هکذا تکون الأمّه المنتصره

0

وهنا ـ وباختصار شدید ـ نشیر إلى بعضها: 

۱ـ لزوم شکر الله تعالى وحمده على نعمه النصر، وأنّه منّ على المسلمین بهذا النجاح فی دفع العدوّ عن بلادهم وأرزاقهم وأنفسهم، وأن یعلموا أنّ الله تعالى لا ینسى الذاکرین من عباده، ولا یکونوا من أولئک الذین یذکرون الله فی الشدائد وینسونه فی الرخاء، کما هی حاله بنی آدم غالباً، قال تعالى: ﴿وإذا مسّ الإنسان الضرّ دعانا لجنبه أو قاعداً أو قائماً فلما کشفنا عنه ضرّه مرّ کأن لم یدعنا إلى ضرّ مسّه کذلک زیّن للمسرفین ما کانوا یعملون﴾ (یونس: ۱۲)، وقال سبحانه: ﴿وإذا مسّ الإنسان ضرّ دعا ربّه منیباً إلیه ثم إذا خوّله نعمه منه نسی ما کان یدعو إلیه من قبل وجعل لله أنداداً لیضلّ عن سبیله..﴾ (الزمر: ۸). 

فعند النصر یفترض بنا ـ قبل کل شیء ـ شکر المنعم تعالى، ولا سیّما لو کنّا قلیلین لا توجد احتمالات النصر فی حقّنا، وکنا لا تسعفنا المعاییر المادّیّه البحته لتحقیق النصر؛ فإنّ الله تعالى بنصره لنا یستدعی منّا شکراً على شکر، وحمداً على حمد، تماماً کما حصل مع المسلمین فی صدر الإسلام، قال تبارک وتعالى: ﴿واذکروا إذ أنتم قلیل مستضعفون فی الأرض تخافون أن یتخطّفکم الناس فآواکم وأیّدکم بنصره ورزقکم من الطیبات لعلّکم تشکرون﴾ (الأنفال: ۲۶)، وقال سبحانه: ﴿ولقد نصرکم الله ببدر وأنتم أذلّه فاتقوا الله لعلّکم تشکرون﴾ (آل عمران: ۱۲۳)، فهو شکرٌ یکون عبر التقوى أیضاً، وهذا الشکر سوف یلحق بالنصر نصراً غیرَه وبالعزّه عزهً أخرى، قال تعالى: ﴿وإذ تأذّن ربکم لئن شکرتم لأزیدنّکم ولئن کفرتم إنّ عذابی لشدید﴾ (إبراهیم: ۷). 

وانطلاقاً ممّا أسلفناه، یجدر بالأمّه بعد النصر أن تتداعى إلى مساجدها وساحاتها العامّه لإقامه تجمّعات الشکر والحمد، ولتعمیم ثقافه الشکر لله تعالى والاستناد إلیه والتوکّل علیه، لا أن تتداعى للدعاء بالنصر قبل تحقّقه فقط، فیما تکتفی بعد النصر بمظاهر الفرح المختلفه، وإن کان ذلک کلّه مطلوباً ضمن الأطر الشرعیّه والقانونیّه والأخلاقیّه. 

۲ـ والحمد والشکر لیس کلاماً یُطلق فی الهواء فحسب، بل هو عزم وعمل وإقدام أیضاً، وهنا یجدر بالأمّه أن تعمل على نشر ثقافه التقوى والورع شکراً لله شکراً عملیّاً، کما أنّ المفترض بالأمه أن تقدّم الشکر لکلّ من ساعدها على تحقیق النصر، سواء فی ذلک الدول الصدیقه والشعوب والجماعات والأحزاب و.. لا أن تتنکّر لهم بعد نصرها، وتنسى خدماتهم لها بسرعه، فعن رسول الله(ص) أنّه قال: من لم یشکر الناس لم یشکر الله. (مسند ابن حنبل ۳: ۳۲). 

