النبوَّه الخاتمه
وأمّا لو لاحظناه بما تمخَّض عنه هذا الیوم العظیم ، فإنَّه لا یمکننا أنْ نتصوَّر الکمّیه العظیمه من الطاعات والعبادات ، والأعمال النبیله الزاخره بکل معانی النُّبل والأخلاق ، التی أُوتی بها بعد هذا الیوم ، وباسم هذا الیوم .
کما أنَّنا نستطیع أنْ نعتبر أنَّ العروش التی حُطِّمت ، والجبابره الذین قُضِیَ علیهم ، وعهود الظلم والطغیان التی قُوِّضت کانت باسم هذا الیوم .
ویمکننا تصوّر الشخصیات العظیمه ، والبطولات المستمیته فی سبیل إقامه العدل على الأرض کانت باسم هذا الیوم .
هذا الیوم هو الیوم الأوَّل فی تاریخ البشریه ، سواء قیَّمناه على أساس ما حدث فیه ، أو على أساس ما نتج عنه ؛ لأنَّه یوم ( النبوَّه الخاتمه ) .
وبمناسبه ( النبوَّه الخاتمه ) ، أُرید أنْ أتحدَّث إلیکم عن ( فکره التغییر والتجدید فی النبوَّه ) ، الفکره التی عاشتها ظاهره النبوَّه فی تاریخ الإنسان على مرِّ الزمن ، حتى وضِعَ لها الحدّ النهائی على ید الرساله الإسلامیه الخاتمه .
أسباب التجدید والتغییر فی النبوّه :
التجدید والتغییر فی النبوَّه له أسباب عدیده معقوله یمکن أنْ یقوم على أساس أیِّ واحد من هذه الأسباب ، کما یمکن أنْ یقوم على أساس أکثر من سببٍ واحد من هذه الأسباب :
السبب الأوَّل : استنفاد غرض النبوّه
یحصل التجدید والتغییر فی النبوّه فیما إذا کانت هذه النبوَّه قد استنفدتْ أغراضها ، واستکملتْ أهدافها ، وأنهتْ شوطها المرسوم لها ، ففی مثل هذه الحاله لابدَّ لها وأنْ تخلی المیدان لنبوَّه تحمل أهدافاً جدیده ، وتحمل شوطاً جدیداً لابدَّ أنْ تؤدّیه فی خدمه الإنسان ، وتصعیده إلى المستوى المطلوب .
وأقصد بکون النبوَّه تستنفد أغراضها : أنْ تکون ( النبوَّه ) ـ بالذات ـ وصفهً وعلاجاً لمرضٍ طارئ فی حیاه البشریه .
هناک نقاط ضعفٍ تطرأ بین حین وحین ، فی بعض الأزمنه والأمکنه ، وفی بعض المجتمعات البشریه ، وتکون إمّا من الناحیه الفکریه أو الروحیه أو الأخلاقیه ، وهذه الأمراض تستفحل بموجب شروط موضوعیه خاصه ، وتحتاج هذه الأمراض إلى نوع من العلاج فقط ، فیُنزِل المولى ـ سبحانه وتعالى ـ وحیاً معیَّناً لأجل علاج هذه الحاله المرضیّه الاستثنائیه فی ذلک المکان المعیَّن .
وبطبیعه الحال سوف یکون العلاج المقدَّم من قِبَل هذه الرساله ، علاجاً قائماً على أساس هذه الحاله الاستثنائیه المنحرِفه التی یعیشها إنسان عصر هذه النبوَّه .
ومن الطبیعی والمعقول أنْ لا یصحّ علاجٌ من هذا القبیل فی کل زمانٍ أو مکان ، فکل إنسان منَّا قد یستعمل وصفهً معیَّنه فی حالهٍ مَرَضیه ، إلاّ أنَّ هذه الوصفه نفسها لا یمکن أنْ تصبح غذاءً اعتیادیاً للإنسان فی کل زمانٍ أو مکان .
