هدف وغایه خلق الإنسان

0

من الحقائق التی عرض لها القرآن الکریم أن الإنسان لم یخلق سدىً لاهدف له ولا غایه، قال تعالى: ((أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْناکُمْ عَبَثًا وَأَنَّکُمْ إِلَیْنَا لاَ تُرْجَعُونَ))(۱). وقال: ((إِنَّ إِلَى رَبِّکَ الرُّجْعَى))(۲) وقال: ((یَا أَیُّهَا الاِنسَانُ إِنَّکَ کَادِحٌ إِلَى رَبِّکَ کَدْحًا فَمُلاقِیهِ))(۳).
فلقاء الله والرجوع إلیه هو الهدف الذی من أجله خُلق الإنسان. الآیات لإثبات هذه الحقیقه کثیره. قال تعالى: ((فَمَن کَانَ یَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْیَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ یُشْرِکْ بِعِبَادَهِ رَبِّهِ أَحَدَا))(۴).
وقال أیضاً: ((إِنَّ الَّذِینَ لا یَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَیَاهِ الدُّنْیَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِینَ هُمْ عَنْ آیَاتِنَا غَافِلُونَ. أُولَئِکَ مَأْواهُمُ النَّارُ بِمَا کَانُوا یَکْسِبُونَ))(۵). تأسیساً على ذلک یطرح هذا التساؤل: کیف یمکن للإنسان أن یحقّق هذا الهدف، وما هو الطریق الموصل إلى لقاء الله سبحانه وتعالى؟
فی مقام الإجابه نقول: إنّ الإنسان خُلق فی نشأه الابتلاء والامتحان; قال تعالى: ((خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَیاهَ لِیَبْلُوَکُمْ أَیُّکُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً))(۶)، فکلّ شیء فی هذه النشأه لأجل امتحان الإنسان. من هنا وضعه الله تعالى على مفترق الطریق لیختار لنفسه الاتجاه الذی یرید، قال تعالى: ((إِنَّا هَدَیْنَاهُ السَّبِیلَ إِمَّا شَاکِرًا وَإِمَّا کَفُورًا))(۷) وقال تعالى: ((فَمَن شَاءَ فَلْیُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْیَکْفُرْ))(۸).
فإذا استطاع الإنسان أن یقف على الطریق الذی یوصله إلى الهدف الذی خلق من أجله فهو المهتدی، وإلاّ فیکون من الضالّین. وانطلاقاً من هذه الحقیقه، یدعو الإنسان ربّه مرّات عدیده فی صلواته الیومیه ((اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِیمَ))(۹) لأنّ أفضل الطرق وأحسنها وأقصرها للوصول إلى الهدف هو الصراط المستقیم، وإذا لم یوفّق الإنسان لسلوک هذا الطریق فهو ضال لا محاله، ولا تزیده سرعه المشی فی غیر الصراط المستقیم إلاّ بعداً عن الهدف.
وإلى هذا أشار الإمام الصادق (علیه السلام) بقوله: (العامل على غیر بصیره کالسائر على غیر الطریق لا یزیده سرعه المشی إلاّ بُعداً)(۱۰). إذن فما هو الصراط المستقیم الذی یجب على السائر أن یسلکه للوصول إلى قرب الله ولقائه؟
لقد بیّن القران الکریم ذلک بقوله تعالى: ((قُلْ إِن کُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِی یُحْبِبْکُمُ اللَّهُ وَیَغْفِرْ لَکُمْ ذُنُوبَکُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِیمٌ))(۱۱) وکذلک قوله تعالى ((لَقَدْ کَانَ لَکُمْ فِی رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَهٌ حَسَنَهٌ لِمَن کَانَ یَرْجُو اللَّهَ وَالْیَوْمَ الآخِرَ وَذَکَرَ اللَّهَ کَثِیرًا))(۱۲). ومن الواضح أنّ الأنبیاء جمیعاً وعلى رأسهم خاتم الأنبیاء والمرسلین هم من الذین هداهم الله إلى الصراط المستقیم، قال تعالى: ((کُلاًّ هَدَیْنَا وَنُوحًا هَدَیْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّیَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَیْمَانَ وَأَیُّوبَ وَیُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَکَذَلِکَ نَجْزِى الْمُحْسِنِینَ. وَزَکَرِیَّا وَیَحْیَى وَعِیسَى وَإِلْیَاسَ کُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِینَ . وَإِسْمَاعِیلَ وَالْیَسَع َوَیُونُسَ وَلُوطًا وَکُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِینَ . وَمِنْ آبَائِهِم وَذُرِّیَّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ وَاجْتَبَیْنَاهُمْ وَهَدَیْنَاهُمْ إِلَى صِراط مستَقِیم . ذَلِکَ هُدَى اللَّهِ یَهْدِى بِهِ مَن یَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ))(۱۳).
على هذا یکون الصراط المستقیم الموصل إلى الله تعالى هو إتباع الخاتم (صلّى الله علیه وآله). ولا یتحقّق هذا الإتباع إلاّ بالأخذ بکل ما جاءنا عنه (صلّى الله علیه وآله) قال تعالى: ((وَمَا آتَاکُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاکُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا)) (۱۴) وما ذلک إلاّ لأنّه (صلّى الله علیه وآله) ((وَمَا یَنطِقُ عَنِ الْهَوَى. إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْیٌ یُوحَى))(۱۵). ثمّ إنّ الرسول الأعظم (صلّى الله علیه وآله) حدّد کیفیه إتباعه من أجل السیر على الصراط المستقیم والخلاص من الضلاله بقوله: إنّی ترکت فیکم ما إن تمسّکتم به لن تضلّوا بعدی، کتاب الله حبلٌ ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتی أهل بیتی، ولن یفترقا حتّى یردا علیّ الحوض فانظروا کیف تخلفوننی فیهما حیث بیّن (صلّى الله علیه وآله) أنّ المنجی من الضلاله هو التمسّک بالقرآن والعتره الطاهره (علیهم السلام) معاً، ولذا نقرأ فی الدعاء: (اللهمّ عرّفنی نفسک فإنّک إن لم تعرّفنی نفسک لم أعرف رسولک، اللهمّ عرّفنی رسولک، فإنّک إن لم تعرّفنی رسولک لم أعرف حجّتک، اللهمّ عرّفنی حجّتک فإنّک إن لم تعرّفنی حجّتک ضللت عن دینی)(۱۶). فالذی ینجی الإنسان من الضلاله ویهدیه الصراط المستقیم هو معرفه الله والرسول والحجّه فی کلّ زمان.
