هدف الجزاء الأُخروی
إذا کان الهدف من المعاد هو إثابه المحسنین والصالحین ومعاقبه المجرمین والعاصین.وبعباره أُخرى: الهدف أن یصل کلّ منهما إلى نیل جزاء عمله، فحینئذ یطرح السؤال المذکور: ما هو الهدف من وراء ذلک العمل،ولماذا یعاقب اللّه المجرمین؟
وفی مقام الإجابه عن التساؤل المذکور یمکن الإشاره إلى ثلاث نقاط باعتبارها الهدف من معاقبه المجرمین:
۱٫ تشفّی وتسکین الآلام
ممّا لا شکّ فیه انّ الذی یتعرّض للأذى أو توجّه إلیه الإساءه أو یهضم حقّه فی الحیاه الدنیا أو یقتل، تخلق تلک الأفعال حاله من الألم والمضض فی نفسه أو فی نفوس ذویه وأحبته، ولم تهدأ تلک الحرقه ولا تزول تلک المراره إلاّ إذا رأى هو أو رأى ذووه من عرّضه لذلک الألم والمراره أو القتل قد نال جزاءه العادل.
۲٫ تربیه المجرمین
إنّ الهدف من بعض العقوبات هو إعاده تأهیل وتربیه المجرمین، فعلى سبیل المثال تقوم الحکومه بحجز المخطئین أو الأحداث الذین یقومون باقتراف بعض الجرائم فی سجون خاصه من أجل إعاده تأهیلهم وتربیتهم عن طریق تعریضهم لظروف جدیده وضغوط خاصه تردعهم عمّا اقترفوه من الجرائم.
۳٫ لیکون المجرم عبره للآخرین
الهدف الثالث من العقاب بالإضافه إلى تربیه المجرم وتأدیبه وإعاده تأهیله فی المجتمع، هو أنّه حینما یعرض للعقاب أمام الملأ العام، یکون فی ذلک عبره للآخرین للاتّعاظ وعدم الإقدام على الخطأ أو الجرم الذی أقدم علیه.
هذه هی بعض الأهداف من العقاب فی الدنیا، وحینئذ یطرح السؤال التالی: ما هو الهدف من العقاب الأُخروی؟ فإذا کان الهدف هو تسکین الآلام، فاللّه سبحانه وتعالى أسمى من أن یتّصف بتلک الإحساسات المادیه اتجاه مَن یعصیه أو یتمرّد على أوامره ونواهیه.
وإذا کان الهدف هو تربیه المجرمین وتنبیههم إلى فداحه الخطأ الذی اقترفوه، فلا شکّ انّ هذا الاحتمال أیضاً فیه مناقشه، لأنّ مجال التنبیه والتربیه هو عالم الدنیا لا الآخره.
وأمّا إذا کان الهدف هو اعتبار الآخرین بما ناله المجرمون من العقاب، فهذا أیضاً لا معنى له، وذلک لأنّه لا معنى للاعتبار والاتّعاظ فی عالم الآخره، وذلک لأنّ الحیاه قد انتهت وقامت القیامه ولم یبق مجال حینئذ للاتّعاظ و الاعتبار ونال کلّ إنسان جزاء عمله صالحاً کان أم طالحاً.
وللإجابه عن ذلک نقول:
أوّلاً: انّ الإشکال یرد على القول بأنّ المعاد أمر ممکن ولیس أمراً ضروریاً، إذ حینئذ یطرح الإشکال: لماذا أُفیض الوجود على هذا الأمر الممکن وما هی الغایه منه؟ وأمّا إذا قلنا: إنّ هناک سلسله من العلل و الأسباب تقتضی ضروره المعاد، فحینئذ لا مجال بل لا معنى للسؤال عن العلّه الغائیه، وذلک لأنّ هذه السلسله من الأسباب التی اقتضت ضروره المعاد تکمن فیها العلل الفاعلیه والعلل الغائیه، فلابدّ من البحث عن تلک العلل والأسباب التی اقتضت ضروره المعاد لکشف غایات وأهداف المعاد والجزاء والعقاب.
ویکفی هنا أن نتعرض لذکر واحد من الأدلّه السته التی أُقیمت لبیان ضروره المعاد، وهذا الدلیل عباره عن:
کون المعاد تجلّیاً للعدل الإلهی
لا شکّ انّ المعاد مجلى للعدل الإلهی وبدونه لا یمکن أن یظهر عدله سبحانه بصوره تامّه وبشکل کامل.
