الإقتداء بسیره العظماء
إن طبع الإنسان إذا قرأ سیره عظیم من العظماء ورأى المواقف المخلصه التی لم تخالطها شائبه من شوائب الدنیا ورأى التقوى فی عبادته ومعاملته ورأى الخلق الحسن وطیب المعشر مع أبناء مجتمعه یمل بطبعه إلى الإقتداء والأخذ بهذه السیره المبارکه المعطاءه. وکم سجل لنا التاریخ من صور مشرقه تخشع لها القلوب وتخضع لها النفوس ولیس أدل على ذلک من سیره المعصومین صلى علیهم أجمعین.
والسؤال الذی یطرح نفسه کیف یحصل الإنسان على سیره صحیحه وتاریخ مشرق والقضایا مشوشه خصوصا مایتعلق بتاریخنا الإمامی نتیجه لما أولته الظروف من منع کتابه التاریخ الإمامی والحادثه فی نفس الوقت یختلف فی نقلها وتصل إلى حد التعارض والتناقض؟ إلا أن علماءنا وضعوا لنا قواعد منطقیه سلیمه یجب الرکون إلیها وهو أمر علمی لابد من الأخذ به ولولا هذه القواعد لما استدللنا على شیء من عقائدنا وتعبدنا بتشریعنا الإسلامی فی عباداتنا ومعاملاتنا وسائر شؤوننا، من ضمن هذه القواعد الخبر المتواتر والذی هو حجه ینتج العلم ومقطوع ویجب الأخذ به فی مجال الإعتقاد والتشریع، وبعده مرتبه والذی لاینتج علما الخبر الذی یورث الإطمئنان ویسمى المستفیض وکذلک الخبر الذی لاینتج علما ولکن دل علیه دلیل علمی فی الأخذ به وهو الخبر الواحد العادل أو المسلم الثقه وهذا الخبران أعنی الآحاد والمستفیض یکونان حجتین لإثبات الفروع دون الأصول کما هو مقرر فی محله وإن شئت قسم إلى خبر متواتر وخبر واحد. إذن فمادامت لنا قواعد یمکن تحصیل سیره أئمتنا الصافیه من خلال التاریخ سهل علینا الأمر وخاصه أن علماء آل محمد قدس الله أسرارهم وحفظ الله الباقین منهم خففوا عنا عناءا طویلا وأتوا لنا بشیء جاهز وخلاصه صافیه توصلنا إلى أهل البیت من أقرب طریق وأهدى سبیل.
ومن ضمن الأشیاء الجاهزه التی جاء بها علماؤنا فی مجال التاریخ والسیره والمعاجز والملاحم وإثبات المذهب الإمامی کتب الوفیات التی هی بأقلام علمائنا الأقویاء فی عقائدهم والذین یحرصون فی تثبیت عقائد أهل مذهبهم. ولکن ترکنا قراءه واستماع مثل هذه السیر فی أیام الوفیات فترى أشخاصا قلیله جدا ممن یستمعون، مع أن هذه الکتب تحمل ثروه کبیره أکثر مما یأتی به الخطیب وربما یقول قائل أن أسلوب قراءه السیر ممل ولکن هذا لیس مبررا إذ لو وجد جمهور کثیر لم یضجر المستمع مع أن القراءه غیر مقتصره على هذا الإسلوب. والجدیر بالذکر أن السیره المسجله فی کتب الوفیات لا أقول أن نستنبط فی کل موقف منها حکما شرعیا فإن أمر ذلک للفقیه فیکون ملزما لنا فإن الأسوه فی مواطن یجب الإقتداء بها لا کل المواطن فربما تکون خصوصیه من خصوصیات النبی أو الإمام ۰ أو واقعه مخصوصه لا تصلح أن تکون قاعده کلیه ولکن هناک مواقف کثیره نفس المراجع یوصون بالإقتداء بها.
ونحن على مقربه من أیام المحرم فی صدد ذکرى فاجعه کربلاء والمجزره الدمویه التی راح ضحیتها أشرف خلق الله فی ذلک الزمان، ذکرى سید الشهداء وسید شباب أهل الجنه، حسین الفضیله والعظمه، حسین العمل والتقوى. علینا أن نقتبس من سیرته الملیئه بالدروس والمزوده بالمواقف الجریئه، المفعمه بالنور والإستقامه، لندرس سیره هذا العظیم دراسه موضوعیه لنجمع من خلال سیرته بین المواقف والمواطن سیره الإمام الحسین سیره متزنه حکیمه لم یغلب ولم یطغ عنده جانب بسبب میل النفس وهواها وکیف یکون عنده هذا المیل وهو المعصوم فهو شجاع وجریء من حیث أن حذر وکریم من حیث أنه ینفق بمعروف , فکرم الإمام الحسین کرم واقعی لیس مثل تباهی وترف وبذل الطواغیت وممن یحابونهم من أصحاب رؤوس الأموال لیکرمونهم لأجل المحاباه ولیس لأجل مصلحه نوعیه عامه بل لأجل الشهره ولیجعلوا لهم عند الطواغیت مقاما، ومقاما عند ضعاف النفوس الخسیسه ومن یقدر هذه المظاهر الدنیئه وفی الواقع أن الذی یکرم مثل هؤلاء هو عنده نقص یرید أن یکمله والإمام الحسین ثائر وفی نفس الوقت متق ولو لم یخف على ذهاب الإسلام من یزید لما عرض نفسه الکبیره هو وأهل بیته إلى القتل ولم یعرض عائلته إلى السبی ولکن الإمام یدرک تماما أن بقاء الإسلام متوقف على بذل مهجته ومهج أصحابه وأهل بیته وسبی نسائه وإلا وجود الإمام لطف، سفک دم الإمام المعصوم لیس بالشیء الهین، أخبر الصادق أنه قد ثبت الهلال عند المنصور فماذا تقول: وهو بعد لم یثبت عنده فقال: أأفطر یوما فأقضیه أهون من أن تضرب عنقی.
