الإمام جعفر الصادق (علیه السلام) وثورته الثقافیه الإصلاحیه
وکان رفضه (علیه السلام) لتلک العروض متمشیاً مع مبدأ التقیه الذی یمارسه ویتعامل على أساسه مع الأنظمه السلطویه التی عاصرها ویدعو شیعته إلى ذلک: (( التقیه ترس المؤمن ، والتقیه حرز المؤمن ، ولا إیمان لمن لا تقیه له ))(۲) وبلغ لدیه من وضوح الرؤیه فی لزوم تبنی التقیه فی حیاته حدّاً کان یرفض معه حتى مجرد الحدیث فی الحکم . . . وقد اتضح فی سیاسته هذا الموقف من الحکم للجمیع .
قال الشهرستانی فی الملل والنحل: (ما تعرض للإمامه قط ولا نازع أحداً الخلافه) ، وربما دفع موقف الإمام (علیه السلام) هذا البعض منّا إلى التساؤل عن السبب الحقیقی الذی من أجله رفض الإمام تلک العروض وهو صاحب الحق الشرعی فی الخلافه ، مؤثراً مسلک التقیه فی حیاته السیاسیه والبعد عن الخوض بکل ما یتعلق فی مسأله الحکم ، ربما فسّر موقفه الحاسم ذاک ومن ثم إشاحه وجهه عن تلک العروض ، بأنه جاء متمشیاً مع زهده وورعه وحیطته لدینه التی عرف بها کسائر أئمه أهل البیت (علیهم السلام) ، وأن الحکم ومقدمات الوصول إلیه تزلّ الأقدام وتعرّض دین المرء للخطر(۳).
فی حین رأى البعض أن إعراضه وإشاحه وجهه عن العروض العسکریه لم یکن زهداً فی السلطه والحکم ، وأن التقیه التی أظهرها کانت تخفی وراءها عملاً عسکریاً منظماً فی طریق الوصول إلى الحکم ولو على المدى البعید .
کما یلوح ذلک من کلام بعض الکتاب: ( وللإمام وصیه لمحمد بن النعمان الأحول فی (تحف العقول) یؤکد له على العمل بخفاء والإلتزام بالتقیه، حتى أن الأمر کاد أن یتمّ للإمام لولا إخلال بعض أصحابه بالسریه وإفشائهم عن ما لا یرید إفشاءه )(۴).
واستدل هذا الفریق الأخیر برأیه أو استأنس له بالأحرى ببعض الکلمات التی مرّت فی روایات رویت عنه (علیه السلام) من مثل قوله : (( کونوا لنا دعاه صامتین )) وقوله فی وصیه للمعلى بن خنیس: ((یا معلّى ، اکتم أمرنا ولا تذعه))(۵).
وما جرى مجرى هذه العبائر التی رویت عنه (علیه السلام) , ولعلّ الأقرب بین هذین الرأیین ، أن یقال بصعوبه الإقتناع من جهه بأن زهد الإمام (علیه السلام) وورعه کانا هما بالفعل وراء إعراضه عن الحکم کما وأن تلک المرویات من جهه أخرى ، ومبدأ التقیه الذی انتهجه الإمام الصادق (علیه السلام) فی حیاته لا یشکلان دلیلاً على وجود عمل سری یدیره الإمام هدفه الوصول إلى الحکم بالمعنى السیاسی الذی نتصوره الیوم للعمل السری المنظم.
مناقشه ما ورد من آراء:
أما فیما یخص هذا الرأی الأخیر، ففضلاً عن أنه یفترض لسلوک الإمام لوناً من التباین الشدید بین السر والعلن فی الحیاه السیاسیه ، نجد صعوبه فی استساغته ، فلیس ثمه دلیل یساعد علیه، أمّا أدله التقیه فلأنها لا تفید أکثر من دعوه الإمام أصحابه وشیعته إلى کتمان انتمائهم لمذهب أهل البیت (علیهم السلام) ، المضطهد من قبل السلطه والنظام ، والتزام الحذر والتواری عن أنظارها ورقابتها الشدیده فراراً من فتکها وبطشها الذی لا یعرف الرحمه ولا یقف عند حدود .
