ضروره التأویل و أهمّیته

0

حیث ذکر أنّ ما قصد من التأویل فیهما لیس إلاّ ما شاع استخدامه عند محقّقی الصوفیه والعارفین من أهل الله، فیکون هذا البیان شاهداً قویّاً وسنداً متیناً على ضروره أن یتمّ التعاطی مع النصّ القرآنی من خلال الغوص فی دلالاته الباطنیه وأبعاده، لا على ما یتمّ التأدّی إلیه بواسطه اللّفظ والسیاق والتواضع اللغوی. قال فی مقام تحدید مدلول هاتین الآیتین: (وهذان القولان من أعظم الدلالات الأدلّه على وجوب التأویل، فإنّ القول الأوّل یشهد بأنّ التأویل واجب، لکن یشیر إلى أنّ التأویل على قسمین:
الأوّل: تأویل للفتنه والفساد فی الدِّین والاعتقاد، وهو تأویل أهل الزیغ والضلال الذین یأخذون المتشابهات دون المحکمات، ویؤوّلون على آرائهم واعتقادهم.
الثانی: تأویل للخیر والصواب والهدایه والإرشاد، وهو تأویل أهل العلم وأرباب الکمال من العلماء الراسخین فی العلوم الإلهیه الذین یأخذون المحکم أصلاً والمتشابه فرعاً، ویوفّقون بینهما ویؤوّلونهما على الوجه الذی ینبغی، وعلى القاعده التی أمرهم الله تعالى بها کما قال: (وَ ما یَعْلَمُ تَأْوِیلَهُ إلاّ اللهُ وَالرّاسِخُونَ فِی الْعِلْمِ) وذلک لکمال رسوخهم فی العلم الإلهی، وحسن تصرّفهم فی الکلام الربّانی. فبناءً على هذا کما یجب على الإنسان العاقل البالغ المکلّف ترک القسم الأوّل، یجب علیه القیام بالقسم الثانی على وجه لا یلزم منه الفساد المذکور، لیدخل به فی العلماء الراسخین ویشارک مع ربّه فی تأویل کلامه على الوجه المأمور.
والقول الثانی أیضاً یشهد بأنّ التأویل واجب، لکن یشیر إلى أنّ التأویل حقّ التأویل موقوف على حضور خلیفته الذی لا یحکم إلاّ بالتأویل وهو المهدی علیه السلام)(۳).
ولقد وجد الآملی أنّ القرآن نفسه یشکِّل سبباً مباشراً لنشوء التأویل فی صورته البدائیه، ذلک أنّه اشتمل على آیات یتوهّم منها بحسب ظاهرها الاختلاف والتناقض، وأدرک العلماء أنّهم لو فسّروها على ظاهرها للزم من ذلک مفاسد کثیره کالتشبیه والتجسّم. وارتفاع محذور کهذا لم یکن ممکناً إلاّ بسلوک طریق التأویل بصرف الآیات عمّا تدلّ علیه ظواهرها. قال: (اعلم أنّ فی القرآن متشابهات ومتناقضات:
أمّا المتشابهات فکقوله تعالى: (الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى)(۴) وکقوله: (وَجاءَ رَبُّکَ وَالْمَلَکُ صَفًّا صَفًّا)(۵) وکقوله: (وُجُوهٌ یَوْمَئِذ ناضِرَهٌ * إلى رَبِّها ناظِرَهٌ)(۶)، وکقوله: (فَأیْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ)(۷)، وکقوله: (یَدُ اللهِ فَوْقَ أیْدِیهِمْ)(۸)، وکقوله: (وقَالَتِ الیَهُودُ یَدُ اللهِ مَغْلُولَهٌ)(۹)، وکقوله: ( بَلْ یَداهُ مَبْسُوطَتانِ)(۱۰)، وکقوله: (وَالأرْضُ جَمِیعاً قَبْضَتُهُ یَوْمَ الْقِیامَهِ وَالسَّماواتُ مَطْوِیّاتٌ بـِیَمِینِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا یُشْرِکُونَ)(۱۱)، وکقوله: (فَإذا سَوَّیْتُهُ وَنَفَخْتُ فِیهِ مِنْ رُوحِی ..)(۱۲)، وکقوله: (تَعْلَمُ ما فِی نَفْسِی وَلا أعْلَمُ ما فِی نَفْسِکَ) (۱۳).
