أهل السنه لا یعرفون السنه النبویه
وکما قدمنا فی ما سبق بأن المتسمین « بأهل السنه والجماعه » هم القائلون بخلافه الخلفاء الراشدین الأربعه: أبو بکر وعمر وعثمان وعلی . هذا ما یعرفه الناس الیوم .
ولکن الحقیقه المؤلمه هی أن علی بن أبی طالب لم یکن معدوداً عند «أهل السنه» من الخلفاء الراشدین ، لا ولم یعترفوا حتى بشرعیه خلافته .
وإنما ألحق علی بالخلفاء الثلاثه فی زمن متأخر جداً ، وذلک فی سنه ثلاثین ومائتین للهجره فی زمن أحمد بن حنبل .
أما الصحابه من غیر الشیعه والخلفاء والملوک والأمراء الذین حکموا المسلمین من عهد أبی بکر وحتى عهد الخلیفه العباسی محمد بن الرشید المعتصم ، لم یکونوا یعترفون بخلافه علی بن أبی طالب أبداً ، بل منهم من کان یلعنه ولا یعتبره حتى من المسلمین وإلا کیف یجوز لهم سبه ولعنه على المنابر؟ وقد عرفنا سیاسه أبی بکر وعمر فی إقصائه وعزله کما قدمنا ، ثم جاء عثمان بعدهما فأمعن فی احتقاره أکثر من صاحبیه والتقلیل من شأنه حتى هدده مره بالنفی کما نفى أبا ذر الغفاری . ولما ولی معاویه أمعن فی سبه ولعنه وحمل الناس على ذلک فدأب حکام بنی أمیه على ذلک فی کل مدینه وقریه ودام ذلک ثمانین عاماً (۱) .
بل وتواصل ذلک اللعن والطعن والبراءه منه ومن شیعته أکثر من ذلک بکثیر ، فهذا المتوکل الخلیفه العباسی یصل به الحقد إلى نبش قبر علی وقبر الحسین بن علی وذلک سنه أربعین ومائتین للهجره .
وهذا الولید بن عبد الملک أمیر المؤمنین فی عهده ، یخطب الناس یوم الجمعه فیقول لهم من فوق المنبر : « إن الحدیث الذی روی عن رسول الله أنت منی بمنزله هارون من موسى صحیح ولکنه محرف لأن رسول الله قال له : أنت منی بمنزله قارون من موسى » فاشتبه على السامع (۲۹ .
ولما کان عهد المعتصم الذی کثر فیه الزنادقه والملحدون والمتکلمون وولى عهد الخلافه الراشده واشتغل الناس بمشاکل هامشیه وکانت محنه أحمد بن حنبل فی قوله بقدم القرآن وأصبح الناس یدینون بدین ملوکهم وبأن القرآن مخلوق .
ولما تراجع أحمد بن حنبل عن قوله الأول خوفاً من المعتصم وخرج من محنته واشتهر بعد ذلک ولمع نجمه فی عهد المتوکل بین أهل الحدیث (۳) عند ذلک ألحق علی بن أبی طالب بالخلفاء الثلاثه .
ولعل أحمد بن حنبل بهرته الأحادیث الصحیحه الوارده فی فضائل علی والتی ظهرت رغم أنف الحکام ، فهو القائل : « لم یرد فی أحد من الناس من الفضائل بالأحادیث الحسان مثل ما ورد فی علی بن أبی طالب » .
____________
(1) کلهم باستثناء عمر بن عبد العزیز ( رحمه الله ) .
(2) تاریخ بغداد ج ۸ ص ۲۶۶ .
(3) أهل الحدیث هم أنفسهم أهل السنه والجماعه .