واستفاده وجود حرکه سریه منظمه من مجرد الدعوه إلى التقیه وممارستها على الأرض ، تحمیل مفهوم التقیه فوق ما یحتمل قطعاً ، وبکلمه فإن التقیه هی مجرد سلوک دفاعی ولیست سلوکاً هجومیاً.
وأما ما روی عن الإمام (علیه السلام) من بعض الکلمات والتعابیر التی یحاول صاحب هذا الرأی أن یستدل بها أو یستأنس بها على وجود عمل تنظیم سری یقوده الإمام (علیه السلام) فکذلک هو الآخر قاصر جداً عن إثبات مدعاه ، فإن أقوال الإمام (علیه السلام) تلک إذا ما قیّمناها ووزنّاها هی ما بین نصیحه واعیه تؤکد على أصحابه وشیعته کتمان هویتهم الحقیقیه فی الإنتماء لمذهب أهل البیت (علیهم السلام) خوفاً علیهم من القتل والتنکیل ، کما ذکرنا مثل وصیته (علیه السلام) للمعلى بن خنیس : (( یا معلّى , اکتم أمرنا ولا تذعه لأحد )).
وعلیه فلا تحمل فی مدلولها أکثر ممّا تحمل أدله التقیه ، وبین موعظه تحثهم على التمسک بتعالیم أهل البیت (علیهم السلام) والتحلی بأخلاق الإسلام الفاضله لیکونوا قدوهً حسنهً للآخرین فیصبحوا دعاه لمذهبهم الحق بأفعالهم وسلوکهم قبل أقوالهم وذلک مثل قوله (علیه السلام): (( کونوا لنا دعاه صامتین )) . أی أن مثل هذه الأقوال الوارده عن الإمام (علیه السلام) لا تنهض بالدلاله على وجود عمل سری منظم ، على أن هذا العمل السری الذی یفترض أن الإمام الصادق (علیه السلام) کان یقوده لا بد ـ فیما نقدر ـ أن تتسرب بعض الأخبار والشواهد علیه تسجله المصادر التاریخیه ، ولم نعثر على شیء من ذلک .
فمثل الروایات المذکوره إذاً وانتهاج الإمام (علیه السلام) مبدأ التقیه، ودعوه قاعدته المضطهده إلیها، لا دلاله فیها على الدعوى المذکوره.
وأمّا ما یخص الرأی الأول وصعوبه الاقتناع بأن زهد الإمام (علیه السلام) هو وراء إعراضه عن الحکم والمطالبه به ، فلأن الدین الإسلامی بطبیعته لیس دیناً منعزلاً عن الحیاه وحرکتها، بل إنما جاء الدین ونزلت الأحکام والتعالیم السماویه من أجلها وبهدف تنظیمها وإثرائها بالخیر والجمال وإعمار الأرض وتحقیق السعاده للناس . والحکم إذا تسلمه إمام معصوم , وعصمه الإمام أمر مسلّم به لدى المسلمین الشیعه قامت علیه الأدله القطعیه عندهم، فلا معنى لأن تزل فیه قدم ویخشى منه الإمام (علیه السلام) ویتخوف على دینه، على أن الحکم قد قبله جده أمیر المؤمنین(علیه السلام) وهو أزهد الناس وأعبدهم، وإراقه الدم فی طریق الحق ونصرته إذا ضبط موضعها وکیف لا یضبطه معصوم، سوف تکون استجابه لدعوه إلى ذلک وتنفیذاً لحکم من أحکامه ، وتتحول جهاداً فی سبیله، فتکون واحده من العبادات المقرّبه إلیه جلّ وعلا ، ومن أعظمها شأناً . . . وکم أریقت دماء فی عهد الرسول (صلى الله علیه وآله) وبعد عهده على طریق نصره الدین وإشاده صرحه والذود عنه ، نعم، تشخیص موردها لغیر المعصوم عسیر، ومن هنا خافها الفقهاء والعلماء وتهربوا من مسؤلیتها وشاع عنهم : ( ما تحرز الإسلام فی شیء کتحرزه فی الدماء ) . ولکن هذا أمر آخر غیر أصل المشروعه فی حدودها المنضبطه وغیر محل الکلام ، فإن الکلام فی المعصوم ، بل لنا أن نفترض بأن مسؤولیه الإمام الکبرى کمؤتمن على دین الله وإقامه حدوده ونشر أحکامه إنما تقتضیه السعی للتمسک بأزمّه الحکم وذلک تمهیداً لتطبیقها ونشرها وإسعاد البشر بها ، مهما تطلب ذلک من جهود وتضحیات ومهما کان الإمام (علیه السلام) زاهداً فی الحکم وعالمه وبریقه . وإنما نکاد نجزم بأن طریق الحکم لو کان مفتوحاً أمام الإمام (علیه السلام) لسلکه بلا تردد ، لأنه فی حد ذاته من أهم الوسائل التی مکن له من خلالها نصره الدین وتثبیت أرکانه ورفع لوائه فوق صرح الدوله وبثّ أحکامه وتعالیمه بین الناس ، وذلک غایه ما یتطلع إلیه الإمام (علیه السلام) ویسعى له.
