسان کافه. وتسمى هذه المیول بالغریزیه، التی من مصادیقها وأمثلتها محبه الأبناء وحب المال وطلب القدره والمیول الجنسیه وعشرات المیول الأخرى. ولنرى الآن کیف حکم الإسلام على هذه الغرائز الإنسانیه؟ وکیف حدد الأطر المناسبه لمواجهتها والتعامل معها؟ فهل یجب القضاء علیها وکبحها من خلال الریاضات الشاقه وبشکل کلی وتام؟! أم أنه لا یوجد أی تقیید، ولا یجب مراعاه أی شرط فیها، بل على الإنسان أن یستسلم لها لتأخذه حیث ترید؟! فی الجواب، نقول إن الإسلام لا یعتبر کلا الأسلوبین علاجاً سلیماً وصحیحاً. فهو لا یغض النظر عن وجود هذه الغرائز البشریه، بل یعتبر أنها أمر واقعی لا ینبغی تجاهله، ویعتبرها مفیده. لکنه من جهه أخرى یسد باب طغیانها وتعدیها وانحرافها، وذلک من خلال سلسله من الإجراءات الفعّاله ووضع حدود واقعیه لها. وفی الواقع، نجد أن أصل وجود الغرائز فی الإنسان إنما کان وسیله لاستمرار الحیاه، والقیام بمتطلباتها الأساسیه، کما أن طغیانها فی المقابل وانحرافها یؤدی إلى القضاء على هذه الحیاه ورقیّها. فإذا جئنا إلى غریزه حب النفس، نرى أنها لو لم تکن موجوده لما استمرت الحیاه على الأرض (فبسببها یدافع الإنسان عن نفسه ویدفع عنها المخاطر والمهالک), ولکن طغیان هذه الغریزه وخروجها عن الحد المطلوب یؤدی إلى جعل هذه الحیاه سلسله من المتاعب والمصائب، حتى إن الأمر قد یصل أحیاناً إلى استحاله العیش. وعلى هذا قِسْ جمیع الغرائز الأخرى.. هنا یأتی دور الصبر عن المعصیه، والذی هو أحد الأنواع الثلاثه للصبر. وهو مقاومه نیران وطغیان هذه الغرائز وانحرافاتها. ذلک لأن أساس المعاصی والذنوب هو هذا الطغیان والانحراف. والإنسان یمیل بشکل طبیعی نحو تأمین وسائل الحیاه وحاجاتها الأساسیه. ولأنها لا تتیسر عاده بدون المال والثروه، نراه یسعى إلى تحصیلها. وهذه إحدى مظاهر الغریزه الإنسانیه. والإسلام الذی یمثل المدرسه الإنسانیه، والطریق الذی ینبغی أن یسلکه الإنسان فی الحیاه، أقر هذه الحاجه. ولکن، لکی یتحقق النظام فی المجتمع بشکل صحیح وضع مجموعه من المقررات والقوانین لتحصیل هذا الأمر الغریزی (تحصیل المال)، فهو لا یمنع مطلقاً من السعی وبذل الجهد لتأمین لحاجات العیش. مع ذلک، هناک موارد عدیده تخرج فیها هذه الغریزه عن حد الاعتدال، فیصبح جمع المال واکتنازه کمرض مزمن یتجذّر فی نفس الإنسان، ویصیر المال عندها هدفاً عزیزاً بدلاً من کونه وسیله لتأمین الحاجات الأساسیه، ویتحول إلى وسیله لتحقیق المآرب اللاإنسانیه وسبباً للتفاخر. وکل هذا ممنوع ومرفوض فی الرؤیه الإسلامیه. وهنا، یتدخل الإسلام لیقدم لأتباعه دستور الصبر، أی یأمرهم بالوقوف فی وجه هذا الطغیان ومقاومه هذا الانحراف فی الغریزه. فعند جموح غریزه حب المال على سبیل المثال، یتجه الإنسان إلى تعاطی الربا والاحتکار، وینجر نحو القیام بمعاملات أو تصرفات غیر لائقه بحقه. والصبر هنا یعنی مقاومه العوامل المؤدیه إلى هذا الفساد وغیره. وإذا جئنا الآن إلى المیل الطبیعی فی الإنسان نحو القدره، نرى أنه لو فقد هذا المیل فإنه سیقبل بالذل والهوان والحقاره، ونحن على یقین بأن مثل هذا الإنسان منحرف الفطره ومعوَّج فی طبیعته. لهذا، جاء الإسلام ـ بالنسبه لهذه الموارد ـ بأسلوب یمکن استعماله والاعتماد علیه لأجل توجیه هذه الفطره توجیهاً صائباً. ففی مثل هذا المثال المتعلق بالقدره، یجوز أن یسعى الإنسان لامتلاکها. وفی بعض الأحیان یصبح هذا السعی أمراً واجباً وضروریاً کما فی مثل إحقاق الحق وأداء التکالیف الاجتماعیه المهمه واستعاده الحقوق المسلوبه، أو عند إجراء الأحکام والحدود الإلهیه. فی بعض الأحیان یصبح هذا السعی فریضه واجبه على الجمیع. ومن جهه أخرى، سد الإسلام طریق جموح هذه الغریزه، عندما تتحول إلى وسیله لظلم الآخرین والتسلط علیهم لاقتراف الجنایات، فی مثل أجهزه الظلمه والطغیان ومعونتهم. هذا السد والوقوف أمام هذا المیول الجامحه هو الصبر عن المعصیه. وهناک أمثله أخرى على الغریزه الجنسیه وغریزه التعلق بالحیاه، وغیرها مما یعد البحث حوله طریقاً للإطلاع على الکثیر من المسائل الفردیه والاجتماعیه المهمه.  