ومن المعلوم أنّ میدان القیامه وساحه المعاد یتحقّق فیها الإحسان إلى المحسنین وإثابه الصالحین، أی تحقّق الحسن والجمال، وهذا من الأُمور التی یحکم العقل بحسنها و بقبح ترکها.
وحینئذ یکون جواب السؤال عن علّه تحقّق هذا الفعل الحسن کامناً فی نفس الفعل.
وکأنّ الذی طرح السؤال المذکور غفل عن أدلّه ضروره المعاد وتصوّر أنّ المعاد من الأُمور الممکنه التی ینبغی السؤال عن علّتها ولذلک قال: ما هی الغایه من وراء المعاد؟ ولکنّه لو التفت إلى علل المعاد التی تقتضی کونه أمراً ضروریاً، فحینئذ تتجلّى له العلّه الغائیه للمعاد والتی تکمن فیه، والجدیر بالذکر أنّ کون المعاد تجلّیاً للعدل الإلهی هو أحد علل وأسباب ضروریه المعاد حیث یوجد إلى جانبه علل أُخرى کثیره.
ثانیاً: انّ هذا الإشکال انّما یرد على بعض العقوبات والمثوبات التی تکتسب صفه اعتباریه جعلیه، أی العقوبات التی لا تکون من لوازم وجود الإنسان، وإنّما تفاض علیه من السماء أو یعاقب علیها کذلک من السماء.
ولکن لابدّ من الالتفات إلى أنّه لیس کلّ العقوبات والمثوبات ذات صفه اعتباریه وجعلیه، بل البعض منها فقط من هذا القبیل، وأمّا البعض الآخر فهو من لوازم وجود الإنسان، بمعنى أنّ الإنسان وبسبب قیامه بسلسله من الأعمال الحسنه أو السیّئه فی هذا العالم، تخلق فیه مجموعه من الملکات التی تکون سبباً لتقوّم شخصیته وتحقیقها، وحین تقوم الساعه یحشر هذا الإنسان بتلک الملکات والصفات، وتلازمه تلک الصفات ولا یمکنه أن یتخلّص منها، فتکون سبباً لسعادته وفرحه أو سبباً لعذابه وشقائه.
فالإنسان المذنب وبسبب انطماسه فی الشهوات یمتلک صفات وملکات خاصه تخلق له ـ و بصوره قهریه ـ سلسله من الصور الخبیثه والمؤذیه، وکذلک الإنسان المؤمن والمحسن یمتلک سلسله من الملکات الجمیله التی تخلق له صوراً بهیّه تلازمه فی ذلک العالم، فالصنف الأوّل یتأذى ویتألّم بعمله، والإنسان المؤمن یتنعّم ویلتذ بنفس أعماله أیضاً.
ومن هنا تبیّن انّ هذا الجواب یعتمد على نکته مهمه، وهی أنّ طائفه من الآلام واللّذات ولیده نفس الإنسان المبعوث والتی تناسب ذلک العالم. ثالثاً: ویمکن الإجابه عن التساؤل المطروح بجواب ثالث وهو: انّ الأعمال فی هذا العالم لها صوره خاصّه، ولها صوره أُخرى فی عالم البرزخ وفی القیامه، بمعنى أنّ الشیء الواحد وتبعاً لشروط خاصه یتجلّى بصور مختلفه، ویمکن استکشاف هذا الدلیل من خلال الواقعه التالیه:
إنّ رجلاً أتى عثمان بن عفان ; وبیده جمجمه إنسان میت، فقال: إنّکم تزعمون النار یعرض علیها هذا، وإنّه یعذّب فی القبر، وأنا وضعت علیها یدی فلا أحسّ منها حراره النار!! فسکت عنه عثمان، وأرسل إلى علی بن أبی طالب المرتضى یستحضره، فلمّا أتاه وهو فی ملأ من أصحابه، قال للرجل: أعد المسأله، فأعادها، ثمّ قال عثمان بن عفان: أجب الرجل عنها یا أبا الحسن!
فقال علی(علیه السلام) : إیتونی بزند وحجر، والرجل السائل والناس ینظرون إلیه، فأُتی بهما، فأخذهما وقدّح منهما النار، ثمّ قال للرجل: ضع یدک على الحجر فوضعها علیه، ثمّ قال: ضع یدک على الزند، فوضعها علیه، فقال: هل أحسست منهما حراره النار؟! فبهت الرجل.( [۱])
وعلى هذا الأساس یکون القول بأنّ بعض الثواب والعقاب تجسّم للأعمال الحسنه والسیّئه والتی تتجلّى تحت ظروف خاصه بشکل وصور أُخرى.
[۱] . الغدیر:۸/ ۲۱۴٫