کما أنّ المفترض تقدیم الشکر القولی والعملی للشهداء والجرحى والأسرى وعوائلهم على ما قدّموه بتضحیاتهم وصبرهم، فالأمه التی تنسى هؤلاء تکون ناکرهً للجمیل، ولا یصحّ من الدوله أن تطالب الناس بالجهاد وهی لا تقابل ذلک بمجازاتهم بالحدّ الأدنى لذلک. وفی هذا السیاق، یفترض بالأمّه أیضاً وضع برامج عملیّه للوقوف إلى جانب من ضحّى لأجل النصر، وهذا لیس منّهً تمنّ بها الدول على شعوبها، بل واجبٌ ومسؤولیه، وإذا نشرنا هذه الثقافه ربما نکون جدیرین بانتصارات لاحقه فی الأمّه على غیر صعید. 

۳ـ أن لا تصاب الأمّه بالغرور السلبیّ والکبریاء الزائف، فإنّ الکبریاء والغرور من الآفات الأخلاقیّه العظیمه، نعم ینبغی ـ على مستوى الحرب النفسیه ـ أن توحی للعدو بکبریائها، لکن لا ینبغی أن یتحوّل ذلک إلى مرض حقیقی فی الأمّه. 

ومن أبرز مظاهر هذا الغرور أنّه بعد النصر یخرج الإنسان عن مراعاه القوانین الشرعیّه والآداب الإنسانیه فیتعامل بصلافه من موقع القوّه بعد أن کان یتعامل بأدب من موقع الضعف، فالقوّه فی الثقافه الدینیّه عون على إقامه العدل وإحقاق الحقّ، ولیست مساعداً على إحلال الظلم والتعدّی على الحقوق. 

ولدینا فی التجربه النبویه أنموذج هام أعطى القرآن الکریم فیه درساً للمسلمین، ألا وهو معرکه حنین، حینما اغترّ المسلمون بأنفسهم وقوّتهم وکثرتهم ولم یأخذوا بأسباب النصر ولم یتواضعوا لله، ولمن ینبغی التواضع له، فاهتزّت أوضاعهم، قال سبحانه: ]لقد نصرکم الله فی مواطن کثیره ویوم حنین إذ أعجبتکم کثرتکم فلم تغن عنکم شیئاً وضاقت علیکم الأرض بما رحبت ثم ولّیتم مدبرین ثم أنزل الله سکینته على رسوله وعلى المؤمنین وأنزل جنوداً لم تروها وعذّب الذین کفروا وذلک جزاء الکافرین[(التوبه: ۲۵ ـ ۲۶). 

۴ـ إعاده دراسه الأمّه لأسباب النصر؛ کی ترى ما هی النقاط الضروریه اللازمه فیه، أی ما هی نقاط القوّه التی حققت هذا النصر لکی تحافظ علیها؟ کما أنّ أیّ حرب ـ حتى لو حصل فیها نصرٌ ـ تقع معها بعض الأخطاء؛ فیجب دراسه هذه الأخطاء لتجنّبها فی المستقبل. 

۵ـ المحافظه على ثقافه الجهاد والمواجهه حیّهً نابضهً فی عروق الأمّه وشرایینها، وعدم التخلّی عنها بمجرّد الحصول على النصر، فإنّ انتصار الأمّه على أعدائها یکون أدعى لهؤلاء إلى التفکیر بالانتقام والأخذ بالثأر من هذه الأمّه، ما یستدعی ولاده حروب ومعارک جدیده، فلو أنّ الأمّه تخلّت على قوّتها الحقیقیّه، وهی: الوعی والیقظه والاستعداد الدائم، لتحوّل نصرها هذا إلى هزیمهٍ مدوّیه، وفی فتره قصیره وقیاسیّه. 

۶ـ على الأمّه أن تستحضر دائماً أنّ نصرها عسکریّاً وقتالیّاً، مهما کان کبیراً ومبیناً، فإنّه قد لا یکون نصراً حقیقیّاً، فإنّ النصر الحقیقیّ لیس إلّا النصر الذی یکون ناتجاً عن قیامٍ لله، ونصرهٍ لدین الله، وإحقاقٍ للحقّ، وإبطالٍ للباطل، ومعاداهٍ لأعداء الإنسانیّه، ورغبهً فی إحلال العدل، وقهر الظلم.

Leave A Reply

Your email address will not be published.