مفهوم شامل لبناء الحیاه فی سوره البقره
وما حکاه القرآن على لسان قوم موسى (ع) لقارون یلقی الضوء على هذه الفکره ویجعلها فی غایه الوضوح ذلکم قوله تعالى فی سوره القصص: (إِنَّ قَارُونَ کَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَیْهِمْ وَآتَیْنَاهُ مِنَ الْکُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَهِ أُولِی الْقُوَّهِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا یُحِبُّ الْفَرِحِینَ * وَابْتَغِ فِیمَا آتَاکَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَهَ وَلا تَنْسَ نَصِیبَکَ مِنَ الدُّنْیَا وَأَحْسِنْ کَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَیْکَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِی الأرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا یُحِبُّ الْمُفْسِدِینَ) (القصص/ ۷۶-۷۷).
هذه واحده، وأما الثانیه – وهی الأهم –: أنّ الله الذی خلق وقدّر وسخّر ما سخّر للإنسان فی هذا الکون: قد تعبَّد الخلق بطاعته فیما شرع لهم فی أمور الدنیا والآخره، من نظام یتسم بمنتهى الحکمه والدقه والإحاطه ووضع کل أمر موضعه فی علاقه الإنسان بالکون والحیاه، وفق سنن إلهیه حکیمه (سُنَّهَ اللَّهِ فِی الَّذِینَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّهِ اللَّهِ تَبْدِیلا) (الأحزاب/ ۶۲).
وذلک ما دلَّت علیه معالم الکتاب العزیز الذی أحکمت آیاته ثمّ فصلت من لدن حکیم خبیر. وبیانها من السنه النبویه المطهَّره فی أقوال الرسول (ص) وأفعاله وإقراره، ناهیک عن الواقع العملی الذی أنشأته حضاره الإسلام، والذی کان ترجمه أمینه لقیم الإسلام التی أوحى بها السمیع العلیم جلّ شأنه إلى نبیه (ص).
والمهم على سبیل القطع والیقین: أن یکون المنطلق فی حرکه البناء الشامل للفرد والجماعه: تحقیق العبودیه لله عزّ وجلّ الذی بیده ملکوت السماوات والأرض، والذی خلق وقدَّر وسخَّر، وأن تکون تلک الحرکه على النهج الذی یحقق عماره الأرض لخیر الإنسان، والتمکین فیها للمؤمنین الذین یحملون رساله الحق والخیر، ویتیح الفرصه للإنسان فی تحقیق وجوده الذاتی حرِّیه وکرامه وقدره على وضع الطاقات فی قنواتها المناسبه، وأن یکون على الجاده التی تضمن له السعاده فی الدین والدنیا ویوم یقوم الناس لرب العالمین.
والتنویه بهذه الحقائق نقع علیه فی کثیر من آی الفرقان الحکیم؛ من ذلک على سبیل المثال – لا الحصر – ما نقرأ فی سوره البقره – بدءاً من الآیه الثانیه والعشرین – من قول الله تبارک وتعالى: (یَا أَیُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّکُمُ الَّذِی خَلَقَکُمْ وَالَّذِینَ مِنْ قَبْلِکُمْ لَعَلَّکُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِی جَعَلَ لَکُمُ الأرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَکُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقره/ ۲۱-۲۲).
إنّ العباده الحقه عملاً بقوله تعالى: (اعْبُدُوا رَبَّکُمُ) إنّما تکون بطاعه الله تعالى فی أمره ونهیه، والوقوف عند حدوده فیما تعبَّد العباد وشرع لهم!
ففی الآیه الأولى هنا: نداء منه سبحانه للناس وأمر لهم أن یعبدوا ربهم الذی یتولاهم – وهو العلیم بما یصلحهم – بعونه ورعایته، وهو – جل شأنه – الجدیر بالعباده والإذعان لأمره؛ لأنّه خالق البشر السابقین واللاحقین؛ لعلهم یظفرون بأن یکونوا من المتقین، أولئک الذین یتقون الله بوضع وقایه – من الطاعه والبعد عن المعصیه والمخالفه بحسن نیه وإخلاص – تقیهم غضب الله وعقابه وتقربهم إلیه (وَالَّذِینَ مِنْ قَبْلِکُمْ لَعَلَّکُمْ تَتَّقُونَ).
فعبادته – وهو الذی یعلم ما یسرُّ عبادُه وما یعلنون – بتحقیق الطاعه المطلقه فیما تعبَّد عباده: هی الطریق لمرضاته واتقاء سخطه وعقله (لَعَلَّکُمْ تَتَّقُونَ).
والذی یدل على الشمول الذی سبق الإلماح إلیه، وأنّ الله قد تعبّد خلقه بما شرع لهم من منهج حکیم ینظم شؤون الدنیا والآخره: قوله تعالى فی الآیه التی تلت: (الَّذِی جَعَلَ لَکُمُ الأرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَکُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ).
وإذاً فالسعی والکدح، والأخذ بالأسباب لعماره الأرض، والإفاده مما سخَّر الله للإنسان فی هذا الکون العریض، کل أولئک من الأمور المقرره فی منهج البناء الذی دعا إلیه القرآن الکریم؛ ألم تر إلى هذه الآیه الکریمه کیف تذکر بنماذج من النعم التی هی مقومات أساسیه لحرکه الحیاه، وإقامه البنیه الذاتیه المحکمه للمجتمع فی اقتصاده واجتماعه وقدرته على العطاء؛ ولکن لابدّ أن یکون المنطلق – تصوراً وتطبیقاً – طاعه الله تعالى فیما تعبَّد به خلقه.
فالذی جعل الأرض فراشاً والسماء بناءً وأنزل من السماء ماءً فأخرج به من الثمرات رزقاً لعباده – على سعه الدلالات التی تحملها هذه الکلمات الجوامع من منظور العلم – والذی استودعهم مفاتیح الإفاده من الخلق والتسخیر الشامل: هو الجدیر بأن یفرد بالعبودیه، وأن یطاع فیما شرع من أحکام تنظم شؤون الدنیا، وتهیىء السبل لعماره الأرض على الوجه الذی یضمن الحفاظ على إنسانیه الإنسان وحرِّیته وکرامته، مع تیسیر الانتفاع بالوسائل العلمیه والعملیه مما أودع الله فی الأرض من خیرات وثرواتُ الله (فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ).
أجل لا یصح بحال من الأحوال أن تجعلوا له أنداداً فی العقیده، ولا أن تجعلوا له أنداداً فی الشریعه والأحکام.
والنتیجه الحتمیه لهذه المقوله فی الهدی الربانی – وهی مقوله سداها الحق، ولحمتها الحق – أن تتحرک خلایا البناء من هنا وهناک، أخذاً بالأسباب العلمیه والعملیه على قاعده من الإیمان الذی لا تشوبه شائبه، واستنفاداً للطاقات البشریه والطاقات، وأن تبذل العنایه، وتهیأ السبل الکفیله بتنمیه الحوافز التی تدفع إلى العمل تحقیقاً لطاعه الله تعالى فیما تعبَّد عباده.
وبذلک تأخذ عملیه البناء عمومها وشمولها فی ظل الروح والریحان اللذین تشیعهما العبودیه الخالصه لله عزّ وجلّ.
ومن ألوان هذا العموم: السیر مع أحقیه الخطاب التکلیفی فی الشریعه الذی یشمل بشکل واضح المرأه والرجل جمیعاً، والله لا یضیع عمل عامل من ذکر أو أنثى بعضهم من بعض، وهو ولیُّ العاملین المخلصین.