فحینما تکون النبوَّه فی طبیعه ترکیبها قد جاءت لعلاج مرضٍ معیَّن طارئ فی حیاه الإنسان ، تکون فی طبیعتها رسالهً قد صُمِّمتْ وِفقَ هذه الحاجه ، وحینما تکون النبوَّه هکذا ، وتدخل شوط عملها وجهادها ، وتُحارب وتُکافح فی سبیل استئصال هذا المرض الاستثنائی ، بعد هذا تصبح هذه الرساله مستنفده لأغراضها ؛ لأنَّها جاءت لمعرکه جزئیه محدَّده بظروفٍ زمانیه ومکانیه خاصه ، وهذه المعرکه انتهتْ بانقضاء هذه الظروف .
فمثلاً ما یُقال : من أنَّ المسیحیه کانت تتّجه إلى نزعه روحیه مفرِطه ، والترکیز على الجانب الغیبی بدرجهٍ أکبر بکثیر من الترکیز على أیِّ جانبٍ من جوانب الحیاه المُعاشه المحسوسه ، وأنَّ الترکیز على الجانب الغیبی اللامنظور ، والترکیز على جعل النفْس منقطِعه عن کل علائق الدنیا ، هذا الترکیز ـ الذی قامت على أساسه فکرهُ الرَّهبنه فی المسیحیه ـ کان علاجاً لمرض کان یعیشه شعب بنی إسرائیل حینما ظهرتْ المسیحیه .
هذا المرض ، وهذا الانغماس المطلَق فی الدنیا وفی علائق الدنیا ، وهذه الحاله النفسیه التی کانت تجعل الإنسان الیهودی مشدوداً إلى درهمه ودیناره ، ویومه وغَدِه … هذه الحاله کانت بحاجه إلى علاج ، وهذا العلاج یحاول أنْ ینتشل هذا الإنسان الیهودی من ضرورات یومه وغَدِه ، وتُذکِّره بأمسه وربِّه ؛ ولهذا کان فی المسیحیه هذا النوع من الإفراط المناسب مع حالهٍ موضعیه زمانیه معیَّنه فی التاریخ الطویل للإنسان .
أمّا هذا النوع من الإفراط حینما یُؤخَذ کخطّ عامّ للإنسان ، یُعتَبَر شذوذاً وانحرافاً ؛ لأنَّه دواءٌ للمریض ، ولیس طعاماً للصحیح .
فمِن هذه الأسباب التی تجعل التغییر فی النبوَّه أمراً معقولاً : هو أنَّ النبوَّه تستنفد أغراضها وتستوفی أهدافها ؛ باعتبارها رساله صُمِّمت لعلاج حاله طارئه وقد استنفدتْ أغراض العلاج .
السبب الثانی : انقطاع تراث النبوّه
من جمله الأسباب المعقوله لتغییر النبوَّه : هو ألاّ یبقى منها تراثٌ یمکن أنْ یُقام على أساسه العمل والبناء .
إذا افترضنا أنَّ نبوّهً جاءت ومارستْ دورها فی قیاده البشریه وهدایتها ، ووصلها بربِّها ، وتطهیرها من شوائبها ، إلاّ أنَّ هذه النبوَّه بعد أنْ مات شخص النبی ، تولَّدتْ ظروف وانحرافات أکلتْ کل ذلک التراث الروحی والمفاهیمی الذی خلَّفه ذلک النبی الذی قاد تلک المعرکه ، بقیتْ النبوَّه مجرَّد رؤى تاریخیه ، وشِعارٍ غامضٍ غائمٍ باهت ، دون أنْ یکون مُعبِّراً عن أیِّ کیانٍ فکری مفاهیمی محدَّدٍ فی أذهان القاعده الشعبیه المرتبطه بتلک النبوَّه .