وهذه کلّها محتاجه إلى التأویل وجوباً، وإلاّ لأدّى إلى مفاسد کثیره، کالتجسّم والتحیّز والإمکان والحدوث، المؤدّی إلى الکفر والزندقه والإلحاد وغیر ذلک من الغیّ والضلال.
وأمّا المتناقضات فکقوله: (قُلْ یَتَوَفّاکُمْ مَلَکُ الْمَوْتِ الَّذِی وُکِّلَ بـِکُمْ)(۱۴)، ونقیضه: (اللهُ یَتَوَفَّى الأنْفُسَ حِینَ مَوْتِها)(۱۵)، وکقوله: (فَالْیَوْمَ نَنْساهُمْ کَما نَسُوا لِقاءَ یَوْمِهِمْ هذا)(۱۶)، ونقیضه: (وَما کانَ رَبُّکَ نَسِیّاً)(۱۷). ومعلوم أیضاً أنّ هذه المتناقضات لو لم تکن مؤوّله على طریق العقل والشرع لکان یلزم منها فیه اختلاف کثیر)(۱۸).
ولم یکن یخفى على الآملی وهو یسرد هذا الکلام ویقرّره أنّ التأویل الواجب هنا والذی یقتضی ترکه الوقوع فیما هو ممتنع من المفاسد، لیس تأویل أهل الباطن، بل التأویل المستند إلى قانون اللغه والمنطلق فی أسالیب استخدامها، والقائم على المجاز والکنایه بقرینه أنّهم استخدموه مثلاً فی تفسیر قوله تعالى: (وَ جاءَ رَبُّکَ) فقالوا: إنّ تأویله: جاء أمر ربّک بحذف المضاف، وهو من باب المجاز فی الإسناد المقرّر فی علم المعانی، أو الحذف مع التقدیر المقرّر فی البیان، والقرینه على المجاز أو الحذف قرینه عقلیه وهی استحاله نسبه المجیء إلى الحقّ نفسه.
لذا عقّب على هذا النحو من التأویل بقوله: (لکن هذا کلّه هو طریق أهل الظاهر وأرباب الأُصول تنزیهاً للحقّ من النقائص وتقدیساً له من العیوب اللاّزمه للإمکان والحدوث)(۱۹) والتی وقع فیها کثیرون عندما أخذوا أنفسهم بالتزام دلاله الظاهر، وعزفوا عن الأخذ بالتأویل والعمل على طبقه. (والحنابله ما وقعوا فیما وقعوا إلاّ من عدم التأویل والحکم بظواهر القرآن دون بواطنه)(۲۰).
(أمّا طریق أهل الباطن وأرباب المعرفه فسبیل مختلف ومنهج مغایر، وهو یقوم ـ کما سیأتی ـ على أساس اشتمال القرآن على مراتب باطنه للمعنى لا یساعد قانون اللغه ولا سیاقها فی التأدّی إلیها وبلوغها، ولا تنفع أسالیب الفهم وطرائق الاستنباط والتفسیر الشائعه عند أرباب الظاهر وعلماء الشریعه فی اقتناصها. ولقد تمسّکوا أکثر ما تمسّکوا للاستدلال على ذلک بما ورد عن النبیّ صلّى الله علیه وآله: إنّ للقرآن ظهراً وبطناً ولبطنه بطناً إلى سبعه أبطن، والذی ورد منه أیضاً: ما من آیه إلاّ ولها ظهر وبطن، ولکلّ حرف حدّ، ولکلّ حدّ مطلع. وهذان الخبران دالاّن على أنّ للقرآن ظواهر تجب التفسیر، وبواطن تجب التأویل، إلى أن یصل التأویل إلى نهایه المراتب السبع، بل لکلّ آیه منه، بل لکلّ حرف، وعلى هذا التقدیر یجب الشروع فی بیانهما حتّى یتحقّق بعض هذا المعنى عندک)(۲۱).
ولقد فهم أهل الشرع وأرباب الظاهر هذه الأخبار على ظاهرها (فذهب بعضهم إلى أنّ المراد فی الخبر بالبواطن السبعه، القراءات السبع لا غیر، وهذا نصیبهم وحظّهم من القرآن. وذهب بعضهم إلى أنّ المراد منه، العلوم السبع التی تُعرف من القرآن بحسب التصرّف فیه، کاللّغه والنحو والصرف والمعانی والبیان والأُصول والفروع، لأنّ القرآن عندهم مشتمل على هذه العلوم السبعه لا غیر، وهذا حظّهم من القرآن، وذهب بعضهم إلى أنّ المراد منه أنّ القرآن، له بحسب الإجمال سبعه معان، تطبیقاً بطبقات العالم والخلق، لکن بحسب التفصیل له معان غیر متناهیه، وهذا لیس ببعید، فإنّه قریب إلى الحقّ، وکلّ میسّر لما خُلق له(۲۲).
