جیش أسامه

0

لقد کان الرسول کثیرا ما یردد وهو على فراش المرض: أنفذوا بعث أسامه. أنفذوا بعث أسامه .. (۱)
ـــــــــــــــ
 ( 1 ) أنظر طبقات ابن سعد ج۳ / ۴ . ( * )  
إن إصرار الرسول على ضروره تحقیق هذا الأمر یکشف لنا عده حقائق :
 الأولى : أن هناک قوى تقف فی طریق تحرک هذا الجیش . .
 الثانیه : أن تحرک هذا الجیش له أهمیته القصوى بالنسبه لحرکه الدعوه . .
 الثالثه : أن الرسول کان یتعجل خروجه . .
 الرابعه : ما هی حکمه تولیه فتى صغیر على کبار الصحابه فی بعثه عسکریه هامه کهذه ؟
یروی البخاری : استعمل النبی أسامه فقالوا فیه . . فقال النبی (صلى الله علیه وآله) قد بلغنی أنکم قلتم فی أسامه وأنه أحب الناس إلی . . لماذا یقول الصحابه فی أسامه . وماذا یقولون فیه . . ؟ هذا ما لم تخبرنا الروایه . إلا أن هناک روایه أخرى أکثر تفصیلا . . عن ابن عمر قال إن رسول الله (صلى الله علیه وآله) بعث بعثا وأمر علیهم أسامه بن زید فطعن الناس فی إمارته . فقام رسول الله فقال : إن تطعنوا فی إمارته فقد کنتم تطعنون فی إماره أبیه من قبل . وأیم الله إن کان لخلیقا بالإماره وإن کان لمن أحب الناس إلی . وإن هذا – أسامه – لمن أحب الناس إلی بعده . . (۲ )
والروایه الثانیه تجلى لنا الموقف بصوره أکثر وضوحا وهو أن هناک طعنا فی أسامه ورفضا لإمارته . وإن هذا الموقف کان قد اتخذ مسبقا من إماره أبیه فی غزوه مؤته التی استشهد فیها . .
والسؤال الذی یفرض نفسه هنا : ألیس الطعن فی إماره أسامه یعد طعنا فی أمر الرسول الذی عینه . . ؟ وهل هذا الموقف کان یترکز فی أسامه بشخصه أم فی أهداف البعثه ؟
إن الأمر على ما یبدو یتجاوز المسأله الشخصیه ویشیر إلى أن هناک قضیه أخرى أکبر من أسامه ومن بعثته . . وکعاده الروایات التی تروى فی کتب السنن خاصه الصحیحین وتتعلق بمواقف الصحابه وتجاوزاتهم . فإنها تکون مبتوره المعنى أو لا تسمی الشخص أو لا تفصل الحدث . . والهدف من وراء ذلک هو محاوله التمویه على الحقیقه وعدم إثاره الشبهات حول شخصیات معینه حتى لا تهتز فی أعین المسلمین . . وهو أمر یعود أولا وأخیرا إلى أمانه الراوی .
أنظر حدیث عائشه : خرج رسول الله (صلى الله علیه وآله) فی مرضه وهو مستند على رجلین أحدهما العباس ورجل آخر . وکان الرجل الآخر الذی لم تسمه عائشه هو علی . . (۳ )
وانظر حدیث أبو هریره : حفظت وعاءین عن رسول الله (صلى الله علیه وآله) وعاء بثثته . أما الآخر فلو بثثته لقطع هذا الحلقوم . . (۴ ) .
ــــــــــــــــ
 (2 ) البخاری باب بعث أسامه .
(۳ ) البخاری . کتاب المغازی . باب مرض النبی ووفاته . وانظر مسلم . .
(۴ ) البخاری . کتاب العلم . . ( * )             
وانظر حدیث ابن عباس : یوم الخمیس وما یوم الخمیس : اشتد برسول الله (صلى الله علیه وآله) وجعه . فقال ائتونی أکتب لکم کتابا لن تضلوا بعده أبدا . فتنازعوا ولا ینبغی عند نبی تنازع . فقالوا ما شأنه أهجر . فذهبوا یردون علیه . فقال دعونی فالذی أنا فیه خیر مما تدعونی إلیه وأوصاهم بثلاث . قال : أخرجوا المشرکین من جزیره العرب . وأجیزوا الوفد بنحو ما کنت أجیزهم . وسکت عن الثالثه أو قال فنسیتها . .
فالبخاری هنا لم یخبرنا من الذی قال عن الرسول : ما شأنه أهجر . وهی طعن فی الرسول واتهامه بالتخریف والهلوسه . . ثم أنه لم یخبرنا عن الثالثه هل سکت عنها ابن عباس أم سکت عنها هو ، وهو على ما یبدو من الروایه متأرجح بین أن یکون ابن عباس سکت عنها أو نسیها هو .