فی مثل هذه الحاله لا یمکن أنْ تواصل هذه الدفعه الإلهیه ـ المتمثِّله فی تلک النبوَّه ـ عملها ؛ لأنَّها لا یمکن أنْ تواصل عملها بدون مصباحٍ مُنیر ، بدون کتابٍ مُنیر ـ على ما یصطلح علیه القرآن الکریم ـ ، وهذا الکتاب المُنیر عباره عن ذاک التراث الفکری والمفاهیمی الذی یُمثِّل القاعده للعمل النبوی ، ویُمثِّل الإطار للحیاه التی یُقدِّمها النبی ویدعو إلیها ، فإذا ماتت تلک القاعده وذلک الإطار باضمحلال ذلک التراث ، وبقیتْ النبوَّه مجرَّد مسأله تاریخیه لا یوجد لها ( ما بإزاء ) ـ على ما یقول المناطقه ـ یعنی لا یوجد بالفعل فی حیاه الناس ما یجسِّد مفهومها ومنظارها إلى الحیاه ، ففی مثل ذلک لابدَّ من دفعهٍ جدیده ؛ لکی یُستأنَف العمل ، ویُستأنَف الشوط فی سبیل إعاده البشریه إلى ربِّها ، وإقامه دعائم العدل والحقِّ والتوحید على وجه الأرض .
وهذا السبب أیضاً نجده بصوره کبیره فی المسیحیه بالذات ؛ لأنَّ المسیحیه بعد أنْ غادر السید المسیح (علیه السلام) مسرحَ الدعوه والعمل ، لم یبقَ من المسیحیه شیء حقیقی یمکن أنْ یُقام على أساسه العمل النبوی .
الإنجیل الذی یُحدِّث عنه القرآن الکریم نفد نهائیاً ؛ لأنَّ الإنجیل الذی یُحدِّث عنه القرآن الکریم کتابٌ أُنزِلَ على السید المسیح (علیه السلام) ، لا کتاب أُلّف من قبل طلاّب السید المسیح .
والأناجیل التی تعیش الیوم ، وکانت تعیش بالأمس : هی کُتُب ألَّفها طلاَّب السید المسیح (علیه السلام) على أفضل التقادیر ، فالرساله المتمثِّله فی الکتاب السماوی قد انطفأتْ ، والحواریون کانوا من حیث القلَّه والتشتّت والاضطراب الذهنی ، ما یجعلهم غیر قادرین على حمایه التراث الباقی فی أذهانهم من السید المسیح (علیه السلام) بدلیل مراجعه هذه الأناجیل التی کتبوها ، فإنَّ هذه الأناجیل لا تحمل فی الحقیقه إلاّ سیره السید المسیح (علیه السلام) ، مع إبراز الجانب الغیبی والمعاجزی من هذه السیره .
إذاً ، لم یبقَ من السید المسیح (علیه السلام) بعد انتهاء دوره على المسرح حصیلهٌ مضیئه ، یمکن أنْ یُقام على أساسها وعلى المدى الطویل ( العملُ النبوی ) ؛ إذ لم تبقَ إلاّ فکره غائمه غامضه عن إنسانٍ بات لیُصلِح ، وقال ، وعلَّم ، ثمّ انتهى ، أمّا أنَّه ماذا قال ؟ وکیف انتهى ؟ وماذا خلَّف ؟ وما هی شریعتُه ؟ کل هذا بقیَ غائماً غامضاً ؛ ولهذا مُلِئَ بالتدریج ، وبأیدٍ بشریه تزعَّمتْ بعد هذا المسیحیین ، مُلِئتْ هذه الفراغات الکبیره التی ترکها السید المسیح (علیه السلام) ، خاصهً بعد أنْ أصبحتْ المسیحیه رومانیه ، ودخلتْ الإمبراطوریه الرومانیه فی الدیانه المسیحیه رسمیاً أوَّلاً ، وشعبیاً ثانیاً .
