بساطه العقیده ویُسر التکلیف فی الإسلام [۱]

0

فالعقیده التی عرضها سیّد المرسلین على البشر لم تکن عقیده معقّده کما هو الحال فی العقیده النصرانیه التی لا یستطیع المتدّین بها أن یفسر مسأله التثلیث و الأقانیم الثلاثه فیها . فالعقیده الإسلامیه فی خالق الکون والإنسان تتمثّل فی سوره التوحید :
{ قُلْ هُوَ اللهُ أحَدٌ * اللهُ الصَّمَدُ * لَمْ یَلِدْ وَلَمْ یُولَدْ * وَلَمْ یَکُنْ لَهُ کُفُواً أحَدٌ * }[۲].
وکان الإسلام ولا یزال یقنع من المسلم فی مجال الاعتقاد ، بهذا القدر ، ولم یُلزم الوحیُ ولا العقلُ أحداً بالغور فی المسائل العقلیه الفلسفیه ، ولم یجعل الإیمان دائراً مدارها أبداً .
وأمّا یسر التکالیف وسهوله الشریعه فحدّث عنهما ولا حرج ، وقد أشار إلیها الکتاب العزیز بقوله: { ما جَعَلَ عَلَیْکُمْ فی الدِّینِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّهَ أبیکُمْ إبْراهِیمَ هُوَ سَمَّاکُمُ المُسْلِمِینَ مِنْ قَبْلُ }[۳].
{ مَا یُریدُ اللهُ لِیَجْعَلَ عَلَیْکُمْ مِنْ حَرَجٍ }[۴].
{ یُریدُ اللهُ بِکُمُ الیُسْرَ وَلا یُریدُ بِکُمُ العُسْرَ }[۵].
{ رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَیْنَا إصْراً کَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذینَ مِنْ قَبْلِنَا }[۶].
فهذه الآیات تصرّحُ بأنّ تعالى رفع عن أُمه محمّد الآصار ، ولم یفرض علیهم حکماً حرجیّاً صعباً ، ممّا کان فی الأُمم الماضیه .
وقد ورد فی حدیث عن النبیّ (صلى الله علیه وآله)أنّه قال : " مما أعطى الله أُمتی وفضّلهم على سائر الأُمم أعطاهم ثلاث خصال لم یعطها إلاّ نبی ، وذلک أنّ الله تبارک   وتعالى کان إذا بعث نبیّاً قال له : اجتهد فی دینک ولا حرجَ علیک ، وإنّ الله تبارک وتعالى أعطىذلک أُمّتی حیث یقول : { ما جَعَلَ عَلَیْکُمْ فی الدِّینِ مِن حَرَجٍ }[۷] یقول : من ضیق " [8].
وظاهر هذا الحدیث أنّ رفع الحرج الذی منّ الله به على هذه الأُمه المرحومه کان فی الأُمم الماضیه خاصّاً بالأنبیاء وأنّ الله أعطى هذه الأُمه ما لم یُعطِ إلاّ الأنبیاء الماضین (علیهم السلام).
وسُئل علی (علیه السلام) : أیُتوضّأ من فضلِ وضوء جماعه المسلمین أحبُّ إلیک أو یتوضّأ من رکوٍ أبیضٍ مخمّر ؟ فقال : " لا ، بل من فضلِ وضوء جماعه المسلمین ، فإنّ أحبّ دینکم إلى الله الحنیفیه السمحه السهله " [9].
واشتهر عن رسول الله (صلى الله علیه وآله) قوله : " بُعثتُ بالحنیفیّه السمحه السهله " [10].
و للتأکد من هذه الحقیقه ینبغی أن نستعرض أرکان الإسلام التی یکفی تحقّقها لتحقّق عنوان المسلم ، وصدقه على الشخص .
أرکان الإسلام فی ضوء الکتاب والسنّه :
لقد کان رسول الله (صلى الله علیه وآله)یقنع فی قبول الإسلام من الذین یریدون الانضواء تحت رایته ، والإیمان به وبرسالته ، بالشهادتین وإقامه الصلاه وإیتاء الزکاه ، فإذا فَعَلها أحدٌ حُقن دمه وعِرضه ومالُه وکان له ما للمسلمین وعلیه ما علیهم . وقد قامت سیره النبی (صلى الله علیه وآله)هذه على أصلٍ قرآنیٍ ثابت حیث یقول الله تعالى: { وَلا تَقُولواْ لِمَنْ ألْقى إلَیْکُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً }[۱۱].
وجاء فی صحیح البخاری عن عبد الله بن عمر ( رضی الله عنهما ) : قال رسول الله (صلى الله علیه وآله): " بُنی الإسلام على خمس ، شهاده أن لا إله إلاّ الله وأنَّ محمداً رسول الله ، وإقام الصلاه ، و إیتاء الزکاه ، والحجّ ، وصوم رمضان " [12].
بل کان (صلى الله علیه وآله)یکتفی بأقل من هذا ، رغم سعه رقعه التکالیف الإسلامیه ، وکثره جزئیاتها وتفاصیلها .