وبناء على هذا کله ، فلا تکاد تحصل لدینا قناعه بأن زهد الإمام (علیه السلام) وورعه هما بالذات کانا وراء إعراضه عن الحکم والسعی من أجل الوصول إلیه ، وإذا ما وصف الإمام (علیه السلام) بأنه کان ورعاً زاهداً فی الحکم وقرأنا ذلک عن علماء وکتّاب ، فإنا نؤمن من أعماق قلوبنا بهذا الکلام ونرتاح إلیه ، ولکنّا نفهمه من زاویه أخرى هی اختلاف وجهه النظر لدیه نحو الحکم عنها لدى الآخرین من طلاب الدنیا والساعین إلى مجدها الزائف . . . فحین لا یثنی هؤلاء عن التنافس فی طریق الحکم واللهاث المحموم من أجل الوصول إلیه، دم یراق ومبادئ تسحق وأمّه تلتاع من الصراع الذی یحتدم عبره ، فإن الإمام الصادق (علیه السلام) یرفض أن یریق من أجله قطره دم واحده ظلماً وفی غیر موضعها ولا یعنیه من الحکم وعالمه سوى ما یمکن أن یؤدی من خلاله المسؤولیه الملقاه على عاتقه من خدمه دین الله ونصره مبادئه وترویج أحکامه ورعایه مصالح الأمّه وبناء سعادتها.
فلو کان فی السعی إلى الحکم ما یناقض هذه الروایه وهذه الأهداف ، کان فیه أزهد الزاهدین.
أسباب موقفه السلبی فی مسأله الحکم:
وإذا انتهینا إلى أن إعراض الإمام (علیه السلام) عن الحکم لم یکن بسبب ما یتحلى به من ورع وزهد، فلنا أن نسأل عن تلک الأسباب الموضوعیه التی جعلته یتخذ ذلک الموقف الحاسم من الحکم.
تتلخص هذه الأسباب بالأمور التالیه:
الأول: قله الأنصار الذین ینبغی توافرهم فی الأمّه للنهوض بمشروع ثوره مسلحه محسوبه العواقب.
ونلمس فی کلام للإمام (علیه السلام) مع أحد أصحابه وقد عرض علیه النهوض لکثره ماله من شیعته وأنصاره حسبما کان یتصور، نلمس تذمراً وشکوى مریره حیال هذا الواقع الذی کان سائداً فی عصره وأنه لو کان لدیه الحدّ الأدنى من الأنصار المبدئیین الذین یمکن الإتکال علیهم فی هکذا مشروع کبیر تحفُّه المخاطر الجسام، لما وسعه القعود وللزمه القیام والاضطلاع بالمسؤولیه کإمام شرعی للمسلمین فی السعی لتنفیذه وتحقیقه لصالح الدین وصالح الأمّه.
یقول (علیه السلام) مخاطباً أحد أصحابه واسمه سدیر: (( . . . والله یا سدیر لو کان لی شیعه بعدد هذه الجداء ، ما وسعنی القعود . . . ))(۶). فترى أن الإمام (علیه السلام) لم یزهد فی الحکم ویسفّه الطلاب والساعین إلیه أو یدینهم بل کشف عن أن الواجب یحتّم علیه (علیه السلام) إعلان الثوره وإرجاع الأمور إلى نصابا لو کان یتوافر مجرد الحدّ الأدنى من الأنصار المخلصین .