إذاً ، هذا أیضاً من الأسباب المعقوله لتغییر النبوَّه ، وهی ألاّ یبقى من ذلک النبی تراث حیّ یمکن أنْ یُقام على أساسه العمل ، وترتکز بموجبه الدعوه إلى الله سبحانه وتعالى .
السبب الثالث : محدودیه نفس النبی
ومن الأسباب التی یمکن أنْ یُقام على أساسها التغییر فی النبوَّه : هو أنْ تکون الرساله التی هبطتْ على النبی محدوده باعتبار محدودیه نفْس النبی .
النبی ، وإنْ کان مفهوماً عاماً ، إلاّ أنَّ هذا المفهوم العام ـ على ما یقول المناطقه ـ : ( یصدق على أفراده بالتشکیک ) .
هناک ـ على ما تقول الروایات ـ نبی للبشریه ، ونبی للجماعه ، ونبی للقبیله ؛ ولذا فإنَّ النبوَّات تختلف معاً من حیث السعه والضیق باختلاف طبیعه النبی نفسه ، وباعتبار مستوى کفاءه القیاده الفکریه والعملیه فی شخص النبی ، فمحدودیه الکفاءه القیادیه فی المجالین الفکری والعملی ممَّا یؤثِّر فی تحدید الرساله التی یحملها النبی ؛ لأنَّ کل إنسان على الأرض لا یمکن أنْ یحمل رساله یُحارَب ویدافع عنها ـ حقیقه ـ إلاّ إذا کان مستوعِباً لها استیعاباً کاملاً شاملاً ، وهذا الاستیعاب الکامل الشامل یتطلَّب من هذا الداعِیه أن یکون على مستوى هذه الرساله .
ومن الواضح أنَّ الأنبیاء کغیر الأنبیاء ، یتفاوتون فی درجات تلقّیهم للمعارف الإلهیه عن طریق الوحی من الله سبحانه وتعالى ؛ ولهذا کانت بعض الرسالات محدوده بحُکمِ محدودیه قابلیه الأنبیاء أنفسهم ، حیث إنَّ هذا النبی لیس مؤهَّلاً لأنْ یحمل هموم البشریه على الإطلاق وفی کل زمانٍ ومکان ، بل هو مهیَّأ لأنْ یحمل هموم عصره فقط ، أو هموم مدینته فقط ، أو هموم قبیلته فقط ؛ لأنَّ ذاک الشخص الذی یحمل هموم البشریه ، ویعیش مشاکلها على الإطلاق لیکتوی بنارها ، لیس إلاّ الدرجه العالیه من الدعاه إلى الله سبحانه وتعالى من الأنبیاء والأوصیاء .
فإذا کانت النبوَّه محدودهً بطبیعه قابلیات هذا النبی ، کان لابدَّ فی خارج هذه الحدود الزمانیه والمکانیه من نبوَّهٍ أُخرى تُمارس عملها فی سبیل الله سبحانه .
السبب الرابع : تطوّر الإنسان المدعوّ
وأخیراً من جمله الأسباب التی تدعو إلى تغییر النبوَّه : هو تطوّر الإنسان ( المَدعو ) ، لا محدودیه الإنسان ( الداعی ) ـ کما بیَّنا فیما سبق ـ ، وکون الإنسان المَدعو یتصاعد بالتدریج لا بالطفره ، وینمو على مرِّ الزمن فی أحضان هذه الرسالات الإلهیه ، فیکتسب من کل رساله إلهیه درجهً من النمو ، تُهیِّئه وتُعدّه ؛ لکی یکون على مستوى الرساله الجدیده وأعبائها الکبیره ، ومسؤولیاتها الأوسع نِطاقاً .