ثمّ إنّ القرآن بیّن لنا حقیقه أخرى فیما یرتبط بالإنسان حیث قال: ((لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسَانَ فِی أَحْسَنِ تَقْوِیم . ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِینَ))(۱۷). فالإنسان وهو فی نشأه الدنیا یعیش فی أسفل السافلین، فعلیه بعد أن تبیّن له الهدف والطریق أن یصعد من الأسفل إلى الأعلى; ((إِلَیْهِ یَصْعَدُ الْکَلِمُ الطَّیِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ یَرْفَعُهُ))(۱۸) ولیس هذا الصعود مکانیاً بل هو معنوی، ذلک أنَّ الارتفاع والصعود إلى الأعلى تاره یکون مکانیاً کما لو صعد الإنسان على مرتفع من الأرض مثلاً، وأخرى یکون معنویاً کما فی قوله تعالى فی حق إدریس (علیه السلام): ((وَرَفَعْنَاهُ مَکَانًا عَلِیًّا))(۱۹) إذ لیس المراد هو الارتفاع المکانی، بل ارتفاع مکانته عند الله تعالى. من هنا نجد أنّ القرآن الکریم والروایات الوارده عن النبی الأکرم (صلّى الله علیه وآله) ذکرت أنّ هذا الصعود إلیه تعالى یحتاج إلى حبل. قال تعالى: ((وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِیعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا))(۲۰).وللوقوف على هذا الحبل الذی أمرنا القرآن بالاعتصام به، نرجع مرّه أخرى إلى حدیث الثقلین المتواتر بین الفریقین لنقف على حقیقه هذا الحبل، وما هو المقصود به؟
قال رسول الله (صلّى الله علیه وآله) فی خطبته المشهوره التی خطبها فی مسجد الخیف فی حجّه الوداع: (إنّی مخلّف فیکم الثقلین، الثقل الأکبر القرآن، والثقل الأصغر عترتی وأهل بیتی، هما حبل الله ممدود بینکم وبین الله عزّ وجلّ، ما إن تمسّکتم به لم تضلّوا)(۲۱).
حیث عبّر الرسول الأعظم (صلّى الله علیه وآله) عن القرآن والعتره بأنّهما حبل واحد لا حبلان، وهذا معناه أنّ التمسّک بالعتره لیس شیئاً وراء التمسّک بالقرآن الکریم، بل هما حقیقه واحده، لکن الفرق بینهما أنّ العتره هم القرآن الناطق، وأنّ القرآن هو العتره الصامته، لذا ورد عن الإمام الصادق (علیه السلام) فی ذیل قوله تعالى ((إِنَّ هَذَا الْقُرآنَ یَهْدِی لِلَّتِی هِیَ أَقْوَمُ))(۲۲) : (إنّه یهدی إلى الإمام)(۲۳).ومنه یتّضح معنى ما قاله أمیر المؤمنین علی (علیه السلام): (ذلک الکتاب الصامت وأنا الکتاب الناطق)(۲۴) فلا یعنی بذلک أنّه هو الناطق باسم القرآن، بل عنى أنّه هو القرآن المتجسّد، ولذا ورد عن الفریقین عن رسول الله (صلّى الله علیه وآله): (علی مع الحق والحق مع علی یدور معه حیثما دار)(۲۵) أی یدور الحق حیثما دار علی، لأنّه هو القرآن الناطق، أی هو التجسید الحی لکتاب الله فی واقع الناس وحیاتهم. وعلى هذا الأساس نستطیع أن نفهم ما ورد فی تفسیر العیاشی عن الإمام الصادق (علیه السلام) أنّه قال: (الصراط المستقیم أمیر المؤمنین علیه السلام) وکذلک ما ورد فی المعانی عن الإمام الصادق علیه السلام قال: (هی الطریق إلى معرفه الله، وهما صراطان، صراط فی الدنیا وصراط فی الآخره، فأمّا الصراط فی الدنیا فهو الإمام المفترض الطاعه، من عرفه فی الدنیا واقتدى بهداه مرّ على الصراط الذی هو جسر جهنّم فی الآخره ، ومن لم یعرفه فی الدنیا زلّت قدمه فی الآخره فتردى فی نار جهنّم).
وما ورد عن الإمام السجّاد (علیه السلام): (لیس بین الله وبین حجّته حجاب، ولا له دون حجّته ستر، نحن أبواب الله ونحن الصراط المستقیم ونحن عیبه علمه وتراجمه وحیه ونحن أرکان توحیده ونحن موضع سرّه)(۲۶). بعد أن تبیّن أنّ الإنسان مسافر إلى الله تعالى، وکادح کدحاً للوصول إلیه والقرب منه واللقاء به، وأنّ ذلک لا یتحقّق إلاّ من خلال إتباع القرآن والعتره الطاهره اللذین هما حبل الصعود إلیه سبحانه، أشار القرآن إلى زاد هذا السفر الإلهی، حیث قال: ((وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَیْرَ الزَّادِ التَّقْوَى))(۲۷).
قال أمیر المؤمنین (علیه السلام): (أوصیکم عباد الله بتقوى الله التی هی الزاد وبها المعاذ، زادُ مبْلِغ، ومعاذ منجح، دعا إلیها أسمع داع، ووعاها خیر واع، فأسمع واعیها، وفاز داعیها)(۲۸).
وقد أشار القرآن الکریم إلى أن خیر مطیه یمتطیها الإنسان لکی یصل إلى هدفه هو قیام اللیل. قال تعالى: ((وَمِنَ اللَیلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَهً لکَ عَسَى أَن یَبْعَثکَ رَبُّکَ مَقَامًا محْمُودًا))(۲۹)، وقال تعالى: ((قُمِ اللَیلَ إِلاَّ قَلِیلاً. نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِیلاً. أَوْ زِدْ عَلَیْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِیلاً))(۳۰). فتحصّل إلى هنا أنّ أفضل مرکوب یمتطیه الإنسان للسیر إلى الله تعالى هو قیام اللیل، وأن أفضل الزاد هو التقوى، وأن أفضل طریق هو الصراط المستقیم. وبهذا یتضح دور التقوى فی حیاه الإنسان وموضعها فی منظومه الشریعه الإسلامیه، إذ کثیراً ما یقع الحث على التقوى من دون أن یتضح للسائر إلى الله موقع ذلک وموضعه فی حیاه الإنسان.