وأمّا أهل الباطن وأرباب الطریقه المخصوصون بالتأویل، فذهب بعضهم إلى أنّ المراد من الخبر أنّ لکلّ کلمه من کلمات القرآن سبعه معان على استعداد کلّ طائفه من الطوائف السبع، لئلاّ یقع الإخلال بالواجب من الله تعالى بالنسبه إلى طائفه منهم. وذهب بعضهم إلى أنّ المراد منه بعد العلوم السبعه المذکوره العلوم السبعه الإلهیه المعلومه لأهلها التی هی: علم التوحید والتجرید والفناء والبقاء، وعلم الذات والصفات والأفعال، وعلم النبوّه والرساله والولایه، وعلم الوحی والإلهام والکشف، وعلم المبدأ والمعاد والحشر والنشر، وعلم الأخلاق والسیاسه والتهذیب والتأدیب، وعلم الآفاق والأنفس والتطبیق بینهما، فإنّه أعظم العلوم وأشرفها، وهذا حظّهم من القرآن ونصیبهم منه، ونِعمَ الحظّ ونِعمَ النصیب (وَما یُلَقّاها إلاّ الَّذِینَ صَبَرُوا وَما یُلَقّاها إلاّ ذُو حَظّ عَظِیم)(۲۳). وذهب بعضهم إلى أنّ المراد منه الطوائف السبع المذکوره فی القرآن، من المسلمین، والمؤمنین، والموقنین، وذوی العقول، وأُولی الألباب، وأُولی النُّهى، والراسخین فی العلم، وإن کان هناک طوائف کثیره مذکوره فیه ، مثل المنذرین والمتفکِّرین والمتوسِّمین وغیر ذلک)(۲۴).
وعلى کلّ حال (فإنّ الآملی یرى أنّ الغرض الذی یسوق إلیه التأویل لایجوز تفویته، ولقد نبعت ضروره التأویل من ضروره غرضه وأهمّیه غایته ومقصده، لکنّ هذا الغرض عند الصوفی مختلف عن غرض أهل الشریعه وأصحاب الظاهر. ولقد عرفنا أنّ غرض أهل الشریعه الذی أکّدوا علیه فی مقام تبریر التأویل وبیان ضرورته هو التخلّص من المفاسد التی تدلّ علیه ظواهر کثیر من الآیات، ویحکم العقل أو الشرع باستحاله وقوعها، وعدم إمکان الذهاب إلیها والاعتقاد بها، کالتشبیه والتعطیل والتجسیم. وافترض الآملی أنّ مثل هذا الغرض جلیل والسعی إلى تحقیقه ومحاوله إنجازه مکرمه وفضیله، ومن یسعى إلیه ابتغاء مرضاه الله یؤته الله أجراً عظیماً)(۲۵).
أمّا عند الصوفیه فالغرض أعظم من ذلک وأکبر وأهمّ وأسمى، وهو تحصیل المعرفه الشهودیه الحقیقیّه، والاطّلاع على الأسرار الربّانیه المودعه فی اللّوح المحفوظ والمنطبعه فی النفس الکلّیه تفصیلاً وإجمالاً، ذلک أنّ (رئیس المعارف کلّها وأُصول الحقائق بأجمعها باتّفاق الأنبیاء والأولیاء علیهم السلام ثلاث: معرفه الحقّ تعالى، ومعرفه العالم، ومعرفه الإنسان، وإن کانت هذه الثلاث فی الحقیقه ترجع إلى واحده منها هی معرفه الحقّ تعالى، لأنّ معرفه العالم ومعرفه الإنسان سُلّم ومعارج إلى معرفه الحقّ التی هی المقصوده بالذات من الکلّ، وهذه الثلاث موقوفه على معرفه القرآن وأسراره وحقائقه على تطبیقه بالکتاب الآفاقی الذی هو العالم تفصیلاً، وبالکتاب الأنفسی الذی هو الإنسان إجمالاً)(۲۶) لقوله تعالى: (سَنُرِیهِمْ آیاتِنا فِی الآفاقِ وَفِی أنْفُسِهِمْ حَتّى یَتَبَیَّنَ لَهُمْ أنَّهُ الْحَقُّ أوَ لَمْ یَکْفِ بـِرَبِّکَ أنَّهُ عَلى کُلِّ شَیْء شَهِیدٌ * ألا إنَّهُمْ فِی مِرْیَه مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ ألا إنَّهُ بـِکُلِّ شَیْء مُحِیطٌ)(۲۷).