عند ذلک ربع بخلافته واعتبرها صحیحه بعد ما کانت عندهم منکوره . الدلیل على ذلک :
جاء فی طبقات الحنابله ـ وهو الکتاب الصحیح والمشهور عندهم ـ : عن ابن أبی یعلى بالإسناد عن ودیزه الحمصی قال : دخلت على أحمد بن حنبل حین أظهر التربیع بعلی (رضی الله عنه) (۱) فقلت له : یا أبا عبد الله إن هذا الطعن على طلحه و الزبیر فقال : بئسما قلت ، وما نحن وحرب الجمل وذکرها ؟ أصلحک الله إنما ذکرناها حین ربعت بعلی وأوجبت له الخلافه وما یجب للأئمه قبله !
فقال لی : وما یمنعنی من ذلک ؟ ! قلت : حدیث ابن عمر فقال لی : عمر خیر من ابنه فقد رضی علیاً للخلافه على المسلمین وأدخله فی الشورى ، وعلی قد سمى نفسه أمیر المؤمنین ، فأقول أنا لیس للمؤمنین بأمیر ؟ ! قال : فانصرفت عنه (۲) .
ومن هذه القصه یتبین لنا بأن « أهل السنه » لم یقبلوا بخلافه علی ویقولوا بصحتها إلا بعد أحمد بن حنبل بکثیر کما لا یخفى .
ویظهر جلیا من هذا المحدث أنه زعیم « أهل السنه والجماعه » ومتکلمهم ، لأنهم یرفضون خلافه علی محتجین على ذلک بحدیث عبد الله بن عمر ـ ففیه أهل السنه ـ والذی أخرجه البخاری فی صحیحه وبما أنهم یقولون بأن البخاری هو أصح الکتب بعد کتاب الله ، فکان لزاماً علیهم رفض خلافه علی وعدم الاعتراف بها .
وقد ذکرنا هذا الحدیث فی کتاب « فاسألوا أهل الذکر » ولا بأس بإعادته لتعمیم الفائده ، فإن فی الإعاده إفاده . أخرج البخاری فی صحیحه عن عبد الله ابن عمر ، قال : « کنا نخیر بین الناس فی زمن النبی (صلى الله علیه وآله) فنخیر أبا بکر ، ثم عمر بن الخطاب ، ثم عثمان بن عفان ( رضی الله عنهم ) (۳) .
کما أخرج البخاری فی صحیحه حدیثا آخر لابن عمر أکثر صراحه من الأول إذ قال عبد الله بن عمر :
____________
(۱) أنظر إلى هذا الحدیث رغم أنه لا یسب علیا ولا یلعنه بل یقول : ( رضی الله عنه ) ولکنه لا یقبل بأ، یکون علی معدوداً من الخلفاء وینکر ذلک على أحمد بن حنبل ، وقوله : إنما ذکرناها یدل على أنه یتکلم باسم الجماعه وهم أهل السنه الذین بعثوه إلى أحمد بن حنبل منکرین علیه .
(۲) کتاب طبقات الحنابله ج ۱ ص ۲۹۲ .
(۳) صحیح البخاری ج ۴ ص ۱۹۱ کتاب بدء الخلق ، باب فضل أبی بکر بعد النبی .
« کنا فی زمن النبی (صلى الله علیه وآله) لا نعدل بأبی بکر أحداً ، ثم عمر ، ثم عثمان ، ثم نترک أصحاب النبی (صلى الله علیه وآله) لا نفاضل بینهم » (1) .
ومن أجل هذا الحدیث الذی لیس لرسول الله فیه رأی ولا عمل ، إنما هو من خیال عبد الله بن عمر وآرائه الفاسده وحقده وبغضه المعروف لعلی ، بنى « أهل السنه والجماعه » مذهبهم على عدم الاعتراف بخلافه علی .
وبأمثال هذه الأحادیث استباح بنو أمیه سب علی ولعنه وشتمه وانتقاصه ، ودأب الحکام من عهد معاویه إلى أیام مروان بن محمد بن مروان سنه ۱۳۲ للهجره یلعنون علیاً على المنابر ویقتلون من تشیع له أو من أنکر علیهم ذلک» (2) .