أهمیه الصبر عن المعصیه من خلال هذا الإیضاح الموجز، وبالاستلهام من الروایات والتعالیم الإسلامیه التی تزخر بالمعارف الاجتماعیه یمکننا أن نستکشف الأهمیه التی یحظى بها الصبر عن المعصیه وطغیان الغرائز. ففی عده روایات قصیره وردت کل واحده منها فی وضع خاص بصوره درس بنّاء للمسلمین المجاهدین فی عصور الأئمه (علیهم السلام)، تمّ التأکید کثیراً على هذا النوع من الصبر، لعله بسبب أن طی طریق النوع الأول من الصبر (الصبر على الطاعه) متلازم مع الشوق والرغبه الطبیعیه فی الإنسان، ذلک الشوق للسعی والتحرک. فی حین أن عدم الانحراف وعدم الانصیاع للموانع التی تنسجم مع الغرائز الطبیعیه والمیول الداخلیه (أی النوع الثانی من الصبر وهو الصبر عن المعصیه)، لیس فاقداً للرغبه والغریزه الطبیعیه فحسب، بل یقف فی مقابل هذه الرغبات والمیول. فالصبر من النوع الأول، وإن کان من جهه عباره عن مقاومه لنوع من المیول الطبیعیه کحب الراحه وطلب السهوله و.. لکنه من جهه أخرى یترافق دائماً مع نوع آخر من المیول التی تساعده على الصبر، وإن کانت ضعیفه لکنّها طبیعیه. أما النوع الثانی من الصبر فهو متعارض من جمیع الجهات مع المیول والرغبات الطبیعیه النفسانیه. ولهذا تکون المقاومه فیه أصعب، ومن هذه الجهه له الأفضلیه. کما أننا نرى أنّ الدور المصیری للصبر عن المعصیه کان الأبرز فی تأثیره على الأحداث الاجتماعیه، ویمکن أن یکون هذا الأمر دلیلاً إضافیاً لترجیح هذا النوع من الصبر على النوع الأول.  نموذج من التاریخ وإذا أخذنا نموذجاً مما ذکرناه، نقف عند وجهین معروفین فی تاریخ الإسلام لنقارن بینهما. الأول هو الوجه الساطع والجمیل، والثانی هو الذی یبعث على النفور والاشمئزاز. کلاهما مرّا فی ظروف متشابهه تماماً. ویکن القول بأنهما وصلا معاً إلى نفس مفترق الطریق بعد أن کانا یسیران معاً على خط واحد، فاختار الأول طریقاً غیر الآخر، وصار بسبب هذا الاختیار فی عداد أعظم وأعز الوجوه الإسلامیه، أما الثانی فقد دخل باختیاره فی زمره المتوحشین الملعونین فی التاریخ. وهذان الشخصان هما الحر بن یزید الریاحی الذی کان قائداً لقسم من الجیش الأموی والذی توجه للوقوف بوجه ثوره الإمام الحسین (علیه السلام)، والثانی هو عمر بن سعد الذی قاد الجیش الأموی للقضاء على الإمام (علیه السلام). کان الحر فی طلیعه الذین اعترضوا حرکه الثوره الحسینیه المتجهه نحو العراق، وکان مع عمر بن سعد على نفس الخط والتوجه، وهدَّدا معاً الثوره بقوه حاکم زمانهما. کان الإمام الحسین (علیه السلام) قد نهض انطلاقاً من تکلیفه الإلهی والتعالیم الإسلامیه وشعوراً منه بالمسؤولیه الکبرى ـ لتلقین وإظهار درس عملی أساسی فی الإسلام ـ من خلال العمل الثوری ضد الحکومه الأمویه والنظام الفاسد المنحط المتسلط على المجتمع. ولأن هذا التحرک کان یمثل تهدیداً مباشراً للنظام الحاکم، وضعت الحکومه کل قواها وإمکانیاتها لمواجهه هذه الثوره. وکان هذان الرجلان (عمر بن سعد والحر بن یزید) فی عداد هذه القوى التی توجهت نحو إخماد هذه الثوره والقضاء على باعثها الإمام ال

Leave A Reply

Your email address will not be published.