حیث یفهم الآملی من هذه الآیه على أساس دلالتها على ما قرّره من (کون القرآن مشتملاً على الآفاق والأنفس، ومن کون معرفته وسیله إلى معرفتهما، ومن کون الأخیرین آلتین موصلتین إلى معرفه الحقّ تعالى، فمعرفه القرآن تقود إلى معرفه عالمی الآفاق والأنفس، وهی تؤدّی إلى معرفه الحقّ وشهوده فی مراتب آیاته وآثاره، ومنازل تدرّجه وتنزّله.
وعلى أیّ حال فالعلّه الغائیه للتأویل عند الآملی هی حصول مشاهده الحقّ تعالى فی مظاهره وآیات کتابه الآفاقی وکلماته وحروفه، وحیث إنّ القرآن صوره إجمال العالم وتفصیله فلا تحصل المشاهده تلک إلاّ بمساعدته ومعاونته، فیجب تأویله على الوجه المذکور لیتحقّق منه الغرض المشار إلیه. فلیست قراءه القرآن إذن واستنطاقه والغوص على معانیه إلاّ آله لکشف حقائق هذا العالم، والاطّلاع على أسراره المودعه فیه، ومشاهدته مظهراً من مظاهر الحقّ وتجلّیاً من تجلّیات ذاته وصفاته وأسمائه)(۲۸).
وعلیه (فمن حصلت له معرفه القرآن على ما هو علیه فی نفس الأمر، حصل له مطالعه الفرقان على ما هو علیه فی نفس الأمر، أعنی من حصل له مطالعه کتابه الأنفسی الذی هو القرآن حقیقه، حصل له مطالعه الکتاب الآفاقی الذی هو الفرقان حقیقهً. ومن حصل له هذا صعد من درجه الإجمال إلى التفصیل، ومن درجه الوحده إلى الکثره، ومن درجه الذات إلى الأسماء والصفات، ومن درجه الجمعیه إلى التفرقه، وجمع بین کلّ مرتبتین منهما بحیث لا یحتجب بأحدهما عن الآخر، ولا یخالف الأوّل الآخر، ولا الظاهر الباطن، ولا الکثره الوحده، ولا الجمع التفرقه، وصار به کاملاً مکمّلاً عارفاً موحِّداً محقّقاً، واصلاً مقام الاستقامه والتمکّن، متخلّقاً بأخلاق الحقّ وأرباب الیقین، وحصل له من أهل الله وأرباب التوحید الدرجه العُلیا والغایه القصوى، المعبّر عنها بأحدیّه الفرق بعد الجمع.
وإلى هذه المشاهده الجمعیه المحمّدیه فی المراتب الثلاث، أشار الشیخ الکامل کمال الدِّین عبد الرزّاق قدس سره فی اصطلاحات القوم، وسمّى صاحبها فی المرتبه الأُولى ذا العقل، وفی المرتبه الثانیه ذا العین، وفی المرتبه الثالثه ذا العقل والعین وهو قوله:
ذو العقل: هو الذی یرى الخلق ظاهراً ویرى الحقّ باطناً، فیکون الحقّ عنده مرآهً للخلق لاحتجاب المرآه بالصوره الظاهره فیه احتجاب المطلق بالمقیّد.
ذو العین: هو الذی یرى الحقّ ظاهراً والخلق باطناً، فیکون الخلق عنده مرآه الحقّ، لظهور الحقّ عنده واختفاء الخلق فیه اختفاء المرآه بالصوره.
ذو العقل والعین: هو الذی یرى الحقّ فی الخلق، والخلق فی الحقّ، ولا یحتجب بأحدهما عن الآخر، بل یرى الوجود الواحد بعینه حقّاً من وجه، وخلقاً من وجه، فلا یحتجب بالکثره عن شهود الوجه الواحد الأحد، ولا یزاحم فی شهوده کثره المظاهر، أحدیه الذات التی یتجلّى فیها، ولا یحتجب بأحدیه وجه الحقّ عن شهود الکثره الخلقیه، ولا یزاحم فی شهوده أحدیه الذات المتجلّیه فی المجالی کثرتها)(۲۹).