فقد أخرج البخاری ومسلم فی باب فضائل علی (علیه السلام) أنّه قال رسول الله (صلى الله علیه وآله)یوم خیبر : " لأُعطینّ هذه الرایهَ رجلاً یحبّ الله ورسوله یفتح الله على یدیه " .
قال عمر بن الخطاب : ما أحببتُ الإماره إلاّ یومئذٍ ، قال : فتساورتُ لها رجاءَ أن أُدعى لها ، قال فدعى رسول الله (صلى الله علیه وآله)علیَّ بن أبی طالب فأعطاه إیّاها وقال : " امشِ ولا تلتفت حتّى یفتح الله علیک " فسار "علیٌّ " شیئاً ثم وقف ولم یلتفت وصرخ : یا رسول الله على ماذا أُقاتل الناس ؟
قال (صلى الله علیه وآله): " قاتِلهُم حتى یشهدوا أن لا إله إلاّ الله وأن محمَّداً رسول الله ، فإذا فعلوا ذلک فقد منعوا منک دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّها وحسابهم على الله " [13].
قال الشافعیّ فی کتاب " الأُم " عن أبی هریره ، أنّ رسول الله (صلى الله علیه وآله)قال : " لا أزال أُقاتل الناس حتى یقولوا لا إله إلاّ الله فإذا قالوا لا إله إلاّ الله فقد عصمُوا منّی دماءَهم وأموالهم إلاّ بحقّها وحسابهم على الله " .
قال الشافعی : فأعلَمَ رسول الله أنّ فَرضَ الله أن یقاتلهم حتّى یُظهروا أن لا إله إلاّ الله فإذا فعَلوا مَنَعوا دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّها ، یعنی إلاّ بما یحکمُ الله علیهم فیها وحسابهم على الله بصدقهم وکذبهم وسرائرهم ، اللهُ العالم بسرائرهم ، المتولّی الحکم علیهم دون أنبیائه وحکاّم خلقه ، وبذلک مضت أحکام رسول الله فیما بین العباد من الحدود وجمیع الحقوق ، وأعلَمَهُمْ أنَّ جمیع أحکامه على ما یظهرون وأنّ الله یدین بالسرائر [۱۴].
قال ، قال رسول الله (صلى الله علیه وآله): " من شهد أن لا إله إلاّ الله واستقبل قبلتنا وصلَّى صلاتنا وأکل ذبیحتنا فذلک المسلمُ له ما للمسلم ، وعلیه ما على المسلم " [15].
وقال : قال رسول الله (صلى الله علیه وآله)روى أنس قال : أنّ رسول الله (صلى الله علیه وآله) قال : " أُمرت أن أُقاتل الناس حتّى یقولوا : لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله فإذا شهدوا أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله واستقبلوا قبلتنا وأکلوا ذبیحتنا وصلُّوا صلاتنا، حرمت علینا دماؤهم وأموالهم إلاّ بحقّها".
کل هذه الأحادیث تصرّح بأنّ ما تُحقَن به الدماء وتُصان به الأعراض ویدخل به الإنسان فی عداد المسلمین هو الاعتقاد بتوحیده سبحانه ورساله الرسول ، وهکذا یتّضح ما ذکرناه من بساطه العقیده وسهوله التکالیف الإسلامیه.
ـــــــــــــــــــــ
[۱]  هذه المقاله هی المقاله الأولى من کتاب فی ظلّ أصول الإسلام ، والکتاب هو مجموعه  محاضرات للعلامه الأستاذ المحقق الشیخ جعفر السبحانی بقلم الاستاذ الشیخ جعفر الهادی ، راجع فی ظل أصول الإسلام : ۱۱ ، الطبعه الثانیه ، مؤسسه الامام الصادق (علیه السلام) ، قم / ایران .
[۲] سوره الاخلاص  ( 112 ) ، الآیه : ۱ ـ ۴ .
[۳]  سوره الحج ( ۲۲ ) الآیه : ۷۸ .
[۴]  سوره المائده ( ۵ ) الآیه ، : ۶ .
[۵]  سوره البقره ( ۲ ) ، الآیه : ۱۸۵ .
[۶]  سوره البقره  ( 2 ) ، الآیه : ۲۸۶ .
[۷]  سوره الحج ( ۲۲ ) الآیه : ۷۸ .
[۸] البرهان :  3/105 . یراجع بقیه الحدیث فی المصدر المذکور .
[۹] وسائل الشیعه : الباب ۵۰ من أبواب النجاسات ، الحدیث ۳ .
[۱۰]  الکافی : ۱ / ۱۶۴ .
[۱۱]  سوره النساء ( ۴ ) ، الآیه : ۹۴ .
[۱۲] صحیح البخاری ج۱ کتاب الإیمان .
[۱۳] صحیح البخاری ج۲ ، مناقب علیّ (علیه السلام) ، وصحیح مسلم ج۶ باب فضائل علیّ (علیه السلام) .
[۱۴] الأم : ۷ / ۲۹۶ ـ ۲۹۷ .
[۱۵] جامع الأُصول ۱ : / ۱۵۸ ـ ۱۵۹ .

Leave A Reply

Your email address will not be published.