فی حب الرئاسه

0

ولیعلم أن الرئاسه والجاه منها ممدوحه ومنها مذمومه، والأولى هی التی جعلها الله وأنشأها لبعض عباده: کأنبیائه وأوصیائه ومن یتولى الأمور والرئاسه من قبلهم على اختلاف شؤونهم ودرجاتهم ، وهذا القسم الذی فی مقدمه منصب الأمامه مقام محمود ، وجاه ممدوح ، خص الله به أولیاءه وحفظهم بنحو العصمه التکوینیه والتوفیقات الغیبیه الالهیه والأوامر والفرامین التشریعیه عن خطراته وزلاته.      والمعصومون یجب علیهم قبولها من ناحیه الله تعالى ، وعلیهم حفظها والدفاع عنها والقتال مع من یزاحمهم فیها أو یرید غصبها ، إذ هی کما أنها حق للمعصوم المتصدی لها والمتلبس بها فهی حق الله تعالى عهده إلیهم ، وأمانته التی أودعها عندهم ، وحق للناس فإنها مجعوله لأجلهم ولهدایتهم وإصلاح حالهم وفوزهم ، ونجاتهم فی دنیاهم وسعادتهم ونجاحهم فی أخراهم ، فالمتصدی الغاصب لها قد ظلم ربه وإمامه وعباد الله تعالى. وقال النبی یوسف (علیه السلام) : ( اجعلنی على خزائن الأرض ) (۱) وکان المقام الذی سأل فرعاً من فروع حقه وشعبه من أصوله تمکن من أخذه فطلبه.      ویجب على غیر المعصوم أیضاً فیما ولاه من المناصب الشرعیه وترتیب آثارها والعمل بوظائفها ما دامت باقیه مع رعایه عدم الوقوع فی العصیان لأجلها ، وقد بین حدودها فی الفقه ، وذلک کمنصب الإفتاء والولایه ، والحکومه على الناس ، والحکم والقضاء بینهم والمناصب الجندیه والإداریه ، وغیرها مما کانت مجعوله من ناحیه الإمام الوالی على الناس ، أو من نصبه الإمام والیاً لإداره أمور المجتمع ، فمن قصد بقبولها طاعه الإمام والشفقه على عباد الله وإحقاق حقوقهم وحفظ أموالهم وأعراضهم ودمائهم ، والأمر بالمعروف والنهی عن المنکر ، وحفظ الحدود ومرابطه الثغور ، فهو من أفضل المجاهدات والعبادات.      ومن غصبها من أهلها وتقمص بها ، أو لم یکن غرضه من قبولها من أهلها والتصدی بها إلا الجاه بنفسه والتلذذ بعنوانه ، ولم یرتب علیها ما هی مطلوبه لأجله فهو من الأخسرین أعمالاً الذین ضل … الخ. والذم والوعید بالهلاک ونحو ذلک وارده فی هذا القسم. _________۱ ـ یوسف : ۵۵٫
     والحاصل : أن الجاه کالمال فقد یرى الإنسان له أصاله ، توله حرص فی جمعه والإستلذاذ بتکثیره وتکنیزه ، وقد لا یکون الغرض إلا إمرار معاشه ، وإداره أمور مجتمعه ، وعماره البلاد ، وإصلاح العباد. وورد من النصوص فی هذا المقام ( ما فیه مزدجر حکمه بالغه وما تغنی النذر ). (۱)      ثم إنه یظهر لک من ذلک أن جمیع الرئاسات والولایات والسلطات الموجوده فی هذه الأعصار ، بل من بدء وقوع الانحراف فی المناصب الالهیه وخروجها عن أیدی أهلها ومن أهّله الله لتصدّیها فی الاجتماعات البشریه ، باطله غیر ممضاه من الشرع. وأن جل المفاسد الواقعه بین الناس ـ لولا کلها ـ من الکفر والشرک والفحشاء والمنکر وضیاع الحقوق وهتک الأعراض وتلف الأموال والنفوس مستنده إلى ذاک الانحراف وتلک الولایات الخارجه عن سلطه صاحبها. وأن الرؤساء والمتصدین للولایات والحکومات فی المجتمعات البشریه الیوم ، موقوفون غداً عند ربهم ، مسؤولون بأسوء الحساب ومعاقبون بأعظم العقاب. کیف وقد قال تعالى : ( فلنسألن الذین أرسل إلیهم ولنسألن المرسلین ) ! (۲) هؤلاء الأنبیاء فکیف بغیرهم ؟ ونعوذ بالله تعالى من شر النفس ، ونقول : ( رب أعوذ بک من همزات الشیاطین وأعوذ بک رب أن یحضرون ) (۳).     _________________1 ـ القمر : ۴ ـ ۵٫۲ ـ الأعراف : ۶٫۳ ـ المؤمنون : ۹۷ ـ ۹۸٫
 ولو أدعی أن بعض تلک المناصب مجعول من ناحیه الناس أنفسهم فلهم أن یختاروا فی أمور دنیاهم ولیاً ورئیساً وسائساً ومدبراً ، له تسلط محدود ، فلا یکون باطلاً ولا مشمولاً للذموم المستفاده من الأدله ، فهی على فرض قبول کبراها مخدوشه فی صغراها ، فراجع أحوال الممالک والأمم ، ولیس استقصاء ذلک مما یقتضیه أبحاث الکتاب. قال الله تعالى : ( تلک الدار الآخره نجعلها للذین لا یریدون علوا فی الأرض ولا فساداً والعاقبه للمتقین ). (۱)      وورد فی النصوص : أنه ما ذئبان ضاریان فی غنم قد تفرق رعاؤها بأضر فی دین المسلم من طلب الرئاسه (۲) ( ضرى الحیوان بالصید : اعتاد أکله ، والرعاء : جمع الراعی ، والرئاسه : العلو والسلطه والتفوق ).      وأنه من طلب الرئاسه هلک (۳).      وأنه : إیاکم وهؤلاء الرؤساء الذین یترأسون ، فوالله ما خفقت النعال خلف رجل إلا هلک وأهلک (۴).      وأنه : إیاک والرئاسه ، إیاک أن تطأ أعقاب الرجال أی : تنصب رجلاً دون الحجه فتصدقه فی کل ما قال (۵).      وأنه : ملعون من ترأس ، ملعون من هم بها ، ملعون کل من حدث بها نفسه (۶).      وأنه لا تطلبن الرئاسه ، ولا تکن ذنباً. ولا تأکل بنا الناس فیفقرک الله (۷).      وأن الصادق (علیه السلام) قال : أترانی لا أعرف خیارکم من شرارکم ؟ بلى والله ، وإن شرارکم من أحب أن یوطأ عقبه ، إنه لابد من کذاب أو عاجز الرأی (۸).      وأن : من أول ما عصی الله به حب الرئاسه (۹). _______________________۱ ـ القصص : ۸۳٫۲ ـ وسائل الشیعه : ج۱۱ ، ص۲۷۹ ـ بحار الأنوار : ج۷۳ ، ص۱۴۵٫۳ ـ الکافی : ج۲ ، ص۲۹۷ ـ بحار الأنوار : ج۷۳ ، ص۱۵۰٫۴ ـ الکافی : ج۲ ، ص۲۹۷ ـ وسائل الشیعه : ج۱۱ ، ص۲۷۹ وج۱۸ ، ص۹۰ ـ بحار الأنوار : ج۷۳ ، ص۱۵۰٫۵ ـ الکافی : ج۲ ، ص۲۹۸ ـ بحار الأنوار : ج۷۳ ، ص۱۵۲ ـ الوافی : ج۱ ، ص۲۶۲٫۶ ـ الکافی : ج۲ ، ص۲۹۸ ـ وسائل الشیعه : ج۱۱ ، ص۲۸۰ ـ بحار الأنوار : ج۷۳ ، ص۱۵۱٫۷ ـ الکافی : ج۲ ، ص۲۹۸ ـ بحار الأنوار : ج۷۳ ، ص۱۵۱٫۸ ـ الکافی : ج۲ ، ص۲۹۹ ـ وسائل الشیعه : ج۱۱ ، ص۲۸۰ ـ بحار الأنوار : ج۷۳ ، ص۱۵۲٫۹ ـ بحار الأنوار : ج۷۳ ، ص۱۵۳٫

Leave A Reply

Your email address will not be published.