ویفترض الآملی أنّ الله أشار إلى أنّ القرآن أحد مظاهره الذی تجلّت ذاته وصفاته فیه. فی الحدیث: (لقد تجلّى الله لعباده فی کتابه ولکن لا یبصرون)(۳۰). والمراد بالکتاب هنا کما یقول هو الکتاب الآفاقی الذی یتجلّى الحقّ فی صوره کتابه بحسب ملابس حروفه وکلماته وآیاته تجلّیاً معنویاً حقیقیّاً، کما یتجلّى المعنى فی لباس الحروف والکلمات والآیات.
ومن قرأ الکتاب الآفاقی التفصیلیّ أیضاً على ما هو علیه فی نفس الأمر، أعنی من حیث الإجمال والتفصیل، وطابقه بالکتاب القرآنی حرفاً بحرف وکلمهً بکلمه وآیهً بآیه، تجلّى له الحقّ فی صوره مظاهره الأسمائیه وملابسه الفعلیه تجلّیاً شهودیاً کلّیاً تفصیلیّاً بمصداق قوله: (هُوَ الأوَّلُ وَالآخِرُ وَالظّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بـِکُلِّ شَیْء عَلِیمٌ)(۳۱)، وقوله المتقدِّم: (أوَ لَمْ یَکْفِ بـِرَبِّکَ أنَّهُ عَلى کُلِّ شَیْء شَهِیدٌ)(۳۲)، وبمصداق قول العارفین من عبیده: لیس فی الوجود سوى الله تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله، فالکلّ هو وبه ومنه وإلیه. وفیه قیل:
تجلّى لی المحبوب من کلّ وجهه فشاهدته فی کلّ معنىً وصوره

فقـال: کـذاک الأمـر لـکنّما إذا تعیّنت الأشیاء بی کنت نسخت(۳۳)

وکما یتجلّى الحقّ فی صوره عالم الآفاق یتجلّى فی صوره عالم الأنفس. وإلى هذا المعنى أشار النبیّ صلّى الله علیه وآله حیث قال: (من عرف نفسه عرف ربّه)(۳۴) ففی الصوره الإنسانیه المسمّاه بالنشأه الجامعه الکلّیه، ظهر الحقّ ظهوراً ذاتیّاً، وتجلّى تجلّیاً عیانیاً فکان عالم الأنفس فی الحقیقه صورته کما أشار إلیه الحدیث: خلق الله آدم على صورته(۳۵) وفی قوله تعالى: (وَصَوَّرَکُمْ فَأحْسَنَ صُوَرَکُمْ)(۳۶) وأشار إلیه النبیّ صلّى الله علیه وآله فی قوله: رأیت ربّی لیله المعراج فی أحسن صوره(۳۷) ولم تکن الصوره تلک ـ کما یقول الآملی ـ إلاّ صوره النبیّ نفسه، (وهی صوره الإنسان الکامل الحقیقی التی لا یوجد فی الواقع أحسن منها)(۳۸).
ثمّ بیّن الآملی أنّ التأویل لا یمکن أن یتحقّق إلاّ على قاعده التوحید وأُصوله وقوانینه، لأنّه (الأصل فی الدِّین وأساس فی الإسلام، وعلمه أعظم العلوم وأشرفها، وسرّه أعظم الأسرار وأنفعها، ولیس هناک سرّ إلاّ وهو معدنه، ولا علم إلاّ وهو مشربه، وهو أوّل الواجبات على الخلق فی الدِّین، وآخر المقامات عند أرباب الکشف وأصحاب الیقین، وهو المقصد الأقصى والمطلب الأعلى، ولیس للإنسان وراء هذا المقام مرمىً ولا مرتبه.
ومن هذا قال سلطان الأولیاء والوصیّین أمیر المؤمنین علیه السلام فی بعض خطبه: أوّل الدِّین معرفته، وکمال معرفته التصدیق به، وکمال التصدیق به توحیده، وکمال توحیده الإخلاص له، وکمال الإخلاص له نفی الصفات عنه، لشهاده کلّ صفه أنّها غیر الموصوف، وشهاده کلّ موصوف أنّه غیر الصفه(۳۹).
وهذا ما أشار إلیه الإمام جعفر بن محمد الصادق علیه السلام فی قوله: اللّهمَّ إنّی أسألک بتوحیدک الذی فطرت علیه العقول، وأخذت به المواثیق، وأرسلت به الرُّسل، وأنزلت به الکتب، وجعلته أوّل فرائضک ونهایه طاعتک، فلم تقبل حسنه إلاّ معه، ولم تغفر سیّئه إلاّ بعده)(۴۰).
