الإسلام والتسلیم

0

وبالتأمل قلیلاً نجد أن المعنى الکامن فی ذلک الإقرار أعمق من المعنى الظاهر بکثیر لأن لذلک الکلام «الشهادتین» لوازم طویله عریضه لا أنه مجرد لقلقه لسان ومن أهم تلک اللوازم وأعظمها الالتزام بالطاعه التامه لله تبارک وتعالى ولا یمکن أن یکون ذلک إلا من خلال استعلام أوامره ونواهیه من الواسطه والسبب المتصل بین الأرض والسماء «الرسول والمعصوم» والإتیان بالأعمال بما یوافقها، وهذا یعنی أنه لا یوجد حکم شرعی فی کل حرکه أو سکنه إلّا وینبغی أن یسیر المسلم وفقه امتثالاً لأمر الله تعالى ومن دون ذلک لا یکون ملتزماً بما أقَّر به من الشهادتین.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِینَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَیْهِمُ الْمَلَائِکَهُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّهِ الَّتِی کُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾(۱).
فالاستقامه لا تکون بالقول فقط وإنما بالعمل بأحکام الله تعالى بعد الإقرار بالعبودیه ولا یمکن أن یکون ذلک إلا بالعلم بتلک الأحکام فی مرتبه سابقه عن العمل والإقرار بالرساله للرسول الأکرم«صلى الله علیه وآله»، ویکشف هذا عن أهمیه دور المعصوم إذ لولاه کیف یمکن امتثال الأوامر الإلهیه التی لا یمکن أن تستعلم إلا منه، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِکُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾
ویترتب على هذه المقدمه أمران:
الأول: لا مجال فی الشریعه الإسلامیه لحکم الإنسان برأیه فیما یخص الأحکام الشرعیه، نعم وردت الکثیر من الآیات الکریمه والروایات حاثه على التفکر والتأمل فی خلق السماوات والأرض وهذه إحدى الطرق الموصله إلى الیقین بالله تبارک وتعالى، ولکن بعد ما یصل الإنسان إلى الإقرار بوجود الله تعالى وعظمته وعلمه وحکمته وکونه خبیراً بصیراً فلا مجال للنقاش فی الأحکام العملیه والمنهاج الذی شرّعه فی سبیل أن یسیر الإنسان فی مدارج الکمال لیصل بذلک إلى القرب الإلهی.
فعن أمیر المؤمنین«علیه السلام» أنه قال: «لأنسبن الإسلام نسبه لم ینسبه أحد قبلی ولا ینسبه أحد بعدی إلاّ بمثل ذلک، إن الإسلام هو التسلیم والتسلیم هو الیقین والیقین هو التصدیق والتصدیق هو الإقرار والإقرار هو العمل والعمل هو الأداء، إن المؤمن لم یأخذ دینه عن رأیه ولکن أتاه من ربه فأخذ به».
وإذا ضممنا إلى ذلک قوله تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّکَ لاَ یُؤْمِنُونَ حَتَّىَ یُحَکِّمُوکَ فِیمَا شَجَرَ بَیْنَهُمْ ثُمَّ لاَ یَجِدُواْ فِی أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَیْتَ وَیُسَلِّمُواْ تَسْلِیماً﴾(۲).
فسیظهر بوضوح أن الإیمان الذی هو لب الإسلام وحقیقته لا یکون من دون التسلیم بشکل تام ومن دون أی اعتراض وإن کان داخلیاً فی النفس لان ذلک مخالف للیقین.
الثانی: فی کیفیه التعامل مع الأخبار الوارده عن الرسول الأکرم«صلى الله علیه وآله» وأهل بیته المعصومین«علیهم السلام»، ویعتبر هذا الأمر من مزالق أقدام الکثیر من الناس إذ بمجرد أن یطلعوا على الخبر المنسوب إلیهم «علیهم السلام» یعرضوه على عقولهم فان وافق آراءهم استحسنوه وإن خالفها کذبوه، وهنا تکمن خطوره التعامل مع النوع الثانی من الأخبار وذلک لأن الأحکام فی الشریعه الإسلامیه خاضعه لملاکات وخلفیات یشرَّع الحکم على أساسها ولیس بالضروره أن تکون مما یدرکها العقل بسهوله وحیث إن الخبر المنقول قد یکون صادقاً فیتصف حینئذٍ الإنسان بأنه ممن رد على الله تعالى وکذب أحکامه ولم یلتزم بما أقرّ به من الشهادتین وهذا یخالف التسلیم والإیمان.
روى الشیخ الکلینی فی کتابه الکافی عن أبی عبیده الحذّاء قال: سمعت أبا جعفر«علیه السلام» یقول: «والله إن أحب أصحابی إلیَّ أورعهم وأفقههم وأکتمهم لحدیثنا وإن أسوأهم عندی حالاً وأمقتهم الذی إذا سمع الحدیث ینسب إلینا ویروى عنّا اشمأزَّ منه وجحده وکفّر من دان به وهو لا یدری لعل الحدیث من عندنا خرج وإلینا أُسند فیکون بذلک خارجاً من ولایتنا».
وعن الحسن بن الجهم قال: قلت للعبد الصالح «علیه السلام»: هل یسعنا فیما ورد علینا منکم إلّا التسلیم لکم؟ فقال: «لا والله لا یسعکم إلّا التسلیم لنا».
وفی روایه ان سفیان بن السمط قال لأبی عبدالله«علیه السلام»: جعلت فداک وإن الرجل لیأتینا من قبلک فیخبرنا عنک بالعظیم من الأمر فیضیق بذلک صدورنا حتى نکذبه؟ فقال«علیه السلام»: «ألیس عنی یحدثکم؟ قلت: بلى قال «علیه السلام»: فیقول للیل أنه نهار وللنهار أنه لیل؟ قلت: لا فقال «علیه السلام»: رده إلینا فانک إن کذبت فإنما تکذبنا».
ولعل السر فی النهی عن تکذیب الأحادیث المنسوبه إلى أهل البیت«علیهم السلام» هو لکونهم الخلفاء الشرعیون للنبی الأکرم«صلى الله علیه وآله» فمن کذب حدیثاً صدر عنهم فقد کذب النبی الأکرم ومن کذبه فقد کذب الله عز وجل.
وقد أورد الشیخ الحر العاملی فی الوسائل روایه عن الإمام الباقر أو الصادق«علیهما السلام» أنه قال: «لا تکذبوا بحدیث أتاکم أحداً فإنکم لا تدرون لعله من الحق فتکذبوا الله فوق عرشه».
ونذکر فی الختام روایه طریفه تستعرض سیره بعض أصحاب الأئمه«علیهم السلام» وهی ما رواه زید الشحام أنه قال للإمام الصادق«علیه السلام»: إن عندنا رجلاً یسمى کلیباً فلا نتحدث عنکم شیئاً إلا قال أنا أُسلِّم فسمیناه کلیب التسلیم، قال زید: فترحکم علیه الإمام ثم قال «علیه السلام»: «أتدرون ما التسلیم؟ فسکتنا، فقال: هو والله الإخبات، قول الله: ﴿الَّذِینَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُواْ إِلَى رَبِّهِمْ﴾»…
والحمد لله أولاً وآخراً
ـــــــــ
[۱]ـ فصلت: ۳۰٫
[۲]ـ النساء: ۶۵٫

Leave A Reply

Your email address will not be published.