نهی الإمام علی (علیه السلام) عن الغلو

0

یقول الشیخ:
۱ – وجاء فی نهج البلاغه أنّ علی بن أبی طالب (علیه السلام) قال: «وسیهلک فیّ صنفان: محبّ مفرط یذهب به الحبّ إلى غیر الحق، ومبغض مفرط یذهب به البغض إلى غیر الحق، وخیر الناس فیَّ حالاً النمط الأوسط فالزموه، والزموا السواد الأعظم فإنّ ید الله مع الجماعه وإیّاکم والفرقه» ( [1]) .
۲ – وجاء فی نهج البلاغه ما یخالف اعتقاد الشیعه فی عصمه الأئمه ـ حیث قال أمیر المؤمنین ـ کما یروی صاحب النهج: «فلا تکفُّوا عن مقاله بحقّ، أو مَشُوره بعدل، فانّی لست فی نفسی بفوق أن أُخْطِئ ولا آمن ذلک من فعلی» ( [2]) .
۳ – وفی نهج البلاغه أیضاً کان علی (علیه السلام) یوصی ابنه الحسن (علیه السلام) حیث قال :
«فإن أشکل علیک فی ذلک فاحمله على جهالتک به، فانّک أوّل ما خُلِقْتَ جاهلاً ثم علمت، وما أکثرَ ما تجهل من الأمر ویتحیّر فیه رأیک، ویَضلُّ فیه بصرک ثم تُبصره بعد ذلک» ( [3]) .
۴ – کان علی یناجی ربَّه بهذا الدعاء کما یروی صاحب النهج: «اللّهم اغفر لی ما أنت أعلم به مّنی فإن عُدْتُ فَعُدْ علی بالمغفره» إلى آخر الدعاء. ( [۴]) فهذا علی یدعو الله بأن یغفر ذنوبه من السهو وغیره فهل هذا ینافی العصمه. ( [۵])
المناقشه:
الغلو هو عباره عن تجاوز الحد ومنه غلا السعر، یغلو غلاءً، وغلا بالجاریه لحْمُها وعظُمها إذا أسرعت الشباب فجاوزت لِداتها .
والغلو ممقوت أینما کان وحیثما کان وفی أی أمر کان، ولاسیّما فی الدین، وقد نهى عنه سبحانه فی الکتاب العزیز مرتین، وقال: ( یَا أَهْلَ الْکِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِی دِینِکُمْ ) ( [۶]) .
والمراد غلو النصارى فی المسیح حیث اتّخذوه ربّاً وإلهاً. وعلى ذلک فالغلو هو الإفراط ویمکن أن یکون المراد هو الأعم حتّى یعمّ التقصیر والتفریط أیضاً کغلو الیهود فی أُمّ عیسى حتّى قذفوا مریم، فیکون المنهی عنه هو مطلق الخروج عن الحد الحقیقی من غیر فرق بین الإفراط والتفریط وعلیه بعض المفسرین.( [۷])
وقد نقل الزمخشری عن الإمام أمیر المؤمنین علی(علیه السلام) قوله: «إنّ دین الله بین المقصّر والغالی، فعلیکم الفرقه الوسطى فیها یلحق المقصِّر ویرجع إلیها الغالی»( [8]).
وهناک کلمه قیّمه أُخرى نقلها الرضی عن علی (علیه السلام) فی قصار الحکم، وهی: «الثناء بأکثر من الاستحقاق مَلَق، والتقصیر عن الاستحقاق عِیٌّ أو حسد»( [9]).
إلاّ أنّ المهم هو معرفه الحد الواقعی الذی لا ینبغی أن یتجاوزه الإنسان، لأنّ الإفراط فی الثناء یعد ملقاً والتقصیر یعد عیّاً أو حسداً، لکنَّه موضوع آخر خارج عن وضع هذا المؤلَّف، ولکن نقتصر على دراسه کلمات الإمام التی استدلّ بها فضیله الشیخ على عدم عصمه الإمام أو عصمه ولده الحسن (علیهما السلام) .
أمّا الخطبه الأُولى فلا صله لها بما یرتئیه الشیخ فإنّه یخبر عن صنفین : محب مفرط ومبغض مفرط، فالأوّل یذهب به الحب إلى غیر الحق، کما إذا ذهب إلى أنّه ربّ، والثانی یذهب به البغض إلى غیر الحق فیصبح ناصبیّاً ، ولیس هذا منطق الإمام وحده بل منطق القرآن الکریم. والشیعه تکفر من قال هو بربوبیته ومن حسن الحظِّ ان الدهر قضى علیهم.