أما تلک العروض العسکریه فلم یکن بوسع الإمام (علیه السلام) الاتکال علیها ، لأن سوادها من الجند لیسوا تحت قیادته ، بغض النظر عن مدى وعیهم لأطروحه الإمام (علیه السلام) وإخلاصهم له عدا عن أن أصحاب العروض أنفسهم کانوا مشکوکی الولاء له (علیه السلام) حتى أنه أجاب أبا مسلم على عرضه بکلام یدینه فی غایه الوضوح : (( ما أنت من رجالی ولا الزمان زمانی )) .
وکذلک موقفه من أبی سلمه: (( ما أنا وأبو سلمه ، وأبو سلمه شیعه لغیری )) (۷).
الثانی: الرقابه الشدیده التی کان حکّام عصره یحیطونه بها ، وتعقب أصحابه وشیعته بالتشرید والتنکیل والقتل ما یجعل التحرک لاستلام الحکم بالغ الصعوبه تحفّه أخطار ماحقه.
الثالث: تردّی وفساد الواقع الاجتماعی للأمّه ، حیث لم یعد المسلمون یتحلّون بروح الحماس وتوقد العزیمه وحب التضحیه على ما کانوا علیه فی صدر الإسلام ولم تعد الأخلاق الإسلامیه بالمستوى الذی کان سائداً فی ذلک العهد ، بل تسرب إلیها الفتور والانحلال.
وکان انحراف الحکّام عقائدیاً وسلوکیاً من أهم الأسباب التی أدّت إلى ذلک، فالعامه تتأثر بحکّامها وأمرائها ، والناس على دین ملوکهم کما قالوا. وقد ساعد على الإنحدار إلى هذا الوضع الألیم ازدیاد الأموال والثروات سیما لدى ذوی النفوذ من رجال الحکم والمخلصین عندهم ، وذلک إثر الفتوحات واتساع رقعه الدوله، مضافاً إلى تسرّب خلیط من الثقافات والعادات الأجنبیه إلى داخل المجتمعات الإسلامیه.
وإذا وجد فی الناس من وعى هذا الواقع الفاسد غیر المشرّف الذی انجرّت إلیه الأمّه، فهو إمّا فی السجن أو مطارد , وفی هکذا جو یسود الأمّه نستطیع أن نقدّر بسهوله صعوبه توافر کتله داخل المجتمع الإسلامی آنذاک تضمّ الحدّ الأدنى من الثوار المتحلّین بالوعی العقائدی اللازم والمتعاطفین مع هموم الأمّه وآلامها والتی یحتاجها الإمام (علیه السلام) لتنفیذ ذلک المشروع الواسع الخطیر القاضی أولاً، بقلب نظام الحکم والطامح ثانیاً ، إلى إداره مرافق الدوله وقیاده عملیه تغییر شامله فی الأمّه بحسب أحکام الإسلام وتعالیمه بشکل مخلص ونظیف عبر حرکتها دون الوقوع بمفارقات ونکسات خطیره تکلفه کثیراً.
الرابع: انشغال المساجد بهمّ کبیر لا یقل خطوره عن همّ الحکم وانحراف السلطه وظلمها . کان یحتاج إلى التدخل السریع لمواجهته والتصدی له، وأعنی به ذلک الإنحراف فی الفکر والثقافه، الذی راح یتسلل إلى داخل الوسط العلمی والثقافی للأمّه وینمو ویتسع حتى بات یشکّل ظاهره خطیره، تحمل فی موجتها طروحات ومفاهیم ومسالک منحرفه عن أطروحه الإسلام الأصلیه وتصطدم معها وبشکل حاد أحیاناً، إن من الناحیه الفقهیه التشریعیه کالقیاس والإستحسان ونحوهما وقبول ورفض بل وحتى وضع أو تزویر أحادیث الرسول (صلى الله علیه وآله) على أساس مواقف سیاسیه مسبقه . . . أو فی الناحیه الفکریه العقیدیه کأوهام الغلاه وهلوسات المتصوفین وتشکیکات الزنادقه ومحاورات أهل الدیانات الأخرى وطعون الملاحده والمادیین، التی ساعد على رواجها وقولبتها بالأسالیب العلمیه، ازدهار الترجمه عن باقی اللغات والإنفتاح على الثقافات المختلفه للشعوب الأخرى کالفارسیه والهندیه والیونانیه ، ما جعل الإمام (علیه السلام) أمام تحدّ کبیر یطال مکاسب الإسلام وکیانه العقیدی والعملی والثقافی من الأساس ویهدد مصیر الأمّه ومستقبلها کله.