کما فاته أن یذکر أن الذی طعن فی الرسول وهو على فراش المرض هو عمر بن الخطاب . . ومثل هذا الأمر ینطبق على الروایات المتعلقه بجیش أسامه فقد ذکرت روایه البخاری : استعمل النبی أسامه فقالوا فیه . .
وفی الروایه الثانیه فطعن الناس فی إمارته . . ولم یخبرنا البخاری من الذین قالوا فی أسامه ومن الذین طعنوا فی إمارته من الصحابه . . ؟ إن مثل هذا الأمر یطابق النهی عن الخوض فی خلافات الصحابه واعتبار ذلک من المحرمات ومن أصول العقیده کما تنص على ذلک کتب العقائد . . (۵ )
فکلا الأمرین الهدف منهما التغطیه على أحداث التاریخ التی تتعلق بالصحابه حتى لا تهتز صورتهم فی أعین المسلمین وتفقد الثقه فیهم وتکون النتیجه هی خروج المسلمین عن خط أهل السنه وخط الحکام على ما سوف نبین .
ومن المعروف أن جیش أسامه کان فیه کبار الصحابه وعلى رأسهم أبی بکر وعمر عدا الإمام علی الذی أبقاه الرسول (صلى الله علیه وآله) إلى جواره . .
ــــــــــــــ
 (5 ) أنظر العقیده الطحاویه والواسطیه والعواصم من القواصم وانظر لنا عقائد السنه وعقاید الشیعه باب الرجال : . ( * )               
وهنا تتضح لنا معالم جدیده حول هذا الحدث . ماذا کان یهدف الرسول من وراء تأمیر فتى کأسامه على أبی بکر وعمر وکبار الصحابه ثم یصر على ضروره خروجهم من المدینه فی أسرع وقت . وهو الذی على فراش الموت .
ومن الممکن أن یتوفاه الله فی أیه لحظه فلا یکون إلى جواره فی المدینه أحد من الصحابه لعل هذا الأمر أثار الریب فی نفوس الصحابه وجعلهم یتلکأون فی الخروج محتجین بصغر سن أسامه . ولعل جواب الرسول (صلى الله علیه وآله) :
أن تطعنوا فی إمارته فقد کنتم تطعنون فی إماره أبیه من قبل یشیر إلى شکه فی موقفهم مذکرا لهم أن هذا الموقف اتخذتموه من قبل من أبیه زید ولم یکن زید صغیر السن . . ؟
إذن هؤلاء القوم کانوا یضمرون فی نفوسهم أمرا ویتحججون بحجج واهیه کی لا یخرجوا من المدینه . ولکن لماذا یریدون البقاء فی المدینه . . ؟
إن الجواب على هذا السؤال تکشفه لنا الروایه التی ذکرناها آنفا وهی روایه یوم الخمیس حین طلب الرسول (صلى الله علیه وآله) أن یکتب لهم کتابا لا یضلوا بعده . فهاجوا وماجوا وطعن بعضهم فی الرسول حتى یفوتوا علیه کتابه هذا الکتاب .
فهذا الحدث قد کشف لهذه الطائفه التی یتزعمها عمر على ما یبدو وعلى ما سوف نبین أن الرسول یضمر شیئا یتعلق بالأمر من بعده . فمن ثم هم لا یریدون أن یفوتهم هذا الأمر . ومما یؤکد هذا الظن أن الرسول (صلى الله علیه وآله) قد کرر هذا الموقف فی غزوه تبوک مع الإمام علی وصرح أمام الصحابه بمقاله فیه أثارت الریب فی نفوسهم . .
یروی البخاری أن رسول الله (صلى الله علیه وآله) خرج إلى تبوک واستخلف علیا . فقال : أتخلفنی فی الصبیان والنساء؟ قال: ألا ترضى أن تکون منی بمنزله هارون من موسى. إلا أنه لیس نبی بعدی .. (۶)
ـــــــــــــــ
 (6 ) البخاری . کتاب فضائل الصحابه . باب مناقب علی . ( * )      
ولعل الصحابه تذکروا هذا النص حین أمرهم بالخروج فی بعث أسامه وأدرکوا أن الأمر یحمل أبعادا أخرى تتعدى مسأله الخروج خاصه بعد أن رأوا الرسول قد استبقى علیا مع إصراره على خروجهم من المدینه .
إن بعث أسامه یکشف أمامنا قضیه هامه وهی قضیه التفضیل . تفضیل الصحابه على بعضهم . وتفضیل أبی بکر وعمر على الصحابه بل على الأمه . فإن هذا التفضیل لو کان حقیقه ما جعل رسول الله أسامه أمیرا على أبی بکر وعمر وما استبقى علیا . . کما یکشف لنا من جهه أخرى أنه لو کان الرسول قد نص على استخلاف أبی بکر کما یقال ما وضعه على مقدمه الجیش بینما هو على فراش المرض الذی توفی فیه ( * ) .
