الموروث الفکری
إن الحضاره الفرعونیه على سبیل المثال أخذت الدور الإعجازی فی هندسه البناء والتشیید والإتقان کمظهر متمیز بها دون غیرها.
و الحضاره الیونانیه أخذت الدور نفسه فی الفکر الفلسفی والمنطقی ولا نجانب الصواب إذا قلنا أن تلک الحضاره هی أول من وضع أسس علم المنطق والفلسفه آنذاک.
أمَّا الحضاره العربیه فلم تحض بنصیب تلک الحضارات من القبول لدى شعوبها، فهی حضاره أمه انکفأت على الموروث والتراث الفکری، فلم تتعدى حدود الحراک العقلی، لا لأنها أسلمت موروثها وتراثها بل لأنها استنسخت حیاه شعوبها على شکل واحد وموروث موحد.
إن الفکر الراکد أشبه ما یکون بالمستنقع الراکد، لا یتحرک إلَّا ما حرَّکته الریح، فهو – أی المستنقع – غالباً ما یکون وکراً للأمراض والأوبئه.
أمَّا الفکر الحر فهو أشبه ما یکون بالبحر المتلاطم الأمواج الذی تحمل أمواجه صور طاقته ودینامیکیَّته، فهو یمثل مصدراً مهماً من مصادر الطاقه لتزوید المجتمع بالآراء المستحدثه والأفکار النیِّره.
إن السیر على تراث قدیم أکل الدهر علیه وشرب إنما هو صوره من صور الظلم لعقلیه الجیل الواعد الذی یتطلع إلى مستقبل زاهر.
إن السیر على تراث الآباء والأجداد إن هو إلَّا إجحاف لدور العقل والزج به فی أحضان القرون الوسطى.
فی نهایه القرن التاسع لم تکن الثوره الفرنسیه لتقطع مسافـــه التحرر من دور الکنیسه حتى أعطت من تضحیاتها الشیء الکثیر.
و إنَّ علماء ذلک العصر نادوا بالتحرر من ذلک الدور الکنسی المهیمن على ذلک المجتمع لتحریر فکرَه من الاستعباد والهیمنه.
اننا لنرى الصور الکثیره من هذه الحاله تتکرر فی حیاتنا الاجتماعیه بل وحتى فی الحاله العبادیه، حیث انه لوحظ تکرار الصور المتشابه لخط هذا او ذاک، غیر قابل للتغیر او التجدید او حتى الاضافه.
ان الاعتراف بالعقلیه الحره تعطی لها مساحه کبیره للانطلاق فی سماء الابداع والتطور، لما تملکه من امکانیات وقدرات وهبها الله ایها، تمایزت به عن المخلوقات الاخرى، والعکس صحیح فهی «تلک الامکانیات والقدرات» قد توأد فی مهدها اذا کبتت وضیق علیها.
لقد لقی بعض رجال الدین الکثیر من الصعوبات والتحدیات، لما حملوه من افکار وروئ خرجت خارج الموروث الفکری، بل وقد اصطدمت مع الآراء والتراث القدیم، کما فی الشیخ مغنیه وشریعتی
ان من الخطأ الفادح ان نخلط بین الخروج من المألوف وبین تجاوز حدود النص، حیث اننا لا نرى أی تعارض بین الجمع بین الاثنین
لم تکن هناک احقیه فی الحریه المکفوله لدى جمیع الادیان کما کفلته الشریعه السمحاء لنا
و إننا لنحن أحق بکسر قیود الفکر الجامد والتحرر من الموروث الفکری بل والحجر علیه أیضاً.
لکی یأخذ التجدید صور الحراک الفکری الحدیث النیِّر، ولکی لا تستنسخ حاله الجمود والرکود عند الجیل القادم.