ثورته الثقافیه:
هذه الأسباب مجتمعه هی التی حدت بالإمام (علیه السلام) وشکلت عنده القناعه الراسخه بضروره صرف النظر تماماً عن مسأله الحکم وتوجیه کل الجهود والطاقات لتدارک ومعالجه الواقع المأساوی الصعب الزاخر بالتحدیات الذی یواجه الأمّه ویتهدد مصیرها بالکامل .
وکان جهاده العلمی وثورته الثقافیه التی انطلقت فی الساحه الإسلامیه لتجابه کل تلک البدع والإنحرافات التی أشرنا إلیها، بسلاح العلم والمعرفه، ومعین لا ینضب من علم الکتاب والسنّه والمعارف العقلیه الإنسانیه المختلفه، وکانت مدرسته الرائده التی اتخذت مرکزا فی مسجد الرسول (صلى الله علیه وآله) فی المدینه المنوره وفتحت أبوابها للطلاب المسلمین یفدون إلیها من کل حدب وصوب، وراحت تخرّج الآلاف من العلماء وتبثهم فی طول البلاد وعرضها، یحملون إلى المجتمع الإسلام صنوف العلم والمعرفه ویتصدّون بثقه وجداره لتلک التحدیات وذاک اللغط والغزو الثقافی المشار إلیه.
قول الجاحظ واصفاً علم الإمام قائد هذه الثوره: ( وفجر الإمام الصادق (علیه السلام) ینابیع العلم والحکمه فی الأرض وفتح للناس أبواباً من العلم لم یعهدوا من قبل وقد ملأ الدنیا بعلمه )(۸)، وتفاعل الناس مع هذه الثوره التی أطلقها الإمام (علیه السلام).
یقول ابن حجر فی (الصواعق): ( ونقل عنه الناس من العلوم ما سارت به الرکبان وانتشر صیته فی جمیع البلدان ) (۹) وامتدت هذه الثوره إلى جمیع المناطق الإسلامیه.
یقول سید أمیر علی: ( حتى أن حرکته العلمیه اتسعت اتساعاً هائلاً شملت جمیع المناطق الإسلامیه ) (۱۰).
إلى جانب هذه الحرکه العلمیه والثقافیه العارمه، کان (علیه السلام) یرعى باهتمام قواعده الشعبیه ، فکان یعیش معها هموم الساحه السیاسیه والمعیشیه بکل أبعادها ، یعانی من الحکّام ما یعانی الناس بل وأشد مما یعانون ، فقد کانت السلطه تحصی علیه الأنفاس وتکبس علیه الدار، المره تلو الأخرى، وأنهت حیاته (علیه السلام).
ومن ناحیتهم الإجتماعیه والمعیشیه کان (علیه السلام) یشرف على أوضاعهم بشکل مباشر ومستمر، یأمرهم بالصبر والإحتساب وبالتواد والتراحم والتواصل فیما بینهم، وکانت خطبه وجمیل مواعظه وتعالیمه ووصایاه ومواقفه الکریمه، سرعان ما تنتقل إلیهم وتطوف فی مجتمعات المسلمین، وتدخل إلى بیوتهم فیتحدثون بها ویرددونها فی سفرهم وحضرهم.
کما کان (علیه السلام) یستلم الحقوق المالیه ویعید صرفها على الخدمات العلمیه والثقافیه، وعلى سدّ عوز الفقراء والمستحقین وذلک عبر وکلائه المنتشرین فی مختلف البلدان.
وبهذه السیاسه الحکیمه وهذا الأسلوب الواعی البعید النظر، الذی یأخذ فی الحسبان کل ظروف ومعطیات المرحله التی کان یمر بها الإسلام، قاد الإمام الصادق (علیه السلام) ثورته الإصلاحیه الواسعه النطاق، فحفظ للأمّه هویتها وأصالتها وصانها من السقوط والتهاوی أمام الأخطار والتحدیات التی اعترضتها فی الطریق وأحاط بها من کل جانب، فتابعت الأمّه ببرکه جهوده الجباره مسیرتها عبر الزمان لتحمل أنقى أطروحه للإسلام هی أطروحه أهل البیت (علیهم السلام)، فکان ما أسداه لأمّته بهذه السیاسه وهذا الأسلوب الفذ من الجهاد والثوره أعظم مما یمکن أن یؤدیه فی جهاد مسلّح یفتقد فیه أسباب النجاح ولا تؤمن معه العواقب الخطیره التی ربما کان منها الإجهاز على أصل وجودها وهویتها.