یقول ابن حجر : کان تجهیز أسامه قبل موت الرسول بیومین فندب الناس لغزو الروم فی آخر صفر . ودعا أسامه فقال ؟ سر إلى موضع مقتل أبیک فأوطئهم الخیل فقد ولیتک هذا الجیش . . فعقد الرسول لأسامه لواء بیده . وکان ممن انتدب مع أسامه کبار المهاجرین والأنصار فیهم أبو بکر وعمر وأبی عبیده وسعد وسعید وقتاده بن النعمان وسلمه بن أسلم ثم اشتد على الرسول وجعه : فقال انفذوا بعث أسامه . فتکلم فی ذلک قوم منهم عیاش بن أبی ربیعه المخزومی . فجهزه أبو بکر بعد أن استخلف . . (۷ )
وقد أنکر ابن تیمیه أن یکون أبو بکر وعمر کانا فی بعث أسامه . لکن ابن حجر رد علیه وأورد عدد من الروایات التی تبطل قوله . . (۸ )
وهنا یطرح أمامنا السؤال التالی : لماذا یحاول ابن تیمیه نفی وجود أبو بکر وعمر فی بعث أسامه . . ؟ . ألیس وجودهما یعد امتثالا لأمر الرسول وهو شرف لهما . . ؟ .
ــــــــــــــ
 ( * ) لیست هذه المره الأولى التی وضع فیها أبو بکر وعمر فی هذا الموضع فقد سبق أن وضعهما الرسول صلى الله علیه وسلم تحت إمره عمرو بن العاص فی غزوه ذات السلاسل. أنظر البخاری . باب مناقب أبو بکر وشرح الروایه فی فتح الباری ج۷ .
(۷ ) فتح الباری ج۸ / ۱۵۲ کتاب المغازی باب ۸۷ .
(۸ ) المرجع السابق . ( * )        
لماذا یحاول ابن تیمیه أن ینفی عنهما شرف الامتثال لطاعه الرسول والجهاد فی سبیل الله ؟ .
 إن ابن تیمیه قد اتخذ هذا الموقف فی معرض رده على العلامه الحلی أبرز علماء الشیعه المعاصرین له . وقد اضطر فی مواجهته إلى التشکیک فی حدیث الثقلین المروی فی صحیح مسلم وهو ما دأب ابن تیمیه على فعله فی مواجهه خصومه من العلماء داخل أهل السنه وخارجها خاصه من الشیعه . . (۹ ) والطریف فی هذا الأمر هو تجهیز أبو بکر للجیش بعد وفاه الرسول وبعثه إلى الروم . .
یقول ابن حجر : ولما جهزه أبو بکر بعد أن استخلف سأله – أی أسامه – أن یأذن لعمر بالإقامه – فی المدینه – فأذن . . تأمل . . ( ۱۰ ) لماذا عمل أبو بکر على استثناء عمر من جیش أسامه . . ؟ لقد جهز أبو بکر الجیش امتثالا لأمر الرسول حیث أنه قد رفع شعارا مفاده إنما أنا متبع ولیست بمبتدع . . وعمد إلى تقلید الرسول فی کل مواقفه وممارساته . . فإذا کان هو کذلک فلماذا عمل على استثناء عمر . ألیس ذلک مخالفه لسنه الرسول وأمره . وهو قد استثنى نفسه بحکم تسلمه الخلافه فبأی حجه.
استثنى عمر . . ؟ هل یمکن أن نتهم أبو بکر بالسطحیه فی فهم النصوص إذ أن الغرض من بعث أسامه قد انتفى بوفاه الرسول واستخلافه . بینما هو یصر على خروجه ویستثنی منه عمر . أم أن أبا بکر یحاول أن یموه على الهدف الحقیقی من بعثه أسامه ؟ ولنترک القوم مع جیش أسامه على أبواب المدینه ینتظرون ویراقبون من بعد تطورات مرض الرسول (صلى الله علیه وآله) وهم بموقفهم هذا قد تحایلوا على أمر الرسول : فلا هم نفذوا أمره ولا هم ظاهرون أمامه . وبدا وکأنهم یوهمون الرسول أنهم خرجوا . . هل مثل هذا السلوک یصح من أناس تخرجوا من مدرسه الرسول . . ؟
ـــــــــــــــ
 (9 ) أنظر منهاج السنه وهو رد على کتاب العلامه الحلی منهاج الکرامه فی إثبات الولایه لآل البیت . . ط بیروت .
( ۱۰ ) فتح الباری ج۸  باب ۸۷ کتاب المغازی . . ( * )   

Leave A Reply

Your email address will not be published.