التوبه ودورها فی عملیه الإصلاح

0

  التوبه:
معناها فی اللغه: الرجوع .
وفی الاصطلاح: هی الرجوع إلى الله من الذنب , وإذا تاب الإنسان ، رجع عن العصیان ، وتاب الله علیه أی رجع علیه بالعفو عنه.
 أقسام التائبین:
بعد أن قلنا إن التوبه هی الرجوع إلى الله عن کل ما یبعد عن مرضاته فهی تختلف باختلافها وهی أقسام :
۱ ـ توبه الکفار: وهی الرجوع عن الکفر الذی کانوا علیه من شرک أو غیره ، والدخول بعد ذلک فی الإسلام.
۲ ـ توبه المنافق : من النفاق وتوبه العاصی من المعصیه.
۳ ـ توبه من یغفل عن ذکر ربه: وتکون فی الإکثار من ذکره وشکره على نعمه التی أنعمها على الإنسان.
۴ ـ توبه المقصر فی شیء من البر وعمل الخیر: وتکون فی التشمیر فیه والاستزاده منه.
  دلالات التائبین:
علامه التوبه الندم على الذنب ، والتجافی عن الشهوات ، وترک الکذب ، وقطع الغیبه والابتعاد عن إخوان السوء والاشتغال بما علیک، والاستعداد لما تنقلب إلیه وترک ما لا یعنیک والخوف من ساعه تأتیک فیها رسل ربک لقبض روحک.
  التوبه والاستغفار:
سمع الإمام علی (علیه السلام) رجلاً یقول أستغفر الله فقال :
(( أتدری ما الاستغفار ؟ الاستغفار درجه العلیین وهو اسم واقع على معان سته وهی:
۱ ـ الندم على ما مضى من المعصیه أبداً.
۲ ـ العزم على ترک المعصیه أبداً.
۳ ـ أن تؤدی إلى المخلوقین حقوقهم حتى تلقى الله أملس لیس علیک تبعه.
۴ ـ أن تعمد إلى کل فریضه ضیعتها فتؤدی حقها.
۵ ـ أن تعمد إلى اللحم الذی نبت على السحت فتذیبه بالأحزان حتى تلصق الجلد بالعظم وینشأ لحم جدید.
۶ ـ أن تذیق الجلد ألم الطاعه کما أذقته حلاوه المعصیه فعند ذلک تقول : أستغفر الله )).
التوبه النصوح:
قال الرازی : توبه نصوح أی بالغه فی النصح والنصوح من صفه التوبه بمعنى أنها توبه تنصح صاحبها بترک العود إلى ما تاب منه.
وقد روی عن ابن عباس أنه قال : سأل معاذ بن جبل رسول الله (صلّى الله علیه وآله وسلم) ما التوبه النصوح ؟ فقال: (( أن یتوب التائب ثم لا یرجع إلى الذنب کما لا یعود اللبن إلى الضرع )).
وقال بعض العلماء : معنى النصوح أن یکون العبد نادماً على ما فعل مجمعاً على أن لا یعود.
وقال سعید بن جبیر: لا تتحقق التوبه النصوح إلا بثلاثه:
۱ ـ الخوف من أن لا تقبل.
۲ ـ الرجاء أن تقبل.
۳ ـ الإدمان على الطاعه کما أدمن على المعصیه.
قال الله تعالى : ( إِنّمَا التّوْبَهُ عَلَى اللّهِ لِلّذِینَ یَعْمَلُونَ السّوءَ بِجَهَالَهٍ ثُمّ یَتُوبُونَ مِن قَرِیبٍ فَأُولئِکَ یَتُوبُ اللّهُ عَلَیْهِمْ وَکَانَ اللّهُ عَلِیماً حَکِیماً ) النساء / ۱۷٫
ثم إن الله لا یقبل توبه التائب عند نزول الموت به ، لأنه یئس من الحیاه ، ولذلک تقول الآیه الکریمه: ( وَلَیْسَتِ التّوْبَهُ لِلّذِینَ یَعْمَلُونَ السّیّئاتِ حَتّى‏ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنّی تُبْتُ الآنَ وَلاَ الّذِینَ یَمُوتُونَ وَهُمْ کُفّارٌ أُولئِکَ اعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِیماً ) النساء / ۱۸٫
ثم إن الإنسان إذا تاب ونصح فی توبته یبدل الله سیئاته حسنات ، وقد أشارت الآیه الکریمه إلى هذا المعنى: ( إِلّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولئِکَ یُبَدّلُ اللّهُ سَیّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ) الفرقان / ۷۰٫
  الأدله على قبول التوبه:
قالوا عن التوبه بأنها أبلغ أنواع الاعتذار.
وقد قال عنها الکاتب الهولندی فراترسال: إن التوبه فی الإسلام هی وسیله تغییر الأفراد أنفسهم وهی سلاح خلقی عظیم ، ففیها الندم والتغیر والتبدل .
وهناک أدله کثیره على أن الله یقبل توبه التائب من عباده منها:
۱ ـ الدلیل القرآنی: ومنه نستشف أن الله تعالى فتح باب التوبه على مصراعیه وأعطى للتائبین (خط رجعه) لکی یعودوا إلى مرضاه الله ویستظلوا بظلال تعالیمه.
ومن الآیات القرآنیه فی هذا الصدد قوله تعالى: ( وَعَلَى الثّلاَثَهِ الّذِینَ خُلّفُوا حَتّى‏ إِذَا ضَاقَتْ عَلَیْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَیْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنّوا أَن لا َمَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلّا إِلَیْهِ ثُمّ تَابَ عَلَیْهِمْ لِیَتُوبُوا إِنّ اللّهَ هُوَ التّوّابُ الرّحِیمُ ) التوبه / ۱۱۸ .