بناءً على ما تقدّم یتّضح أنّه لا یمکن أن یقع التساهل فی فعل التأویل، وفیما هو الواجب منه، ذلک أنّ (القرآن بالإضافه إلى کونه طریقاً إلى معرفه الحقّ، هو کمثل الحکم الصادر من سلطان عرفیّ إلى عبیده وأرباب دولته لیقوموا بجمیع ما فیه ویلتزموا بکلّ ما یحتویه… فإذا قام أحدهم ببعضه وقعد عن بعض، فمن المحتمل أن یخالف ما قام به، الذی قعد عنه، فیستحقّ عندها الملامه والتوبیخ، ولیس القیام بالبعض وترک البعض الآخر هنا إلاّ نظیراً للقیام بفعل التفسیر وترک فعل التأویل، والقیام بجمیع ما فی القرآن یقتضی القیام بهما والجمع بینهما. ولقد وردت آیات کثیره ـ بحسب الآملی ـ تصرّح بذمّ من ترک تدبّر القرآن وأعرض عن تأویله ورغب عن استنباط معانیه والغوص على مضامینه واستکناه مرامیه وأبعاده وأهمل أسراره، من ذلک قوله تعالى: (أفَلا یَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أمْ عَلى قُلُوب أقْفالُها) (۴۱).
ولأجل أنّ الإعراض عن تدبّره ـ مع ما فیه من المنافع والفضائل ـ أمرٌ مستغرب مستکره، وشأنٌ مستهجن مستقبح، قال الله تعالى: (فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَهُ الشّافِعِینَ * فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْکِرَهِ مُعْرِضِینَ)(۴۲) لیؤکّد على سبیل الإنکار حال من یُعرض عن تدبّر القرآن وفهمه… والاطّلاع على اختلاف رموزه وإشاراته ولیدلّل على أنّه الطریق الموصِل إلى الجواهر المکنونه والنفائس الشریفه المستوره، لیبلغ العارفون من خلال ذلک منزله القرب التی أشار إلیها فی کتابه فقال: (وَمَنْ یَفْعَلْ ذلِکَ ابْتِغاءَ مَرْضاهِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِیهِ أجْراً عَظِیماً) النساء: ۱۱۴(۴۳).
_____________________
(۱) آل عمران: ۷٫
(۲) الأعراف: ۵۲ ـ ۵۳٫
(۳) تفسیر المحیط الأعظم والبحر الخضمّ فی تأویل کتاب الله العزیز المحکم، للسیّد حیدر الآملی، حقّقه وقدّم له وعلّق علیه السیّد محسن الموسوی التبریزی، مؤسّسه الطباعه والنشر، وزاره الثقافه والإرشاد الإسلامی، إیران، = الطبعه الأُولى، ۱۴۱۴هـ : ج۱ ص۲۹۳٫
(۴) طه: ۵٫
(۵) الفجر: ۲۲٫
(۶) القیامه: ۲۲، ۲۳٫
(۷) البقره: ۱۱۵٫
(۸) الفتح: ۱۰٫
(۹) المائده: ۶۴٫
(۱۰) المائده: ۶۴٫
(۱۱) الزمر: ۶۷٫
(۱۲) ص: ۷۲٫
(۱۳) المائده: ۱۱۶٫
(۱۴) السجده: ۱۱٫
(۱۵) الزمر: ۴۲٫
(۱۶) الأعراف: ۵۱٫
(۱۷) مریم: ۶۴٫
(۱۸) تفسیر المحیط الأعظم والبحر الخضمّ: ج۱ ص۳۰۰٫
(۱۹) تفسیر المحیط الأعظم والبحر الخضمّ: ج۱ ص۲۰۵٫
(۲۰) المصدر نفسه: ج۱ ص۳۰۱٫
(۲۱) تفسیر المحیط الأعظم والبحر الخضمّ: ج۱ ص۳۰۲٫
(۲۲) سنن أبی داود، تصنیف أبی داود سلیمان بن الأشعث السجستانی: ۲۰۲ـ ۲۷۵: ص۵۱۱، الحدیث: ۴۶۹۴، اعتنى به فریق الأفکار الدولیه، بیت الأفکار الدولیه نصّ الحدیث: عن علیّ علیه السلام قال: کنّا فی جنازه فیها رسول الله صلّى الله علیه وآله ببقیع الغرقد، فجاء رسول الله صلّى الله علیه وآله فجلس ومعه مخْصره فجعل ینکث بالمخصره فی الأرض، ثمّ رفع رأسه فقال: ما منکم من أحد من نفس منفوسه إلاّ کتب الله مکانها من النار أو من الجنّه إلاّ قد کتبت شقیّه أو سعیده، قال: فقال رجل من القوم: یا نبیّ الله أفلا نمکث على کتابنا وندع العمل، فمن کان من أهل السعاده لیکونّن إلى السعاده، ومن کان من أهل الشقوه لیکونّن = = إلى الشقوه، قال: اعملوا فکلّ میسّرٌ، أمّا أهل السعاده فییسّرون للسعاده، وأمّا أهل الشقوه فیُیّسرون للشقوه، ثمّ قال نبیّ الله (فَأَمّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى ٭ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى ٭ فَسَنُیَسِّرُهُ لِلْیُسْرى ٭ وَأَمّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى ٭ وَکَذَّبَ بِالْحُسْنى ٭ فَسَنُیَسِّرُهُ لِلْعُسْرى) اللیل: ۵ – 10.