مواقفه (علیه السلام) مع حکّام الجور:
ثم إن الإمام الصادق (علیه السلام) حین دعته قناعته الراسخه إلى النهوض بهذه الثوره الإصلاحیه العارمه مترفعاً عن مسأله الحکم والخوض فیها، ما هادن الحکام فی حیاته قط، بل کان شدید الخصومه لهم، جریئاً فی انتقادهم، دائم التعریض بهم، لا یتردد فی صفعهم بلاذع کلامه ومواعظه کلما سمحت لذلک الفرص، ولا یخشى فی ذلک العواقب ولا تأخذه فی الله لومه لائم . . . .
مثلاً یستدعیه المنصور مره: ـ والمنصور من ولغ فی دماء رعیته سیما العلویین ـ ویجلسه إلى جانبه ویحادثه بکل إجلال واحترام، فوقع الذباب على وجه المنصور ولم یزل یقع على وجهه وأنفه حتى ضجر منه المنصور، قال: لم خلق الله الذباب یا أبا عبد الله ؟ فقال الصادق (علیه السلام): (( لیذل به أنف الجبابره )) , فوجم المنصور وتغیّر لونه ولم یتکلم معه بما یسیء إلیه کلمه واحده (۱۱). ویستدعیه مره أخرى ـ على ما یروی الرواه ویعاتبه على قطیعه له ، وکان قد زار المدینه ولم یدخل علیه الإمام الصادق (علیه السلام) فیمن زاره من الوجوه والأشراف ـ فقال له: لم لا تغشانا کما یغشانا الناس ؟ فأجابه الإمام (علیه السلام): (( إن من یرید الدنیا لا ینصحک ، ومن یرید الآخره لا یصحبک ))(۱۲).
وفی حین کانت هذه هی خطته وأسلوب تعاطیه مع الظالمین وحکّام الجور، فقد کان حریصاً (علیه السلام) فی ذات الوقت أن یرسم لأصحابه والمسلمین المنتمین إلى أطروحته طریقاً یعبرون عبره من الظلم(۱۳)، یکرّههم بالظالمین وأعوانهم ویحذّرهم من مهادنتهم والعمل فی أجهزتهم والترافع إلیهم فی حلّ مشکله أو قضیه.
فمن وصایاه (علیه السلام) لهم: ((أیاکم أن یخاصم بعضکم بعضاً إلى أهل الجور…)) کما وحظر علیهم تقدیم أی لون من ألوان العون لهم حتى فیما عُدّ فی الظاهر من أعمال الخیر والبر وخدمه الدین کبناء مسجداً(۱۴), على ما ورد فی بعض المرویات عنه (علیه السلام) لأن ذلک فی نهایه الأمر یصبّ فی دعمهم وتقویه سلطانهم وبسط نفوذهم ویلقی ستاراً من الضباب على صورتهم الحقیقیه ، فیسهمون من حیث لا یریدون فی ترسیخ استمراریه أنظمتهم المجافیه لشریعه الله والقائمه على الکبت والقهر ودماء الأحرار وأنین الرعیه.
وانسجاماً مع سیاسته (علیه السلام) هذه فی التصدی لظلم الحکّام وتثقیف الناس وتربیتهم على کراهیته والنفور منه، نفهم أولاً لماذا تعاطف(۱۵) مع الثورات العلویه التی اندلعت فی عصره کثوره زید بن علی (رضوان الله علیه) مع أنها لم تکن بقیادته ولم تأخذ الإشاره منه.