إن مثل هذه القضایا من الأئمه تعلمنا أن نختار المواقف الصحیحه نکون جریئین فی الوقت الذی یتطلب فیه الجرأه ونتقی فی الوقت الذی یتطلب فیه موقف التقیه، لا أضحی بنفسی على شیء تکون نتیجته فاشله ولا أتصرف تصرفا تکون نتیجته تحمیل المجتمع الأضرار الکثیره والإضعاف فی مختلف الأصعده لهذا الجسد الذی یجب أن یشد ساعده ویقوى عضده ولا أکون خائرا تارکا الدفاع عن النفس والمجتمع بسبب الجبن المفرط والحذر الزائد، إن خیر الأمور أواسطها.
فلا بد من الجمع بین المواقف حتى یتصرف بالشیء الراجح عقلا وشرعا ومایقتضیه الفهم الحیاتی، ولیس أفهم فی معرفه نظام الحیاه من أهل البیت وعلماء آل محمد وخریجهم الأفذاذ، لنتطلع إلى سیره الإمام الحسین، لندرس أسباب ودوافع نهضته وثورته، لنرى العمق لتصرف المعصوم الصائب وکیفیه التوقیت الصحیح لإندلاع هذه النهضه لیسجل بها أعلى مراتب الکرامه والشجاعه والفذاء، لنرى کیف عاصر الإنحراف بعد فقد حامل الرساله الکبرى وکیف واجه الظلم الذی ألم بأبیه وأمه وسلب الحقوق الإجتماعیه والدینیه والمالیه والسیاسیه وکیف واجه المخالفات لنصوص الکتاب والناطق بالکتاب، وکیف واجه التفریق بین المسلمین فی العطاء فی عهد الخلافه وهو خروج عن العداله الإجتماعیه وکیف واجه مخالفه الأمور التوقیفیه التی لایجوز مخالفتها مثل العبادات، وکیف واجه الإنحراف الفاضح والمیل الکامل لأهل الطبقیه والأرستقراطیه فی أمور المال وخزانه الدوله، وکیف واجه الفساد الإداری فی مجموع المملکه الإسلامیه، وکیف واجه الملکیه فی عهد بنی أمیه إلى أن جاء الدور الجائر والمتجاهر بالفساد والخلاعه والمجون لصبی یافع همه الإغراق فی المحرمات وشرب الخمور واللعب بالقرده والکلاب ألا وهو یزید بن معاویه بل أنه نطق بکلمات الکفر بالدین وإنکار ضروریاته وقد تسلط على مقدرات المسلمین ویرید أن یخضع له ویوالیه ویبایعه أصحاب مواریث الأنبیاء والرسل وحمله الرساله العظمى وهو أبو عبد الله الإمام الحسین ومعنى ذلک أن أمر الإسلام سیزول، فکان لزاما على راعی الإسلام وإمام المسلمین بالحق حسب هذه العوامل التی ذکرتها جاء الوقت المناسب الذی یجب فیه أن یضحی بنفسه المعصومه ویضحی بمهجته إبتغاء رضوان الله ومحبته ولإنه حبیب الله. فلا بد أن نتعرف على هذا الجانب لإنه مهم یکتشف الباحث لهذه السیره أن هذا الرجل لیس رجلا عشوائیا همه الشهره والتسلط والکرسی.
والأمر الآخر ندرس الحسین لیس فقط فی إنطلاقاته الثوریه. لابد أن ندرس الحسین من الناحیه الأخلاقیه العملیه والروحیه فإن له مواقف وکلمات وأدعیه صادره ودروس عمیقه، والجدیر بالذکر أننی أعطیت رجلا من أهل المذاهب الإسلامیه دعاء الإمام الحسین یوم عرفه لیقرأ منه ویستلهم وقرأه الرجل وأبدى عجبه من تلک المضامین العالیه إلا أنه قال غیر مأثور عن رسول الله قلت له لا إله الا الله هذا الحسین کلامه کلام رسول الله فإنه مهما بلغ رواه الحدیث من الصحابه لم یکن فی درجه التقوى والصدق والعداله والضبط والحفظ مثل سبط رسول الله وسید شباب أهل الجنه لکنه الحرمان الذی حرمه المسلمون بسبب إعراضهم عن أهل بیت الوحی.
وفی الختام نسأل الله سبحانه وتعالى أن یثبتنا على درب الحسین وأن یرزقنا زیاره الحسین وشفاعه الحسین إنه سمیع مجیب.