(۲۳) فصّلت: ۳۵٫
(۲۴) تفسیر المحیط الأعظم والبحر الخضمّ: ج۱ ص۳۰۲ ـ ۳۰۶٫
(۲۵) العرفان الشیعی، د ـ خنجر علی حمیه، دراسه فی الحیاه الروحیه والفکریه لحیدر الآملی، دار الهادی، الطبعه الأُولى: ۱۴۲۵هـ : ص۷۰۴، فلسفه الدین والکلام الجدید.
(۲۶) تفسیر المحیط الأعظم والبحر الخضمّ: ج۱ ص۲۴۰٫
(۲۷) فصّلت: ۵۳ـ ۵۴٫
(۲۸) العرفان الشیعی: ص۷۰۵٫
(۲۹) تفسیر المحیط الأعظم والحبر الخضمّ: ج۱ ص۲۹۱٫
(۳۰) عوالی اللآلی العزیزیه فی الأحادیث الدینیّه، للشیخ المحقّق المتتبّع محمّد بن علی بن إبراهیم الإحسائی المعروف بابن أبی جمهور، تحقیق البحّاثه المتتبّع الحاج آقا مجتبى العراقی، مطبعه سیّد الشهداء علیه السلام ، قم، الطبعه الأُولى المحقّقه: ۱۴۰۵هـ : ج۴ ص۱۱۶٫
وورد هذا المعنى فی کلمات الإمام أمیر المؤمنین علیه السلام حیث قال: (فتجلّى لهم سبحانه فی کتابه من غیر أن یکونوا رأوه…) الخطبه: ۱۴۷ من خطب نهج البلاغه نسخه: الدکتور صبحی الصالح، وکذلک ورد فی بحار الأنوار: ج۹۲ ص۱۰۷، عن الإمام الصادق علیه السلام.
(۳۱) الحدید: ۳٫
(۳۲) فصّلت: ۵۳٫
(۳۳) تفسیر المحیط الأعظم والبحر الخضم: ج۱ ص۳۴۱٫
(۳۴) عوالی اللآلی العزیزیه: ج۴ ص۱۰۲٫
قال بعض أهل المعرفه: (لمّا کانت جمیع الموجودات الظاهره بمظاهر الأسماء الإلهیه، کلّها مجالی للحقّ تعالى، وکان الإنسان أتمّ مجالیه التی تظهر فیها حقیقته، إمّا بالقوّه أو بالفعل على مراتبه، کان الإنسان من حیث هو أعظم=
= المجالی وأشرف الکتب الإلهیه. فکلّ من عرف نفسه وطالع فی کتابه على ما هو علیه فی نفسه، تجلّى له ربّه على ما ینبغی.
ولهذا قال تعالى: (اقْرَأ کِتابَکَ) الإسراء: ۱۴ اعرف نفسک وکیفیّه ارتباطها ببدنک، واعرف الآیات والکلمات والحروف التی قد اشتمل علیها، فکفى بها حسیباً علیک وحجّهً فی وجوب معرفتک لباریک.