نعم ثَمّه شیء ربّما یخفیه فضیله الشیخ فی قراره نفسه، وهو أنّه یظن أن الشیعه الإمامیه من المحبّین المفرطین بشهاده أنّهم ینقلون فضائله وکراماته، وإخباره عن الغیب ـ بتعلیم من نبیّه ـ واستجابه دعائه فی برأ الأمراض الصعبه العلاج وزیاره ضریحه والتبرّک به والدعاء والصلاه عند مرقده، ولکنّ عزب عن الشیخ أنّه لو کان هذا ملاک الغلو فالمسلمون قاطبهً ـ إلاّ من شذّ من أتباع محمد بن عبد الوهاب ـ من الغلاه حیث یعتقدون کل ما ذکرناه فی حق النبی ویعملون نفس ما أشرنا إلیه .
فأیّ غلو فی نقل الفضائل التی ملأت الصحاح والمسانید .
وأیّ غلو فی أن یخبر الإمام عن الغیب بتعلیم من النبی کما أخبر غیر واحد من الأنبیاء عن الغیب بتعلیمه تعالى، وهذا هو النبی صالح (علیه السلام) یخبر عن هلاک قومه بعد ثلاثه أیّام حیث قال لهم:( تَمَتَّعُوا فِی دَارِکُمْ ثَلاَثَهَ أَیَّام ذَلِکَ وَعْدٌ غَیْرُ مَکْذُوب ) ( [۱۰]) .
وهذا هو النبی یوسف (علیه السلام) یُخبر عن الغیب بتعلیم من الله سبحانه فی مواضع متعدده من الذکر الحکیم، منها قوله: ( یَا صَاحِبَیِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُکُمَا فَیَسْقِی رَبَّهُ خَمْرًا وَ أَمَّا الآخَرُ فَیُصْلَبُ فَتَأْکُلُ الطَّیْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِیَ الأَمْرُ الَّذِی فِیهِ تَسْتَفْتِیَانِ ) ( [۱۱]) . فعلم الغیب النابع من الذات غیر المحدّد کمّاً وکیفاً من خصائص الله سبحانه، وأمّا الإخبار عنه فی موارد محدّده بإعلام من الله وتعلیم منه فهو من خصائص الأنبیاء والأئمه والأولیاء .
ومنه یُعلم سائر ما یعتقده الشیعه فی حق إمامهم، وقد صدروا فی اعتقادهم هذا عن الدلیل. والتفصیل موکول إلى کتب العقائد.
وقد أوضح الإمام نفسه هذا الأمر، حینما قال له بعض أصحابه من بنی کلب لقد أُعطیت یا أمیر المؤمنین علم الغیب، فضحک (علیه السلام) ، وقال :
یا أخا کلب، لیس هو بعلم غیب وإنّما هو تعلّم من ذی علم! وإنما علم الغیب علم الساعه، وما عدَّده الله بقوله: ( إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَهِ ) … فهذا علم الغیب الّذی لا یعلمه أحد إلاّ الله، وما سوى ذلک فعِلمٌ علَّمَه الله نبیَّه فعَلَّمَنیهِ، ودعا لی بأن یَعِیَهُ صدری، وتضطمَّ علیه جوانحی( [۱۲]) . وقال (علیه السلام) أیضاً:… فوالّذی فَلَقَ الحبّه، وبَرَأَ النَّسَمَهَ، إن الّذی أُنبِّئُکم به عن النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) ، ما کَذَب المُبَلِّغ، ولا جَهِلَ السامعُ… ( [۱۳])
وأمّا الخطبه الثانیه الّتی ربّما یستظهر منها جواز الخطأ على الإمام، أعنی قوله: «فلا تکفّوا عن مقاله بحق أو مشوره بعدل، فإنّی لست فی نفسی بفوق أن أُخطئ، ولا آمن من ذلک من فعلی إلاّ أن یکفی الله من نفسی ما هو أملک به منّی»( [14]).