وفکره التطوّر هنا لابدَّ وأنْ تُحدَّد ـ إجمالاً ـ معالمها وملامحها :
ملامح فکره التطوّر :
هنا یمکننا أنْ نُبرز ثلاثه خطوط یتطوّر على أساسها الإنسان ، إلاّ أنَّ عامل التطوّر فی النبوَّه یرتبط بالتطوّر فی خطّین من هذه الخطوط الثلاثه ، ولا یرتبط بالخط الثالث من هذه الخطوط .
وهذه الخطوط الثلاثه هی :
۱ ـ خط وعی التوحید .
۲ ـ خط المسؤولیه الأخلاقیه لحمل أعباء الدعوه .
۳ ـ خط السیطره على الکون والطبیعه .
النبوّه ترتبط بالواقع بالخطَّین الأوّل والثانی من هذه الخطوط الثلاثه : ( الوعی التوحیدی عند الإنسان ، وخط المسؤولیه الأخلاقیه لحمل أعباء الدعوه فی العالم ) ، ولا ترتبط النبوّه بالخط الثالث من خطوط التطوّر وهو : ( مدى السیطره للإنسان على عالم الطبیعه والکون ) ؛ ذلک لأنَّ النبوّه تستهدف أنْ تصنع الإنسان من داخله ، وتستهدف أنْ تصنع للإنسان قاعدهً فکریه یقوم على أساسها بناؤه الداخلی ، ثمّ یقوم على أساس هذا البناءُ الخارجی .
الخط الأوّل : وعی التوحید
وهذه القاعده الأساسیه ـ التی یقوم على أساسها البناء الداخلی للإنسان ، وبالتالی البناء الخارجی ـ هی : ( التوحید ) ، وربط الإنسان بکامل وجوده وجوانب حیاته بربٍّ واحدٍ أحَد .
هذه الفکره هی القاسم المشترک بین کل النبوّات والرسالات التی عاشها الإنسان ، مُنذ أنْ خلقه الله سبحانه وتعالى على وجه الأرض .
إلاّ أنَّ ( فکره التوحید ) لیست ذات درجه حدِّیه ، وإنَّما هی بنفسها ذات درجات من العمق والأصاله ، والترکیز والترسیخ ؛ ولذا فهی ذات درجات متفاوته .
وکان لابدَّ بمقتضى الحکمه الإلهیه أنْ یُهیَّأ الإنسان لها بالتدریج ، هذا الإنسان الذی غرق ـ بمقتضى ترکیبه العضوی والطبیعی ـ فی حسِّه ودنیاه ، حینما یُدعى إلى فکره التوحید لابدَّ من أنْ یُنتزَع من عالم حسِّه ودنیاه بالتدریج ؛ لکی ینفتح على فکره التوحید التی هی فکره الغیب .
فالغیب یجب أنْ یُعطى له على مراحل ، وعلى درجات ، کل درجه تُهیِّئ ذهنه لتلقّی التوحید على الدرجه الأُخرى .
نحن بإمکاننا بالالتفات إلى فکره التوحید المُعطاه من التوراه والإنجیل ، والقرآن الکریم ، أنْ نفهم هذا المعنى کمثال . التوراه والإنجیل والقرآن ، کل هذه الکتب تعطی فکره التوحید ، وعندما أقول : ( التوراه والإنجیل ) أقصدُ التوراه والإنجیل الذی یعیش بیننا الیوم ؛ لأنَّهما ـ على أیّ حال ـ یصوّران الفکره الدینیه فی شعب موسى (علیه السلام) ، وشعب عیسى (علیه السلام) ، ولا شکَّ فی أنَّهما یحتفظان بجزءٍ من النصّ الدینی إلى حدٍّ قلیل أو کثیر ، خاصهً فی التوراه .
ولهذا یمکن أنْ نستلهم من الکتابین فی سبیل تقدیر وتحدید الروح الدینیه العامه للمرحلتین ، مرحلتین من مراحل الإنسان التی عاشها مع النبوّه .
بطبیعه الحال ، نجد فارقاً بالدرجه ، وتطوّراً فی مفهوم ( التوحید ) المُعطى .