ونفهم ثانیاً لماذا کان یؤکد على أنصاره وشیعته ویرغبهم ویحبب إلیهم زیاره قبر الإمام الحسین (علیه السلام) وإنشاد الشعر فی رثائه وعقد المآتم لإحیاء ذکره والبکاء علیه . . . إنه أراد بذلک کما هو توجّه أهل البیت (علیهم السلام) جمیعاً فی هذه المسأله ، أن یطبعوا شیعتهم على رفض الظلم والفساد ونصره الحق والحریه والقیم من خلال ربط قلوبهم بالحسین (علیه السلام) الذی جسّد هذه المعانی بثورته واستشهاده فی أصدق وأروع صوره.
وهکذا سجّل الإمام الصادق (علیه السلام) وهو یضطلع بثورته الإصلاحیه المبارکه، معرضاً عن الدخول فی أی نزاع من أجل الحکم، سیاسته الواضحه والحاسمه إزاء الظلم والحکّام الظالمین ناعیاً على الإنسانیه فی کل عصر أنها لن تحظى یوماً بصفاء العیش وطعم السعاده، وهذا الشبح المرعب یعیش فی مجتمعاتها(۱۶).
ویمکن أن نجمل کل ما تقدم بأن الإمام الصادق (علیه السلام) کان معرضاً کلیاً عن الخلافه والخوض فی مسأله الحکم، لکن لا بسبب زهده المعروف عنه، فذلک لا ینسجم مع مبادئ الإسلام وأهدافه الداعیه إلى بناء الحیاه وإعمار الأرض وإقامه حدود الله وتطبیق شریعته، إذ لا یخفى أن الحکم من الوسائل الهامه التی یمکن من خلالها التمهید لذلک الهدف الکبیر، وإنما کان إعراضه الراسخ ذاک لأسباب موضوعیه عدیده، کما وأنه فی المقابل ما کان یرعى نشاطاً هدفه الوصول إلى الحکم بأسلوب التقیه والعمل السری کما قد یلوح من کلمات بعض الکتّاب، فالتقیه التی انتهجها ما کانت إلاّ لمجرد حفظ أطروحته والمنتمین إلیها من سطوه الحکام وبطشهم، فقد کانوا یحقدون على أئمه أهل البیت (علیهم السلام) لأن ضمائرهم کانت تقرّ بأنهم هم أصحاب الحق الشرعی فی الخلافه، ولأن تیاراً شعبیاً واسعاً یأتم بهم فضلاً عن أنهم یحظون باحترام کل المسلمین.
وکان البدیل لخصومه فی مسأله الحکم اضطلاعه بثوره إصلاحیه عارمه ذات اتجاهین علمی واجتماعی، جنّبت الأمّه مخاطر فادحه وصانتها من السقوط أمام تحدیات عقیدیه وثقافیه وأخلاقیه زاخره اعترضت طریقها . على أن انهماکه فی قیاده هذه الثوره الواسعه ما کان لیشغله عن مواجهه الحکّام والظالمین ، بل کان حرباً عواناً علیهم ، ولکن بأسلوب حکیم بعید النظر، فوّت علیهم فرص الإنقضاض والإجهاز على أطروحته، ومنع من محاولاتهم لإلغائها ودمج کتلته الشعبیه بأنظمتهم.
بهذه الثوره الإصلاحیه الواسعه واستیعابه التام لمعطیات وظروف المرحله التی عاشها (علیه السلام) ، أعدّ الإمام الصادق (علیه السلام) أطروحته الفذّه ، أطروحه أهل البیت (علیهم السلام) لیرسلها إلى الأجیال أصدق مشروع یجسّد الإسلام وأنقى مرآه تعکس أخلاقه وروعته.
ـــــــــــــــــــ
(۱) کتب أبو مسلم للإمام الصادق (علیه السلام) کتاباً جاء فیه: (إنی أظهرت الکلمه ودعوت الناس عن موالاه بنی أمیه إلى موالاه أهل البیت (علیهم السلام) فإن رغبت فلا مزید علیک.
(۲) أصول الکافی ج۲، باب التقیه ۲۲۱٫
وعنه (علیه السلام) یوصی شیعته بالتقیه:( . .. کونوا لمن انقطعتم إلیه زیناً ولا تکونوا علیه شیناً , صلوا فی عشائرهم وعودوا مرضاهم واشهدوا جنائزهم ولا یسبقونکم إلى شیء من الخیر فأنتم أولى به منهم ، والله ما عبد الله بشیء أحب إلیه من الخبء ))، قلت: وما الخبء؟ قال:(( التقیه )).