فهی على خلاف مقصود المستدل أدلّ، وذلک لأنّ کلّ إنسان حسب ذاته لیس بفوق أن یخطئ کیف وهو فقیر بالذات، لا یملک کمالاً، قال سبحانه: ( یَا أَیُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَ اللهُ هُوَ الْغَنی الْحَمِیدُ ) ( [۱۵]) . وقوله سبحانه: ( إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِی خُسْر ) ( [۱۶]) وإنّما یصان عن الخطأ فی مرحلتیْ الفکر والعمل بإعصام من الله سبحانه ولا ینال تلک الفضیله إلاّ الأمثل فالأمثل بفضله سبحانه، وقد أشار یوسف فی قوله ( وَ مَا أُبَرِّئُ نَفْسِی إِنَّ النَّفْسَ لاََمَّارَهٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّی ) ( [۱۷]) إلى کلا الأمرین:
فإلى الأوّل: أی انّ الإنسان حسب ذاته لا یملک کمالاً ولا عصمه أشار إلیه بقوله: ( إِنَّ النَّفْسَ لاََمَّارَهٌ بِالسُّوء ) .
وإلى الثانی: أی إنّ العصمه لطف من الله سبحانه أشار إلیه بقوله: ( إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّی ) .
ومن عجیب الأمر انّ الإمام فی کلامه السابق یشیر إلى کلا الأمرین أیضاً:
الأوّل: انّه حسب الذات لیس مصوناً عن الخطأ. الثانی: انّه سبحانه إذا کفاه یکون مصوناً عن الخطأ.
فیشیر إلى الأوّل بقوله: «فإنّی لست فی نفسی بفوق ان أُخطِئ».
وإلى الثانی بقوله: «إلاّ أن یکفی الله من نفسی ما هو أملک به منّی».
وکان على الشیخ أن یجتنی من الشجره الطیبه (خطبه الإمام) الثمره الطیبه (عصمه الإمام عن الخطأ) ولکنه مع الأسف لأجل اعتقاده المسبق أفسد الثمره ولم یستسغها .
ولیس هذا (کلّ إنسان خاطئ بالذات مصون عنه باعتصام الله) منطق الإمام وحده، بل منطق الأنبیاء کلّهم، حیث یأمر سبحانه نبیه أن یقول: ( قُلْ لاَ أَمْلِکُ لِنَفْسِی نَفْعاً وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاءَ اللهُ ) ( [۱۸]) . وأما الخطبه الثالثه ـ أعنی: خطاب الإمام لنجله الحسن (علیه السلام) ـ : «فإن أشکل علیک فی ذلک فاحمله على جهالتک به، فإنّک أوّل ما خُلِقْت جاهلاً ثم علمتَ، وما أکثر ما تجهل من الأمر ویتحیّر فیه رأیک ویضلّ فیه بصُرک ثم تُبصره بعد ذلک» ( [19]).
فقد استدلّ به الشیخ على أن الإمام الحسن (علیه السلام) لم یکن مصوناً عن الخطأ، ولکنّ الاستنتاج بعید عن الصواب، ونابع عن عدم الدقه فی معرفه هدف الرساله، وذلک :
إنّ الرساله وإن کانت موجّهه إلى الحسن (علیه السلام) ، وهو فیها محور توجیهات أمیر المؤمنین (علیه السلام) ، إلاّ أنّ الغایه القصوى منها ـ کما هو الشأن فی رسائل المصلحین ـ هی الإرشاد والنصح لعامّه الآباء والأبناء.
ویؤیّد ذلک أنّ الإمام یخاطبه بقوله: «إنّما قلب الحدث کالأرض الخالیه، ما أُلقی فیها من شیء قَبِلَتْه، فبادرتُکَ بالأدب قبل أن یقسو قلبک ویشتغل لبُّک».
یخاطبه الإمام بهذا القول مع أنّ الحسن (علیه السلام) کان یومذاک من أبناء الخمسه والثلاثین حیث إنّ الإمام کتبها عند منصرفه من صفین فی منطقه «حاضرین» وعندئذ فما معنى قوله «فبادرتک بالأدب» وقد انقضى شبابه والتحق بالکهول ( [۲۰]).
وقد قلنا: إنّ ما سلکه الإمام من الخطاب لولده العزیز والغایه هی عامّه أولاد المسلمین، هو مسلک المصلحین حیث یخاطبون أبناءهم ومَن یتعلّق بهم ویوبّخونهم، لغایه إسماع الغیر، وقد ورد فی المثل: «إیّاک أُعنی واسمعی یا جاره» .