فکره التوحید فی التوراه :
فبینما ( التوحید ) فی ( الکتاب الأوَّل ) یقوم على أساس إعطاء ( إله ) ، هذا الإله لا یستطیع الکتاب أنْ ینتزع عنه الطابع القومی المحدود ، فیشدّ هذا الإله إلى جماعه معیَّنه ، إلى شعبٍ معیَّن ، الشعب الذی قُدِّر أنْ تنزل الرساله فیه ، وأنْ یکون النبی منه ، فکانت التوراه باستمرار تُقدِّم الإله فی إطارٍ قومی کأنَّه إله هؤلاء ، فی مقابل الأصنام والأوثان التی هی آلهه الشعوب والقبائل الأُخرى ، فلم تقلْ التوراه بشکلٍ صریح وعمیق لهؤلاء : إنَّ هناک إلهاً واحداً للجمیع ، وإنَّ هذه الأصنام والأوثان یجب أنْ ترفضها البشریه ، وإنَّما عوَّضتْ هؤلاء بالخصوص ـ عن صنمٍ ووثنٍ معیَّن ـ بإله یعبدونه بدلاً عن هذا الصنم ، هذا الشیء الذی بعث فی نفوس هؤلاء القوم تاریخیاً الشعور بالاعتزاز ، والشعور بالزهو والخُیَلاء على بقیَّه الشعوب الأُخرى ، هذا الشعور الذی لم یوجد فی شعوب متأخّره نزلتْ فیها نبوّات التوحید ، على أساس أنَّ الإله الذی أُعطی إلیهم کان إلهاً مشوباً بشیءٍ من المحدودیه والطابع القومی ، فخُیِّل لهم على مرِّ الزمن أنَّهم یحتکرون الله لأنفسهم ، بینما الشعوب والقبائل الأُخرى هی ذات آلهه شتّى ، وأصنامٍ شتّى ، ویُشیر القرآن الکریم إلى فکره الاحتکار التی کان یعتقدها الیهود بالنسبه إلى الله تعالى .
فکره التوحید فی الإنجیل :
فی ( الکتاب الثانی ) صُعّدتْ ( فکره الله ) مرتبه ؛ وذلک لأنَّ الطابع القومی انتُزع عن هذه الفکره ، أصبح ( الإله ) ـ المقدَّم من قِبَل تلامذه السید المسیح (علیه السلام) للعالم أجمع ـ إلهاً عالمیاً ، لا فرق فیه بین شعبٍ وشعب ، إلاّ أنَّ هذا الإله ـ الذی هو إله العالَم على الإطلاق ـ لم یغادِر منطقهً قریبهً من ذهن الإنسان المحسوس ، لم یُجرَّد تجریداً کاملاً عن عالَم الحس ، بقیَ على صلهٍ وثیقهٍ جدّاً بالإنسان الحسی ، کأنَّه أبوه ؛ وبهذا یُعبَّر فی الأناجیل کثیراً عن الإنسان بأنَّه ( ابن الله ) .
المسیحیه الرسمیه تُفسِّر هذا الإنسان بـ ( عیسى بن مریم ) ، وأنَّ عیسى بن مریم هو ابن الله ، لکن لا أظنّ أنْ یُقصَد به هذا .
الأناجیل تُعبِّر عن أیِّ إنسان بأنَّه ( ابن الله ) ، لا عن عیسى بن مریم بالخصوص أنَّه ابن الله ؛ لأنَّها تُعطی عن الله فکره الأب الواحد للجماعه البشریه ، لا فکره الخالق السید المطلَق المقتدِر الواهب الکبیر ، فکره أبٍ له أبناء ، هؤلاء الأبناء لهم لغات شتّى ، ولهم اتّجاهات شتّى ، ولهم مذاهب شتّى ؛ ولهذا یجب أنْ یتآخوا لأنَّهم أبناء أبٍ واحد .