 ــــــــ

(۱) المؤمنون: ۱۱۵٫

(۲) العلق : ۸٫

(۳) الانشقاق : ۶٫

(۴) الکهف : ۱۱۰٫

(۵) یونس : ۸٫

(۶) الملک : ۲٫

(۷) الإنسان : ۳٫

(۸) الکهف : ۲۹٫

(۹) الفاتحه : ۶٫

(۱۰) الأصول من الکافی، لثقه الإسلام أبی جعفر محمد بن یعقوب بن إسحاق الکلینی الرازی: ج۱ ص۴۳ / کتاب فضل العلم، باب من عمل بغیر علم، الحدیث: ۱٫

(۱۱) آل عمران: ۳۱٫

(۱۲) الأحزاب: ۲۱٫

(۱۳) الأنعام: ۸۴ ـ ۸۸٫

(۱۴) الحشر: ۷٫

(۱۵) النجم: ۳٫

(۱۶) مفاتیح الجنان: ص۵۸۸، الدعاء فی زمن الغیبه.

(۱۷) التین: ۴ ـ ۵٫

(۱۸) فاطر: ۱۰٫

(۱۹) مریم: ۵۷٫

(۲۰) آل عمران: ۱۰۳ .

(۲۱) بحار الأنوار: تألیف العلم العلاّمه الحجّه فخر الأمّه المولى الشیخ محمد باقر المجلسی (قدّس سرّه): ج۹۲، ص۱۰۲٫ مؤسسه الوفاء، بیروت ـ لبنان.

(۲۲) الإسراء: ۹٫

(۲۳) أصول الکافی: ج۱ ، ص۲۱۶، کتاب الحجّه، باب إنّ القرآن یهدی للإمام. الحدیث ۲٫

(۲۴) بحار الأنوار: ج۳۹ ، ص۲۷۲٫

(۲۵) بحار الأنوار : ج۳۸ ، ص۱۸۸٫

(۲۶) نقلت هذه الروایات عن المیزان فی تفسیر القرآن.

(۲۷) البقره: ۱۹۷٫

(۲۸) نهج البلاغه: الخطبه ۱۱۴٫

(۲۹) الإسراء: ۷۹٫

(۳۰) المزمّل: ۲ ـ ۴٫

Leave A Reply

Your email address will not be published.