وقد ذکر المفسرون سبباً لنزول الآیه فقالوا: إنها نزلت فی شأن کعب بن مالک ومراره بن الربیع وهلال بن أمیه وذلک لأنهم تخلفوا عن رسول الله (صلّى الله علیه وآله وسلم) ولم یخرجوا معه لا عن نفاق ولکن عن توان ، ثم ندموا ، فلما قدم النبی (صلّى الله علیه وآله وسلم) المدینه جاؤوا إلیه واعتذروا فلم یکلمهم النبی (صلّى الله علیه وآله وسلم) وأمر المسلمین بأن لا یکلمهم أحد منهم ، فهجروهم حتى الصبیان وجاءت نساؤهم إلى النبی (صلّى الله علیه وآله وسلم) فقلن یا رسول الله ، هل نعتزلهم فقال: (( لا , ولکن لا یقربوکن )).
فضاقت علیهم المدینه فخرجوا إلى رؤوس الجبال وکان أهالیهم یجیئون لهم بالطعام ولا یکلموهم وبقوا على ذلک خمسین یوماً یتضرعون إلى الله ، ویتوبون إلیه ، فقبل تعالى توبتهم وأنزل فیهم هذه الآیه , لتکون درساً بلیغاً لجمیع الناس.
۲ ـ الدلیل التاریخی: إن التاریخ حدثنا کثیراً عن أناس کانوا عصاه ولکنهم أقلعوا عن ذنوبهم ، فتاب الله علیهم مثل کعب بن زهیر بن أبی سلمى، الذی هجا النبی والإسلام ، فأهدر النبی (صلّى الله علیه وآله وسلم) دمه ثم جاء إلى رسول الله (صلّى الله علیه وآله وسلم) تائباً وصار من شعراء صدر الإسلام الکبار.
ولنا فی توبه الحر بن یزید الریاحی ، الذی تحول من معسکر النفاق إلى معسکر الإیمان فی أحلک الفترات العصیبه من حیاته ، وصار من شهداء الإسلام الخالدین ، خیر شاهد على قبول التوبه.
۳ ـ الدلیل الوجدانی: وهذا الدلیل ینبع من الوجدان ومثاله لو أن شخصاً ما أساء إلى شخصٍ آخر ثم أراد أن یرضیه ، فهنا یأخذ المسیء جماعه من الناس المقرّبین لیشفعوا له عند من أساء إلیه ، ویطلب رضاه.
فمقتضى العاده أن الشخص المعتدى علیه یقبل هذه الشفاعه ویتنازل عن حقه ویرضى عن الشخص المسیء , وهذا المثال یسوقنا إلى أن نقول إن الله یقبل توبه التائب ، والشفیع والوجیه والوسیط الذی یأخذه الإنسان معه إلى الله هو توبته ، لأن التوبه أبلغ أنواع الاعتذار.
  عاقبه الذنوب:
کما ورد الحث فی القرآن على التوبه ، ورد ذلک أیضاً فی کثیر من أقوال الأنبیاء والأئمه (علیهم السلام) فقد ذُکر أن عیسى بن مریم (علیه السلام) ، مر على جماعه یبکون ، فقال لهم: (( ما یبکیکم )) قالوا : نبکی لذنوبنا قال: (( اترکوها تغفرلکم )) .
وقال الإمام علی (علیه السلام) : (( عجبت لمن یهلک ومعه النجاه )) قیل له وما هی ؟ قال: ((  التوبه والاستغفار )) .
وقد ورد عن آل البیت (علیهم السلام) أحادیث کثیره تؤکد على أن عاقبه الذنوب هی النکبات والمآسی الفردیه والاجتماعیه ، وأن جمیع ما یحل بالبشریه من دمار وخراب فمرجعه الذنوب والجرائم التی یرتکبها الناس ، لأنهم تخلوا عن التعالیم الإلهیه التی وضعها الله سبحانه وتعالى لعباده على لسان أنبیائه ورسله.
وتبین هذه الأحادیث العواقب المادیه والمعنویه للذنوب , ونذکر الآن طائفه من هذه الأحادیث:
۱ ـ قال الإمام الحسین (علیه السلام): (( ما کان من قوم فی خفض عیش فزال عنهم إلا بذنوب اقترفوها , إن الله لیس بظلام للعبید )).
۲ ـ قال الإمام الحسین (علیه السلام) : (( من حاول أمراً بمعصیه کان أفوت لما یرجو وأسرع لما یعذر )).
۳ ـ قال الإمام محمد الباقر (علیه السلام) : (( ما من نکبه تصیب العبد إلا بذنب )).
۴ ـ قال الإمام جعفر بن محمد الصادق (علیه السلام) : (( إن الذنب یحرم الرزق )).
وتؤکد هذه الأحادیث أن النکبات التی یعانیها الفرد والمجتمع هی نتیجه الانحراف عن تعالیم الله تعالى .
وقد یسأل سائل فیقول : ما هی الحکمه من تشریع التوبه ؟
وفی الجواب نقول: إن الله تعالى کریم جواد ومن باب لطفه بعباده فتح لهم باب التوبه لأن الإنسان جاهل ، ولجهله یتمرد على التعالیم الإلهیه، فلا یمکن أن یبقى یعیش المعصیه والانحراف ، لا سیما وإنه قد یندم على معاصیه.
فإذا لم یکن باب التوبه مفتوحاً یبقى هذا الإنسان یعیش حاله الضیاع والغفله ، فمن لطف الله بعباده أن فتح لهم باب التوبه ودعاهم إلى دخول رحابها الکریمه.

Leave A Reply

Your email address will not be published.