____________
(۱) صحیح البخاری ج ۴ ص ۲۰۳ باب مناقب عثمان بن عفان من کتاب بدء الخلق .
(۲) باستثناء سنتین تولى خلالهما عمر بن عبد العزیز فأبطل اللعن ، ولکن بعد قتله عادوا إلى اللعن وإلى أکثر من اللعن حتى نبشوا قبره وحرموا أن یتسمى أحد باسمه .
ثم قامت دوله العباسیین من عهد العباس السفاح سنه ۱۳۲ للهجره وإلى عهد المتوکل سنه ۲۴۷ للهجره ، تواصلت خلالها البراءه من علی ومن تشیع له بأسالیب مختلفه ومتعدده حسب الظروف والملابسات لأن دوله العباسیین قامت على أنقاض أهل البیت والمتشیعین لهم ، فکان الحکام لا یجهرون بلعن علی عندما تقتضی مصلحه الدوله ولکنهم یعملون فی الخفاء أکثر من عمل الأمویین وقد استفادوا من التجربه التاریخیه التی أبرزت مظلومیه أهل البیت وشیعتهم وعطف الناس علیهم ، فعمل الحکام بدهاء لکسب الموقف لصالحهم وتقربوا إلى أئمه أهل البیت لا حباً فیهم ولا اعترافاً بحقهم وإنما لاحتواء الثورات الشعبیه التی تقوم فی أطراف الدوله وتهدد کیانها ، ذلک ما فعله المأمون بن هارون الرشید مع الإمام علی بن موسى الرضا ، أما إذا سطرت الدوله وقضت على الثورات الداخلیه فإنها تمعن فی إهانه الأئمه وشیعتهم کما فعل المتوکل الخلیفه العباسی الذی اشتهر ببغض علی وشتمه حتى نبش قبره وقبر الحسین .
ولکل ذلک قلنا بأن « أهل السنه والجماعه » لم یقبلوا بخلافه علی إلا بعد زمن أحمد بن حنبل بکثیر.
صحیح أن أحمد بن حنبل هو أول من قال بها ، ولکنه لم یقنع بها أهل الحدیث کما قدمنا ، لاقتدائهم بعبد الله بن عمر .
فلابد لذلک من وقت طویل حتى یقتنع الناس ویقبلوا الفکره التی ظهر بها أحمد بن حنبل ، والتی قد یظهر الحنابله بمظهر المنصفین والمتقربین لأهل البیت فتمیزهم عن المذاهب السنیه الأخرى من المالکیه والحنفیه والشافعیه والذین کانوا یتنافسون لکسب المؤیدین . فلابد إذا من قبول الفکره وتبنیها .
وبمرور الزمن قال « أهل السنه والجماعه » کلهم بمقوله أحمد بن حنبل وقبلوا بتربیع الخلافه بعلی وأوجبوا له ما أوجبوه للخلفاء الثلاثه من الاحترام والترضی .
ألیس هذا أکبر دلیل على أن « أهل السنه والجماعه » کانوا من النواصب الذین یبغضون علیاً ویعملون على انتقاصه وإسقاطه » .
ولقائل أن یقول : کیف یصح ذلک ونحن نرى الیوم « أهل السنه والجماعه» یحبون الإمام علیاً ویترضون عنه ؟
فنقول نعم ، لما قدم العهد ومات الأئمه من أهل البیت ولم یعد هناک ما یخیف الحکام ویهدد ملکهم ، وتلاشت هیبه الخلافه الإسلامیه واستولى علیها الممالیک والمغول والتتار ، وضعف الدین وأصبح أکثر المسلمین یشغلهم الفن والطرب واللهو والمجون والخمر والجواری ، وخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاه واتبعوا الشهوات ، وأصبح المعروف عندهم منکراً والمنکر عندهم معروفاً وعم الفساد البر والبحر ، عند ذلک بکى المسلمون على أسلافهم وتغنوا بأمجادهم وتذاکروا أیامهم فسموها بالعصور الذهبیه وبما أن أفضل العصور عندهم هو عصر الصحابه فهم الذین فتحوا الأمصار ووسعوا المملکه الإسلامیه شرقا وغربا ودان لهم الأکاسره والقیاصره فترضوا على الصحابه جمیعاً بما فیهم علی بن أبی طالب ، وإذا کان « أهل السنه والجماعه » یقولون بعدالتهم جمیعاً فلا یمکنهم عند ذلک أن یخرجوا علیاً من بین الصحابه .