وهذا هو السرّ فی قوله تعالى: (وَفِی أَنْفُسِکُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ) الذاریات: ۲۱، وقوله: (سَنُرِیهِمْ آیاتِنا فِی الاْفاقِ وَفِی أَنْفُسِهِمْ حَتّى یَتَبَیَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) فصّلت: ۵۳٫
کیف لا والإنسان هو أحسن المخلوقین وخالقه تعالى أحسن الخالقین: (لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسانَ فِی أحْسَنِ تَقْوِیم) التین: ۴، وقوله: (ثُمَّ أَنْشَأناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَکَ اللهُ أحْسَنُ الْخالِقِینَ) المؤمنون: ۱۴٫
(۳۵) رواه الصدوق فی التوحید فی باب أنّه عزّ وجلّ لیس بجسم ولا صوره، الحدیث: ۱۸، بإسناده عن محمّد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر الباقر علیه السلام عمّا یروون أنّ الله عزّ وجلّ خلق آدم على صورته، فقال علیه السلام: هی صوره محدثه مخلوقه، اصطفاها الله واختارها على سائر الصور المختلفه، فأضافها إلى نفسه کما أضاف الکعبه إلى نفسه والروح إلى نفسه فقال: (بَیْتِیَ) البقره: ۱۲۵، وقال: (وَنَفَخْتُ فِیهِ مِنْ رُوحِی) الحجر: ۲۹٫
وأیضاً رواه فی باب تفسیر قول الله عزّ وجلّ: (کُلُّ شَیْء هالِکٌ إِلاّ وَجْهَهُ) الحدیث: ۱۰ـ ۱۱ بإسناده عن أبی الورد بن ثمامه عن علیّ علیه السلام وبإسناده عن الحسین بن خالد قال: قلت للإمام الرضا علیه السلام: یابن رسول الله: إنّ الناس یروون أنّ رسول الله صلّى الله علیه وآله قال: إنّ الله خلق آدم على صورته، فقال: قاتلهم الله، لقد حذفوا أوّل الحدیث، إنّ رسول الله صلّى الله علیه وآله مرّ برجلین یتسابّان، فسمع أحدهما یقول لصاحبه: قبّح الله وجهک ووجه من یشبهک، فقال صلّى الله علیه وآله: یا عبد الله لا تقل هذا لأخیک، فإنّ الله عزّ وجلّ خلق آدم = = على صورته).
ورواه مسلم فی صحیحه فی باب: یدخل الجنّه أقوام أفئدتهم مثل أفئده الطیر. رقم الحدیث: ۲۸۴۱٫ صحیح مسلم، تصنیف: الإمام الحافظ أبی الحسین مسلم بن الحجّاج القشیری النیسابوری: ۲۰۶ـ ۲۶۱، اعتنى به أبو صهیب الکرمی، بیت الأفکار الدولیه، ص۱۱۴۱٫
(۳۶) التغابن: ۳۱٫
(۳۷) عوالی اللآلی العزیزیه: ج۱ ص۵۲٫
هذه الروایه لا یجوز أن تنسب الرؤیه فیها إلى رؤیه البصر، لأنّها لم تکن به، کما توهّمه جماعه، بل کانت بالبصیره وهی الرؤیه القلبیه کما أوضحناه سابقاً، لأنّ الواجب بطریق العقل تأویل الرؤیه بحکم الأُصول لئلاّ یؤدّی إلى التجسّم والحدوث والتحدید الموجب للإمکان.
یُنظر: التوحید، بحوث فی مراتبه ومعطیاته: ج۲ ص۴۸۳ ـ ۵۰۰٫
والظاهر أنّ تلک الصوره التی رآه فیها وشاهد معانیه بها، التی هی أکمل الصور وأحسنها وأجمعها لتلک المعانی، لیس إلاّ صورته المحمّدیه التی هی أحسن الصور وأشرفها وأجمعها لمعانی الکمال وصفات الجلال. إذ لا یمکن مشاهده الحقّ تعالى ورؤیته على التمام إلاّ فی الصوره الإنسانیه الکامله التی جمیع کمالاتها حاصله لها بالفعل، أو فی غیر الکامل لکن لا على التمام.
(۳۸) تفسیر المحیط الأعظم والبحر الخضم: ج۱ ص۲۴۲٫
(۳۹)نهج البلاغه ـ الخطبه الأولى.
(۴۰) تفسیر المحیط الأعظم والبحر الخضم: ج۱ ص۲۲۹٫
(۴۱) محمّد: ۲۴٫
(۴۲) المدّثر: ۴۸ـ ۴۹٫
(۴۳) العرفان الشیعی: ص۷۰۸٫

Leave A Reply

Your email address will not be published.