تجلیات الاستکبار.. عندما تغیب الأمه
فمنها السبل المشروعه، ومنها غیر المشروعه أیضاً، بمعنى أن الدوله عندما تسعى لتحقیق أهدافها یمکنها ذلک من خلال الوسائل التی لا تضر بالغیر ولا بالنفس، ویمکنها عدم مراعاه ذلک، نظراً إلى أنّ اتباع الطرق المنسجمه مع الأخلاق الأساسیه والأعراف الدولیه المحقه قد یسبب التأخر فی الوصول للأهداف، بل قد ینحصر الوصول إلیها من خلال طرق ملتویه وغیر مشروعه. هذا کلّه فی الأهداف المشروعه، فکیف الحال فی غیر المشروعه بمعزل عن سبل الوصول إلیها.
فتحصیل القوه والمنعه لأیّ دوله یقتضی توفیر الأسباب، وقد تکون السبل المشروعه مکلفه کثیراً وبحاجه الى وقت طویل، أو قد تتعارض مع قضایا الآخرین مما یجبر تلک الدوله على التنازل عن بعض مطالبها على قاعده أن من یرید شیئاً فلا بدّ أن یعطی مقابله. وهذا بخلاف الأهداف غیر المشروعه التی قد لا تکلّف کثیراً، ولا تحتاج الى وقت طویل، ولا تهتم للآخرین، ولا لما یمکن أن یکون من الموانع.
من الطبیعی جداً أن یکون هناک أنحاء من التنافس بین الدول للوصول إلى غایاتها، کل بحسبها، ولکن حینما ینعدم النظیر والممانع، وتتحقق أسباب القوه عند دوله ما، فإنها تصبح خطراً على الدول الأخرى، وینسحب ذلک الخطر على شعوبها. ومع توفر الأسلحه الفتاکه والقوه الاقتصادیه فإن الدوله قد تلجأ الى إرهاب الدول الأخرى الأقل منها قوه وبأساً، فتحاصرها وتسقطها، وتفرض علیها ما ترید دون أی وازع أو رادع، وهکذا تبدأ عملیه الاستکبار الدولی.
والیوم، بعد التغیرات الدولیه التی شهدتها السنوات الماضیه، تربعت الولایات المتحده الأمیرکیه على عرش العالم لتحکمه على طریقتها، بعد مصادره المؤسسات الدولیه التی وجدت بالأساس لحمایه الدول الضعیفه والشعوب المستضعفه الفقیره، فأمست قراراتها وقوانینها مفروضه دون أی صوتٍ معارضٍ، فضلاً عن مواقف مضاده.
ولم یقف الأمر عند هذا الحد، بل صادرت الرأی العام الدولی من خلال إشاعه مناخات سیاسیه وفکریه وثقافیه مفروضه عبر وسائل الإعلام والقوانین والقرارات الدولیه، وباتت تتذرع بأبسط الأمور للقیام بأی عمل عدوانی مستهدفهً أی شعب من الشعوب.
فمن الشعارات الأساسیه التی تطرحها الیوم هو شعار الإرهاب، من خلال الحدیث بلغه مطاطه غیر واضحه ولا محدده وغیر خاضعه لمعاییر وموازین منطقیه، وللأسف فقد انطلت تلک الحیله على الرأی العام الدولی تحت ضغوط الإجرام والتجویع واستباحه کل المحرمات. وهکذا یتجلى الاستکبار بأبهى صوره، دولهً ترید فرض نفسها، مستفیدهً من ظروف دولیه ومحلیه خاصه، فتستغل وسائل القوه وتستکبر دون أن تعیر اهتماماً لأی دوله من الدول أو القیم والأعراف الإنسانیه.
وبکلمه، لقد استکبرت أمریکا وعلت علواً کبیراً، ولم تراعِ حرمهً ولا وقفت عند حد، ولم تبالِ بمصیر الشعوب، ولا احترمت مکانه الدول، ولم تأخذ بالحسبان حتى مصالح المتحالفین معها.. فهی باختصار لا ترى إلا نفسها، والکل دونها، سُخّروا للعمل فی رکابها وخدمتها، ولا یستطیع أحد أن یسألها عما تفعل بل إن السؤال ممنوع.
ولکنّ شیئاً لا یخرج عن حدّه ومساره إلاّ إذا وجد قابلیه وحیّزاً لذلک، ولیس من جفاء الحقیقه إن قلنا: إن السکوت أمام الاستکبار والخضوع له وعدم مناوئته، هو الذی دفعه للإیغال فی جرائمه وظلمه، فکلما خافت الشعوب والأمم، أدى ذلک الى استسلامها، وبالتالی تعطیل قواها وانهیارها، لینقلب خوف المستضعفین إلى قوهٍ للمتجبرین.
ومن هنا، فإن بدایه الخلاص من الاستکبار تکون أولاً بالوقوف والاعتراض والمواجهه، حتى مع اختلال ما یُعبر عنه بالموازین والمعاییر، أو ربّما یقال: العین لا تقاوم المخرز، وفی الحدیث: (أعظم جهادٍ کلمهُ حق فی وجه سلطان جائر).
نعم، للصوت والکلمه والموقف دور لا یستهان به فی مواجهه المستکبر، إذ یدفع الآخرین لأخذ النَفَس ومراجعه الحسابات، فتتجمع الجموع المقهوره لتشکل قوه قد تستطیع مواجهه المستکبر ووضع حد لاستکباره. فالخیارات محدوده وهی المقاومه، والمواجهه، وسلوک طریق الاستشهاد، هذه هی الطریقه الوحیده لتغییر المعادله الحاکمه الیوم.
فالحدیث عن الحقوق وتبیانها، وإظهارها، وتألیب الرأی العام الدولی، وانتظار تطبیق القرارات الدولیه، هذا کله مهم وأساسی، ولکن لا یعین وحده، ولا یحل الأزمه، بل یحتاج الى عناصر القوه، فاستعاده الحقوق مع وجود المستکبر لا یکون إلا باللجوء الى القوه، ومن هنا قیل: (الساکت عن الحق شیطان أخرس)، فإن السکوت عن الحق یزید فی ظلم الظالم ویسلّک الطرییق أمام المستکبر، کیف لا، وهو یعثو فی الأرض مفسداً من دون مانع ولا رقیب.
وهکذا، یمکننا قراءه اهتمام الإمام الخمینی الراحل بضروره معرفه أمیرکا والالتفات الى خطرها، والإنذار من استکبارها، والدعوه الى مواجهتها، بعد أن وسمها بالشیطان الأکبر.. فالسیف یعالج بالسیف لا بالکلمه، والقوه تردع لا القوه، ولیس الاستجداء.