على أنّ المراد من الجهل فی العباره هو الجهل بأسرار القدر وخفاء وجه الحکمه فی بعض الأُمور، فلم یدلّ دلیل على أنّ السبط الحسن (علیه السلام) یعلم عامّه أسرار الخلقه، ولعلّ هناک علوماً استأثر الله بها لنفسه .
وأمّا الخطبه الرابعه ـ أعنی قوله ـ : «اللّهم اغفر لی ما أنت أعلم به منّی فإن عُدْتُ فُعد علیَّ بالمغفره…».
فالعارف بأدعیه الإمام وأهل بیته الوارده فی الصحیفه العلویه أو الصحیفه السجادیه یعرف أنّ هذه الأدعیه لغایه تأدیب الناس وتعلیمهم کیفیهَ الاستغفار من الذنوب، فاقرأ یا فضیله الشیخ دعاء «کمیل» تجد فیه حلاوه المناجاه، وانّ أکثر ما ذکره الإمام واستغفر منه لا یُحتمل فی حقّه، بل لا یحتمل فی حقّ من دونه، وإنّما ذکرها تأدّباً وتعلیماً.
وهناک بیان آخر ذکره الکاتب الکبیر أبو الفتح الإربلی (المتوفّى ۶۹۳ هـ) فی کتاب «کشف الغمه فی معرفه الأئمه» فقال: إنّ الأنبیاء والأئمه(علیهم السلام) تکون أوقاتهم مشغوله بالله تعالى، وقلوبهم مملوءه به، وخواطرهم متعلّقه بالملأ الأعلى، وهم أبداً فی المراقبه، کما قال (علیه السلام) : «أعبد الله کأنّک تراه، فإن لم تراه فانّه یراک»، فهم أبداً متوجهون إلیه ومقبلون بکلّهم علیه .
فمتى انحطّوا عن تلک الرتبه العالیه، والمنزله الرفیعه، إلى الاشتغال بالمأکل والمشرب، والتفرغ إلى النکاح وغیره من المباحات، عدّوه ذنباً واعتقدوه خطیئه واستغفروا منه( [۲۱]).
وحاصل کلامه عباره عمّا ورد فی بعض الآثار من أن «حسنات الأبرار سیئات المقرّبین» وعلى هذا یحمل ما روی عن النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) أنّه قال: «إنّه لیُران على قلبی وإنّی لأستغفر الله بالنهار سبعین مرّه ».
[۱] . نهج البلاغه: الخطبه ۱۲۳، شرح محمد عبده ; شرح ابن أبی الحدید: ۸ / ۱۱۲ .
[۲] . نهج البلاغه: الخطبه ۲۱۱، شرح محمد عبده ; شرح ابن أبی الحدید: ۱۱ / ۱۰۱ – ۱۰۲ .
[۳] . نهج البلاغه: قسم الرسائل: ۳۱، شرح محمد عبده ; شرح ابن أبی الحدید: ۱۶ / ۷۴ .
[۴] . نهج البلاغه: الخطبه ۷۵، شرح محمد عبده ; شرح ابن أبی الحدید: ۶ / ۱۷۶ .
[۵] . تأمّلات فی شرح نهج البلاغه: ۲۷ .
[۶] . النساء: ۱۷۱ ; المائده: ۷۷٫
[۷] . تفسیر القرطبی: ۶ / ۲۱ .
[۸] . ربیع الأبرار للزمخشری.
[۹] . قصار الحکم، برقم ۳۴۷ .
[۱۰] . هود: ۶۵ .
[۱۱] . یوسف: ۴۱ .
[۱۲] . نهج البلاغه: الخطبه ۱۲۴، شرح محمد عبده .
[۱۳] . نهج البلاغه: الخطبه ۹۷، شرح محمد عبده .
[۱۴] . نهج البلاغه: الخطبه ۲۱۱، شرح محمد عبده .
[۱۵] . فاطر: ۱۵ .
[۱۶] . العصر: ۲ .
[۱۷] . یوسف: ۵۳ .
[۱۸] . الأعراف: ۸۸ .
[۱۹] . نهج البلاغه: قسم الرسائل: ۳۱، شرح محمد عبده .
[۲۰] . الکهل من کان بین الثلاثین والخمسین فی العمر .
[۲۱] . کشف الغمه: ۳ / ۴۷ .

Leave A Reply

Your email address will not be published.