ولو قالوا بإخراجه لافتضحوا وکشف أمرهم عند کل عاقل وباحث ، فموهوا على العامه بأنه رابع الخلفاء الراشدین وهو باب مدینه العلم رضی الله عنه وکرم الله وجهه .
ونحن نقول لهم : فلماذا لا تقلدوه فی أمور دینکم ودنیاکم إن کان اعتقادکم فیه صحیحاً بأنه باب مدینه العلم ؟
لماذا ترکتم الباب عمداً وقلدتم أبا حنیفه ومالکاً ، والشافعی وابن حنبل وابن تیمیه ، الذین لا یدانوه فی علم ولا عمل ولا فضل ولا شرف ، فأین الثرى من الثریا وأین السیف من المنجل وأین معاویه من علی لو کنتم تعقلون؟
هذا بقطع النظر عن کل النصوص الوارده عن رسول الله (صلى الله علیه وآله) والتی توجب على کل المسلمین اتباع الإمام علی من بعده والاقتداء به ، ولقائل من « أهل السنه » أن یقول : إن فضل علی وسابقته وجهاده فی سبیل الإسلام وعلمه الغزیر وشرفه العظیم وزهده الکبیر یعرفه الناس جمیعاً ، بل إن أهل السنه یعرفون علیاً ویحبونه أکثر من الشیعه ( هذا ما یردده الکثیر منهم الیوم ) .
فنقول هؤلاء : أین کنتم (۱) وأین کان أسلافکم وعلماؤکم عندما کان علی یلعن على المنابر مئات السنین ؟ فلم نسمع ولم یحدثنا التاریخ أن أحداً منهم أنکر ذلک أو منع من ذلک أو قتل من أجل ولائه وحبه لعلی ، فلا ولن نجد من علماء أهل السنه من فعل ذلک بل کانوا مقربین للسلاطین والأمراء والولاه لما اعطوهم من البیعه والرضا وأفتوا لهم بقتل الرافضه الذین یوالون علیاً وذریته ، وهؤلاء موجودون حتى فی عصرنا الحاضر .
____________
(۱) لقد تعمدت القول : أین کنتم ، وأقصد بها المعاصرین من « أهل السنه والجماعه » الیوم ، فإنهم یقرأون فی صحیح مسلم بأن معاویه کان یسب علیاً ویأمر الصحابه بذلک ، فلا ینکرون ، بل إلیهم یترضون على سیدهم معاویه کاتب الوحی عندهم ، فدل ذلک على أن حبهم لعلی حب مزیف حال عن کل اعتبار .
لقد دأب النصارى على معاداه الیهود غیر القرون واعتبروهم مجرمین وحملوهم مسؤولیه قتل السید المسیح عیسى بن مریم ، ولکن لما ضعف أمر النصارى وتلاشت أمور العقیده عندهم واعتنق أکثرهم مذهب الإلحاد وأصبحت الکنیسه فی سله المهملات للموقف المعادی الذی وقفته ضد العلم والعلماء ، وفی المقابل قوی أمر الیهود واستفحل واستشرى حتى احتلوا الأراضی العربیه والإسلامیه بالقوه ، وامتد نفوذهم فی الشرق والغرب وأقاموا دوله إسرائیل ، عند ذلک اجتمع البابا یوحنا بولس الثانی مع أحبار الیهود وبرأهم من جریمه قتل المسیح .
« فالناس ناس والزمان زمان » .