(۳) کما أطبق العلماء وأرباب السیر على علم الإمام الصادق (علیه السلام) کذلک أطبقوا على زهده وورعه وعظیم عبادته وذاع صیته فی ذلک وتحدث عنه القاصی والدانی، یقول مالک بن أنس: (عرفت جعفر بن محمد واختلفت إلیه زماناً فما کنت أراه إلاّ على إحدى ثلاث خصال: أما مصل، وإما صائم، وإما یقرأ القرآن. وما رأت عین وما سمعت أذن ولا خطر على قلب بشر أفضل من جعفر بن محمد الصادق علماً وعباده وورعاً). عن کتاب الإمام الصادق والمذاهب الأربعه، أسد حیدر ص۵۳، عن التهذیب إلى کلمه القرآن وما بعدها، عن المجالس السنیه ج۵، وعن کتاب الوشیعه والتوسل لإبن تیمیه، ص۲۵، ط۲٫
(۴) أصول الکافی / الکلینی / ج۲ / ص۲۲۳ ـ ۲۲۴، دار الأضواء.
(۵) هذه الفقره وارده فی روایه عنه (علیه السلام) تشتمل على فقرات أخرى مماثله تؤکد على المعلّى أن یکتم إیمانه وانتماءه لمذهب أهل البیت (علیهم السلام) ولا یذیعه خوفاً علیه من القتل. ولم تنجح نصیحه الإمام (علیه السلام) وقتل المعلّى بالفعل لعدم التزامه بالنصیحه / أصول الکافی / هامش ۱ / ص۲۲۴٫
(۶) (سیره الأئمه الاثنى عشر) للسید هاشم معروف الحسنی (رحمه الله) / ج۲ / ص۲۴۴ / ط۳٫
(۷) (الأئمه الاثنی عشر / عادل الادیب / ص۱۸۲، عن (الملل والنحل) / ج۱/ ص۲۴۱ / دار صعب / ص۱۵۴٫
(۸) عادل الأدیب / الأئمه الاثنی عشر / ص۱۸۴ / عن مروج الذهب / ج۳ / ص۲۵۴ على نسخته.
(۹) عادل الأدیب / الأئمه الاثنی عشر / ص۱۷۲ / عن رسائل الجاحظ للسندوبی / ص۱۰۶٫
(۱۰) الأدیب / الأئمه الاثنى عشر / ص۱۷۲ / عن الصواعق المحرقه لابن حجر.
(۱۱) الأئمه الاثنى عشر/ الأدیب / ص۱۷۲ / عن تاریخ العرب / ص۱۷۹٫
(۱۲) (سیره الأئمه الاثنى عشر / للسید هاشم معروف / ج۲ / ص۲۷۶ / عن حلیه الأولیاء لأبی نعیم الأصفهانی / بحار الأنوار للمجلسی، ۴۸: ۱۶۶ / ج۶، عن علل الشرائع / ص۴۹۶٫
(۱۳) سیره الأئمه الاثنى عشر/ السید هاشم معروف / ج۲ / ص۲۷۶٫
(۱۴) من أقواله (علیه السلام) ینفرّ المسلمین من الظلم: (( اتقوا الظلم، فإن دعوه المظلوم تصعد إلى السماء ))، بحار الأنوار / ج۹۰ / ص۳۵۸/ عن مکارم الأخلاق: (( إیاکم أن تعینوا على مسلم مظلوم فیدعو علیکم فیستجاب له فیکم فإن أبانا رسول الله (صلى الله علیه وآله) کان یقول (إن دعوه المسلم المظلوم مستجابه) ولیعن بعضکم بعضاً، فإن أبانا رسول الله (صلى الله علیه وآله) کان یقول (معونه المسلم خیر وأعظم من صیام شهر…)).
(۱۵) الوسائل / ج۱۷ / ط۱ مؤسسه أهل البیت لإحیاء التراث / ص۱۸۰٫
(۱۶) عنه (علیه السلام): (( ثلاثه تکدر العیش: السلطان الجائر، و… وثلاثه لا یصلح العالم بدونها: الأمن والعدل والخصب )) سیره الأئمه الاثنا عشر / السید هاشم معروف / ج۲ / ص۳۰۰٫