فکره التوحید فی القرآن :
بینما الکتاب الثالث ( القرآن الکریم ) یُعطی فکره التوحید بأنصع وأوسع ممّا یمکن من التنزیه ، الذی یبقى محتفِظاً بقدرته على تحریک الإنسان ؛ لأنَّه یجرِّد هذه الفکره عن طابع ( الأُبوَّه ) والعلائق المادیه مع الإنسان على الإطلاق ، یجرِّد ( الله ) عن أیِّ علاقهٍ مادیه مع أیِّ إنسان ، حتى مع أشرف إنسان على وجه الأرض ، مع صاحب الرساله بالذات محمدٍ (صلّى الله علیه وآله) .
یقف النبی محمد (صلّى الله علیه وآله) ـ فی لغه القرآن ـ بین یدی الله ، عبداً ذلیلاً خاضعاً یتلقّى الأوامر ، ولیس له إلاّ أنْ یُطیع ، وإلاّ أنْ ینفِّذ حرفیَّاً ،
مثل هذه الفکره هی أقصى ما یمکن أنْ یصل إلیه التنزیه والتعمیق والتنسیق فی ( فکره التوحید ) ، مع الحفاظ على فاعلیه الفکره وعلى محرّکیَّتها .
هذا الخط ( خط وعی التوحید ) وفکره التوحید ، هو أوَّل الخطوط التی تتغیَّر على أساسه ( النبوّات ) ؛ لأنَّ هذا الخط هو القاعده الأساسیه التی تعمل بموجبها کل النبوّات ، فمهما صعدتْ درجه الوعی لهذه القاعده یجب أنْ تُعطى لها الصیغه المعمَّقه أکثر .
الخط الثانی : المسؤولیه الأخلاقیه للدعوه
الخط الثانی : هو خط تحمّل أعباء المسؤولیه الأخلاقیه للدعوه ، یعنی کون الإنسان بالِغاً إلى درجهٍ تؤهّله لأنْ یتحمَّل أعباء دعوهٍ لها ضریبتها ، وواحباتها ، وآلامها وهمومها .
مثل هذا التحمّل أیضاً له درجات ، ولا یستطیع الإنسان بالطفره أنْ یصل إلى درجه تحمّل أعباء الرساله العالمیه الواسعه الغیر محدوده الزمان والمکان ، لم یستطع أنْ یصل لذلک بالطفره ، وإنَّما استطاع أنْ یصل إلیه بالتدریج ، وعِبرَ مرانٍ طویل ، على تحمل المسؤولیات .
بقیَ یتحمّل المسؤولیات عِبرَ مرانٍ طویل ، ونما خلال المران الطویل ، حتى استطاع أنْ یتحمّل مسؤولیهً رسالیهً لا حدَّ لها ، ممتدَّه مع الزمان والمکان ، وإلاّ فأیّ مسؤولیاتٍ کانت تتحمَّلها أُمم الأنبیاء السابقین ، الأُمم التی انکشف تاریخها أمامنا الیوم ، أُمم ( موسى ) و( عیسى ) مثلاً ؟
نحن بالمقارنه بین موسى وعیسى (علیهما السلام) ، والمسؤولیات التی تحمَّلتها الأُمه الإسلامیه حینما نزل الوحی على النبی (صلّى الله علیه وآله) بالرساله الخاتمه ، بالمقارنه بینهما نکتشف وجود درجهٍ کبیرهٍ بینهما فی تحمّل المسؤولیات ، وهذه الدرجه الکبیره فی تحمّل المسؤولیه تُعبِّر عن نحو الاستعداد على مرِّ الزمن .
موسى (علیه السلام) مات وشعب بنی إسرائیل فی التیه ؛ لأنَّ الله کتب علیهم التیه أربعین سنه لأنَّهم لم یستجیبوا لمتطلَّبات الرساله ، لم یستجیبوا أبداً لما تقتضیه رساله موسى بالنسبه إلیهم ، حتى خلَّفهم موسى حیارى ومات .
أین هذا من أُمهٍ حملتْ أعباء الرساله ؟! أُمه محمد (صلّى الله علیه وآله) .
الخط الثالث : سیطره الإنسان على الطبیعه
الخط الثالث : وهو ( خط سیطره الإنسان على الکون والطبیعه ) ، هذا الخط خطٌّ متطوّر قبل الإسلام وبعده ، ولن یقف عند مرحلهٍ من المراحل على الإطلاق .
والإنسان سوف لن تقف سیطرته ـ بإذن الله ـ عند مرحلهٍ من مراحل الاستیلاء على الکون والطبیعه ، وإنْ انتهى استیلاؤه على الأرض فَلَسَوفَ یُفکِّر بالاستیلاء على بقیه الکواکب ، وعلى جمیع أبعاد الکون .
إذاً ، فهو فی نموّ مستمِر لا ینقطع ، ولا توضَع له حدود مفترضه من هذه الناحیه .
فلو کانت النبوّه مرتبطه بهذا الخط أیضاً ؛ لتحتَّم أنْ تتغیَّر النبوّات على مرِّ الزمن وإلى یومنا هذا ، وإلى یوم القیامه ، ولکن النبوّه غیر مرتبطه بهذا الخط ؛ لأنَّ النبوّه لم تأتِ إلیه لکی تأخذ بیده فی مجال السیطره على الکون والطبیعه ، وإنَّما جاءت لتصنع من هذا الإنسان المسیطر على الکون والطبیعه بالدرجه التی تُهیِّئه له هذه الظروف ـ الظروف الموضوعیه ـ ، وأنْ تجعل من هذا الإنسان إنساناً فاضلاً نبیلاً مُدبِّراً حکیماً ، سواء أکانت سیطرته على الطبیعه تُهیِّئه لأنْ ینتقل من بلدٍ إلى بلدٍ على رجلیه ، أو على الجمل ، أو فی الطائرات ، أو فی الصواریخ .
على جمیع هذه التقادیر ـ وفی جمیع هذه المراحل التی تُعبِّر عن درجاتٍ من سیطره الإنسان على الکون والطبیعه فی جمیع هذه المراحل ـ فالنبوّه لا یختلف دورها وطبیعه رسالتها .
ومن هنا کان من الحتم أن تتغیَّر النبوّه بین الحین والحین وفقاً للخط الأوَّل والثانی ، ولم یکن من الحتم أنْ تتغیَّر وفقاً للخط الثالث .
ولکنّا ـ نحن المسلمین ـ نعتقد بأنَّ الخطَّین الأوَّل والثانی اللذین تُربَط بهما التغییرات فی النبوّه ، هذان الخطَّان لهما حدّ نهائی یصل إلیه الإنسان ، وهذا الحدّ النهائی هو الحدّ النهائی الذی وصل إلیه الإنسان حینما جاء الإسلام .
الإسلام کرسالهٍ شاملهٍ کاملهٍ عامهٍ للحیاه ، هذه الرساله جاءت على أبواب وصول الإنسان إلى رشده الکامل ، من ناحیه استعداده لتقبّل وعی توحیدی صحیح کامل شامل ، ومن ناحیه تحمّله لمسؤولیه أعباء الدعوه .
ونحن باستقراء تاریخنا المنظور ـ منذ جاء الإسلام إلى یومنا هذا ـ لا نجد أیَّ تغیّرٍ حقیقی فی هذین الخطَّین ، لا فی مدى اتّساع الوعی التوحیدی عند الإنسان ، ولا فی اتّساع التحمّلات الأخلاقیه لأعباء الدعوه .
نعم ، نجد التغیّر الواسع جدّاً فی الخط الثالث ، الذی یُعتبَر خارجاً عن نطاق عمل النبوّه ورسالتها .